من «أخبار أبي نواس» لأبي هفان المهزمي (ت ٢٥٧هـ)
أخبار أبي نواس (٢)
الصفحة ١ من ٢
ثم قام إلى دن شراب مطين فبزله ثم سكب منه وسقى القوم، فلم يزل يشرب ويسقيهم وهو في خلال ذلك يطربهم ويلهيهم، ونظروا إلى رأسه محلوقا فأقبلوا يطرقون له وهو يحتملهم على ذلك لما أضمره لهم من المكيدة والمخاتلة. وهمه أن يسكرهم وينومهم فلم يزل بهم حتى جنهم الليل وكلما مال بهم السكر هزهم وألهاهم وسقاهم حتى جاوز بهم المقدار فخروا نياما لا يعقلون سكرا واستعد للقاء فلما علم أنه قد أمكنته الفرصة قام إليهم فقضى وطره ... وقال: والله لأنتقمن لقمحدوتي من خصاكم فلما خسر وأعيا..... ولم يبق فيه حركة تساكر ونام كهيئتهم على وجهه........... كفعله بهم فلما انتبه لهم ورأى حاله أنكرها واتهم أبا نواس وقال: هذا عمل الحمال وفعله وانتبه الثاني والثالث فإذا أحوالهم كحاله فامتعضوا لذلك وقالوا: ما كان ليدخل علينا داخل في هذا الموضع، وإن هذا لفعل الحمال - وهو قد تناوم وتساكر لاستماع كلامهم - فنظروا إليه فإذا هو على مثل حالتهم محلول السروايل مبلول الإست فقالوا ما هذا إلا فعل شيطان وأنبهوه فانتبه وتغضب واستشاط وقال لهم: أخزاكم الله، تفعلون بشيخ مثلي هذا الفعل أما تتقون الله أما تستحون من شيبتي والله لأشكونكم إلى العالم. فقالوا له: اتق الله فإن ذلك قد فعل بنا جميعا، فسكن ثم قال: إن كان الأمر كما تزعمون فإن لي بكم أسوة حسنة، فقال بعضهم لبعض: ليس الرأي أن يشيع هذا الخبر وإلا كان فضيحة علينا، وأبو نواس في البلد، وإن سمع بهذا الخبر فأين المهرب من هجائه فقام كل واحد فاغتسل ثم قال لهم أبو نواس: يا فتيان (كل) واحد منا قد جعل البارحة عروسا فاصطحبوا وباكروا اللذة كمباكرة العروس، قالوا: صدقت فتغذوا ووضعوا الشراب فلما دارت الراح في رؤوسهم قام أبو نواس فخرج ولبس ثيابا سرية من خلع الخصيب وتطيب ثم رجع إليهم. فلما دخل عليهم من الباب قالوا: يا هذا من أنت؟ ثال: أنا الحمال الذي صيرتكم البارحة عرائس، قالوا: أنت والله أبو نواس؟ قال: أنا والله أبو نواس فكيف رأيتم، فصفق كل واحد يده على جبهته وجعل ينكت الأرض استحياء وتخاجلا، فقال لهم: قد وقع الأمر الآن موقعه وأنا أشرب فإن ساعدتموني وتممتم يومكم كان ذلك أوفق لكم فشربوا على كره منهم وحياء شديد فلما أمسى وانصرف أنشأ يقول:
وفتية كالدمى قد اجتمعوامثل الدنانير حين تنتقد
قد ساقني الحين نحوهم فإذاهمو يقولون إن دنا الأحد
فباكروا الراح واقطعوه بهافصرت للموضع الذي عمدوا
علي كرزن ومشملةوميهة حبالها مسد
عمدا فبكرت وارتصدتهموحتى أتوا غدوة وما انفردوا
قمت إليهم فقلت أحملهافإن عندي لحملها القدد
حبل وثيق وميهة وأنابحملها عالم ومرتشد
قالوا فخذها فأنت أنت لهاسوف نكافيك بالذي نجد
فظلت أعدوا كأنني جملينوء للموضع الذي قصدوا
فصرت رشاشهم وكانسهموصرت طباخهم وبي رمد
إذا الأباريق والزجاج بهانظرت فيها المغرد الصرد
فثرت نحو الزجاج أغسلهحتى تلالا كأنه البرد
فأعجب المرد خفتي لهمووليس في خفتي لهم رشد
قالوا لي اقعد وهات صب لناوبادر الليل قبل نفتقد
فلقت إذ ذاك هامة وضعتعلى ضئيل كأنه وتد
فمر يهوي كأنه رجلتسيل منه الدماء مفتصد
ما زلت أسقيهمو مشعشعةيحذر من وقع كأسها الجسد
حتى رأيت الرؤوس مائلةولم يكن في رقابها أود
واعتقلت ألسن وأسوقةفممسك رأسه ومعتمد
قمت وبي رعدة... وكل من دب فهو مرتعد
يا ليلة بت أجني ثمر اللذلات معنا النواعم الخرد
من ذا إلى ذا وقد أمرت بأنأعفج هذا وكل من أجد
كأنهم أنجم لبهجتهمأو المصابيح حين تتقد
حتى إذا مللت عفجهمووكل ... فما به جلد
حتى إذا المجلس استوى بهموغادرتهم والكؤوس تطرد
صرت إلى منزلي فأبت وقدزينت نفسي وحلني العدد؟
على قوهية وأرديةمن نسج مصر وكلها جدد
فقيل من أنت قلت صاحبكملا عقل يرجى لكم ولا قود
أنا الذيبأجمعكم ... قالوا نواس فقلت بل لبد
ثم تغنيت وامقا فرحايا ليت سلمى وفت بما تعد
ماذا لقيت من الظباء الخردقد أفسدوني بعد طول تعبدي
يتراوحون على كل عشيةفي رازفي تارة ومورد
فإذا سألت الحور عن أسمائهملم تعد بين محمد أو أحمد
فكأن آباء الظباء تعاقدوابآلية معقودة بتأكد
أن لا يسموا الحور من أبنائهمإلا بأحمد مرة ومحمد
ثم تم بعد ذلك على نسكه حتى مات أبو هفان قال: حدثني يوسف ابن الداية قال: أخبرني أبو نواس أنه صار يوما إلى العباسية فبصر بغلامين من أبناء التجار نظيفين حسنين مليحين يتباذلان فلما بصرا بأبي نواس قاما فقال لهما: عودا إلى ما كنتما فيه فعادا فأخذ أرديتهما فتأبطها.. فقال له أحدهما. أحب أن تقول فينا شعرا وتمدح أجودنا وتهجو الآخر وتذمه فتأملهما فإذا هما كفرسي رهان ليس فيهما عيب ولا لأحدهما فضل على الآخر فقال:
كلاكما رخيممهفهف هضيم
كلاكما حباهبمقلتيه الريم
هذا زمان فيه ال_بذال يستقيم
فالرأي أن تعيشواوالعيش لا يدوم
وأنتموا صغاروربكم رحيم
وذا البذل شيءصاحبه مرحوم
ولا أراه ذنبا=أنا به زعيم
أبو هفان: حدثني يوسف البن الداية: أنه اجتمع مع أبي نواس في منزل بعض الخمارين فقال له بعضهم: إن رأيت أن تصف مجلسنا بآية من كتاب الله تعالى فافعل. فأنشأ يقول:
وفتية في مجلس ريحانهموجوههم قد عدموا الثقيلا
دانية عليهمو ظلالهاذللت قطوفها تذليلا
أبو هفان قال: حدثني أبو دعامة: ان صديقا لأبي نواس شرب دواء فاتته هدايا إخوانه وأصحابه من كل جهة غير أبي نواس فإنه استبطأ هديته. فصار أبو نواس إلى باب الطاق فلم يزل يتصفح وجوه المرد ويتأملهم ويعترضهم، حتى وقع اختياره على غلام رضيه ملاحة وصباحة.. فانثنى معه قاصدا نجو منزل صديقه حتى إذا دنا من باب داره إذا جماعة قعود على بابه فلما بصر بهم الغلام ند عنه ونفر فكتب أبو نواس إلى صديقه:
يا واحد المكرمات والمننأعقبك الله صحة البدن
خرجت أبتاع طرفة لك لاأنظر في رخصها وفي الثمن
من بين ورد وبين سوسنةوبين ريحانة على فنن
فقل ظبي منعم غنجأحسن من كل منظر حسن
أحلى واشهى إلى الفؤاد وإنأغرم صحبي مالا وأغرمني
حتى إذا صرت عند بابكموشق شباك الهوى فأفلتني
فلا تلمني ولم قلاطبةقد لزموا الباب يا فتى اليمن
أبو هفان قال: حدثني ابن أبي خلصة: أنه لما حضرت أبا نواس الوفاة قيل له: قل: لا إله إلا الله، فأنشأ يقول:
أمثلي يروح بالحادثاتويخشى تصاريف هذا الزمن
أذلني الله ذل الهوانوأدخلني في حر أمي إذن
أنهنه دهري إذا نابنيبشرب المدام ووجه حسن
وأستغفر الله من ذا وذافإن هو لم يعف عني فمن
أبو هفان: حدثني ابن ما شاء الله: أن أبا نواس دخل على محمد الأمين فقال: قد قلت فيك أبياتا يا أمير المؤمنين ولست بمنشدكها حتى تنزل عن السرير وأجلس أنا عليه فقال له: قد تجاسرت، فوالله لئن أحسنت لأحسنن إليك، ولئن أسأت لأمثلن بك. فنزل عن السرير وأجلسه فأنشأ يقول:
ضياء الشمس والقمر المنيرإذا طلعا كأنهما الأمير
فإن يك أشبها شيئا قليلافقد أخطاهما منه كثير
لان الشمس تغرب حين تمسيوأن البدر ينقص إذ يسير
ونور محمد أبدا تمامعلى وضح المحجة مستنير
فقال الأمين: علي بسفط فيه در فجيء به. فلم يزل يحشو فاه حتى صاح: القتيل القتيل يا أمير المؤمنين.
أبو هفان قال: حدثني سليمان بن ابي سهل: أن الرشيد قال يوما لأبي نواس - وعنده الفضل بن يحيى وبكر البرمكي -: اهجنا يا أبا نواس، وكان الرشيد مستهترا بخادم له اسمه كوثر فأنشأ يقول:
أضاع الإمامة فسق الإماموغش الوزير وجهل المشير
ففضل وزير وبكر مشيروما ذان إلا طريق الغرور
ومن يظهر الفسق يمقت بهوتنفر عنه بنات الصدور
فلو يستعفان هذا بذالظلا بعرضة خطب يسير
فامتعض من هذا الرشيد وقال: والله لولا ما جنيت على نفسي من استدعاء ما كنت بنجوة لأسقيت الأرض من دمك.
أبو هفان قال: حدثني أبو دعامة: أن الرشيد كان يوما يلاعب الفضل بن الربيع بالشطرنج إذ ولع بهذا المثل ((وحي مقمور بدرد)) فجعل يردده ثم قال للفضل أترى أحدا من الناس قال في هذا شعرا؟ فقال: إن كان أحد يفهم هذا فأبو نواس، قال: وأين الفاسق؟ قال في حبس أمير المؤمنين، فأمر بإحضاره فأحضر يرسف في قيوده فوقف بين يديه فصعد فيه البصر ثم قال: أما آن لك أن تتوب عن خمرتك يا ملعون؟ قال: تبت على يد أمير المؤمنين ولست بعائد لشربها ما طرد الليل النهار، قال فهل قيل في ((وحي مقمور بدرد)) شعر؟ قال: نعم بعض الأعراب يقول:
ليتني في بيت وردمنقعا في آب زرد
فألاعبها بنردبين خيري وورد
وأجاهرها بفردوحي مقمور بدرد
قال: صدقت، ثم التفت إلى الفضل فقال: ما كان ليفهم هذا غيره، ثم قال: إن رغبت في البقاء وأحببت الإخلاص فقل شعرا قوافيه زائية - وبين يديه جارية تسمى جوهر فأخذ بيدها وأنشد:
جوهر يا سيدتيجودي برب العزز
علي إني خلعوفيك بعض الكزز
تركت قلبي خفقاكخفق قلب الخزز
يتبعه أكلب غلمان طياب حزز
ألزني الله بكمجوهر)) أقوى اللزز
قال: أحسنت والله، وكان الرشيد طيب النفس فوهب له الجارية وأمر بإطلاقه وأجزل صلته وألحقه بمنادمته.
أبو هفان: أنشدني سليمان سخطة لأبي نواس:
قد قلت إذ أجرى مدامعي الأسىواغتالني ظبي تحكم في الهوى
أدعو إلى الله العلي مكانهوإلى النبي محمد ظبيا عصى
يقول: أدعوه لأعطيه الدرهم وعليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
أبو هفان قال: حدثني المعروف بابن أبي رياح صاحب الشرقية قال: حدثني الفضل بن القهرمان النخاس قال: دعوت أبا نواس إلى منزل صديق لي من النخاسين كانت عنده جارية نفيسة فذكرنا لها أبا نواس فخرجت إليه فجعلت تعابثه وهو منقبض عنها إلى أن قال له: ما اسمك؛ قال: فرفع رأسه إليها وقال:
اسمي لوجهك يا منى صفةفكفى بوجهك مخبرا باسمي
لا تفجعي أمي بواحدهالن تخلفي مثلي على أمي
أبو هفان قال: حدثت أن أبا العتاهية قال: سبقني أبو نواس إلى ثلاثة أبيات رددت أنها لي بكل ما قلته من الشعر وهو قوله:
يا كبير الذنب عفو اللهـ من ذنبك أكبر
وقوله:
لو لم تكن لله متهمالم تمس محتاجا إلى أحد
وقوله:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفتله عن عدو في ثياب صديق
أخبرنا إبراهيم بن الخصيب بن عبد الحميد قال: شرب أبو نواس عند أبي يوما بحمص من شراب حسن فأكثر له الساقي من المزج فقال: ما وجدت منذ اليوم كعم الشراب، فقال أبي: اسقه صرفا يا غلام، فسقاه، ثم وجبت العشاء فصلينا وهو قاعد، ثم صلينا العشاء الآخرة وهو قاعد لم يصل، فقال له أبي: الصلاة يا أبا علي، فقال: ليس على السكران صلاة، ثم قال لأبي:
واستبعدت مصرا وما بعدتأرض يحل بها أبو نصر
ولقد وصلت بك الرجاء وليمندوحة لو شئت عن مصر
فقال له ابي: صرت إلى من يحبك ويوقرك ويودك ولكن لا تخدش وجه الحديث قم فصل فإني أخاف عليك العقوبة بتغافلك عنها فإن عذاب ربك أليم، فتضاحك ثم قال: ما عسيت أقول في رب غفور رحيم جواد متجاوز، ثم لع عذاب هالت مخافته الخلق فلم لم تبطل رحمته عذابه إن كنتم صادقين؟ ثم أنشأ يقول:
رب غفور رحيمله عذاب أليم
فاستفظع أبي ما جاء به ثم قام وتركه وقال: على هذا لعنة الله وعلى من يقعد معه في هذا المجلس ويواتيه على هذا الكلام.
ثم نام مكانه سكران، فلما كان جوف الليل قال: نفسي تحدثني أني تكلمت بعظيمة الليلة. فقلت: نعم قلت كذا وكذا ولم تصل، فقال: إنا لله، ادع لنا بماء فدعوت له فأسبغ الوضوء وصلى صلاة حسنة تامة ولم ينم باقي ليلته وجعل بستغفر الله ويدعو إلى لاصباح فلما أصبحنا حدثت ابي حديثه فقال: هذا أصلح من تماديه في الغي: فقال له أبي: إنك قلت البارحة كذا وكذا فقال بعد ما عاتبه أبي:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقلخلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل طرفةولا أن ما يخفى عليه يغيب
لهونا لعمر الله حتى تتابعتذنوب على آثارهن ذنوب
قال: واجتمع أبو داوود بن رزين الواسطي وأبو نواس والحسين الخليع وفضل الرقاشي وعمر والوراق والحسين بن الخياط في منزل عنان جارية الناطفي فتناشدوا إلى وقت الظهر فلما أرادوا الانصراف قالوا: أين نحن العشية؟ فكل قال: عندي، فقالت عنان جارية الناطفي: بالله إلا ما قلتم في هذا شعرا وتراضيتم بحكمي فيكم فأنشأ داود يقول:
قوموا إلى قصف لهووظل بيت كنين
فيه من الورد والمرزنجوش والياسمين
وريح مسك ذكييجيد الزرجون
وقينة ذات غنجوذات عقل رصين
تشدو بكل طريفمن محكم ابن رزين
وقال أبو نواس:
لا بل إلى ثقاتيقوموا بنا بحياتي
قوموا نلذ جميعابقول هاك وهات
وقال الخليع:
انا الخليع فقومواإلى شراب الخليع
إلى شراب لذيذوأكل جدي رضيع
ونيل أحوى رخيمبالخندريس صريع
في روضة جادهاصوب غاديات الربيع
قوموا ننال جميعامنال ملك رفيع
وقال الرقاشي:
لله در عقارحلت ببيت الرقاشي
عذراء ذات احمرارإني بها لا أحاشي
قوموا نداماي رووامشاشكم ومشاشي
وناطحوني بأكواسها نطاح الكباش
فإن نكلت فحللكم دمي ورياشي
وقال (عمرو الوراق):
عوجوا إلى بيت عمروإلى سماع وخمر
وما شجاه علينايطاع في كل أمر
وبيسري رخيميزهو يجيد ونحر
فذاك بر وإن شئتمو أتينا ببحر
هذا وليس عليكمأولى ولا وقت عصر
وقال حسين الخياط:
قضت عنان علينابأن نزور حسينا
وأن تقروا لديهباللهو والقصف عينا
فما رأينا كظرف الحسين فيما رأينا
فقرب الله منهزينا وباعد شينا
قوموا وقولوا أجزناما قد قضيت علينا
فقالت عنان:
مهلا فديتك مهلاعنان أحرى وأولى
بأن تنالوا لديهاأشهى النعيم وأحلى
فإن عندي حرامامن النعيم وحلا
لا تطمعوا في سوائيمن البرية كلا
يا خيرتي خبرونيأجاز حكمي أم لا
فقالوا لها: قد أجزنا، وأقاموا عندها.
أبو هفان قال: حدثني ابن أبي خاصة قال: حدثني إبراهيم بن الخصيب بن عبد الحميد قال: كان أبو نواس يشرب يوما عند أبي فامله السكر فلما كان في بعض الليل قام ليبول ثم بال وقعد على بوله وقال: والله لأقولن الليلة شعرا لم أقل مثله قط ثم أنشأ يقول:
يا شفيق الروح من حكمنمت عن ليلي ولم أنم
فاسقني البكر التي اعتجزتبخمار الشيب في الرحم
ثمت انصات الشباب لهابعدما جازت مدى الهرم
فهي لليوم الذي بزلتوهي ترب الدهر في القدم
عتقت حتى لو اتصلتبلسان ناطق وفم
لاحتبت في البت مائلةثم قصت قصة الأمم
فرعتها بالمزاح يدخلقت للكاس والقلم
في ندامى سادة نجبأخذوا اللذات من أمم
فتمشت في مفاصلهمكتمشي البرء في السقم
فعلت في البيت إذ مزجتمقل ما فعل الصبح في الظلم
فاهتدى ساري الظلام بهاكاهتداء السفر بالعلم
قال إبراهيم ابن الخصيب: فابتدأ ينشد وأنا أكتب ما يقول على جص الحائط فلما كان من غد وأفاق قال: أحسبني قلت البارحة شعرا وقد أنسيته فأنشدته إياه فأحسن أبي جازتي وكتبه أبو نواس مني.
أبو هفان قال: حدثني يوسف ابن الداية قال: كان محمد الأمين مستهترا بالشرب فاصبح يوما وأبو نواس عنده مع باقي ندمائه. فقال الأمين: يكال لنا ما نشربه اليوم حتى ننظر أجودنا شرابا وأسرعنا انتشاء. ولأجودنا شربا حكمه، فما زالوا يشربون إلى نصف الليل، ثم نام القوم سكرا وبقي محمد وأبو نواس وكوثر قعودا يشربون ثم نام محمد وكوثر وبقي أبو نواس وحده فلم ير له مساعدا فأغفى غفوة ثم انتبه وقرب الشراب وأشار إلى بعض الندماء يحركهم للقيام وينبههم واحدا واحدا فيشرب معه بعضهم، ويجد بعضهم سكران لا حراك له، فجاء إلى مرقد الأمين فصاح به وقال: يا أمير المؤمنين ضيعت فينا ما سننت من الإنصاف في رعيتك وأفردتني بالشرب، فأفاق الأمين من وسنه وقعد يشرب معه فقال له الأمين: ويلك لقد بخست نفسك لذة هي أعظم من اعتكافك على هذا الشرب. قال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: النوم الذي به تصح تراكيب البدن وعليه يعتدل الجسد. فقال: يا سيدي لذة هذا الشراب تقوم مقام النوم، فشربا بقية ليلتهما ثم أراد محمد الأمين أن ينام بعدما أصبح فقال له أبو نواس: يا سيدي استمع مني أبياتا حضرت وأنشده:
وندمان يرى غبنا عليهبأن يلفي وليس به انتشاء
إذا نبهته من نوم سكركفاه مرة منك النداء
فليس بقائل لك أصدر بيولا مستخبر لك: ما تشاء؟
ولكن سقني ويقول أيضاًعليك الصرف إذ أعياك ماء
إذا ما أدركته الظهر حيافلا عصر عليه ولا عشاء
يصلي هذه في وقت هذيوكل صلاته أبدا قضاء
وذاك محمد تفديه نفسيوحق له وقل له الفداء
فقال الأمين: أحسنت والله، يا كوثر، بحياتي أعطه لكل بيت ألف درهم قال أبو نواس: هذا حق الأبيات فأين حق غلبتكم في الشرب؟ فقال: احتكم ما شئت نجز حكمك. فقال: مثل حق الأبيات، قال: وتعمل بها ماذا؟ قال: أبكر في هذه الغداة الطيبة إلى الغزل فإني قد هويتها منذ أيام فأتنزه وأشرب وأرجع، قال: يا كوثر أنجز حكمه لا بارك الله فيها.
أبو هفان قال: حدثت أن أبا نواس وعلي بن الخليل مولى يزيد بن مزيد الشيباني وإسماعيل القراطيسي ورزين الكاتب اجتمعوا في سوق الكرخ فتذاكروا الأدب وتفننوا في أنواع العلم ووجوهه فلما اشتد الحر ومسهم الجوع قالوا: أين نحن اليوم؟ فكل قال: عندي، فقال علي بن الخليل - وكان أسنهم -: ليصف كل رجل ما عنده فأينا نزعت الأنفس إلى ما عنده صرنا إليه فابتدرهم أبو نواس فقال:
ألا قوموا أخلايإلى حانوت خمار
إلى صهباء كالمسكلدى جونة عطار
وبستان به نخللدى زهر وأشجار
وأطعمكم به لحمامن الوحش والأطيار
ثم قال علي بن الخليل الكوفي:
لألا قوموا أخلايإلى قصف بتمكين
إلى صهباء كالورسوأبكار من العين
وألحان بديعاتبحذاق الحويسين
ثم قال إسماعيل القراطيسي:
ألا قوموا أخلايإلى بيت القراطيسي
فقد هيا لكم خمراوذاك الأمرد الطوسي
وقد هيا التي جاءتلنا من أرض بلقيس
وألوانا من الطيروألوانا من العيس
وقينات من الحوركأمثال الطواويس
فن.... يا قومعلى رغم من ابليس
وقال رزين الكاتب:
ألا قوموا اخلايلداري لا إلى غيري
فعندي مجلس حلوكثير الورد والخيري
وعندي من إذا غنىتهم الأرض بالسير
فحيوا بعضكم بعضافما ذاك من ضير
فقالوا له: أربيت علينا قولا فنحن نصير إليك ولا نحتاج إلى أي.. واجتمعوا في منزله.
أبو هفان قال: حدثني علي بن أبي خاصة قال:
دعاني أبو الخير فقلت له: من عندك؟ قال: أبو نواس، على أنه قد حظر على نفسه الشراب وفطمها عنه، ومغنية من أحسن البشر وجها وغناء مالها ببغداد شبيه ولا مدان، فصرت إليه فإذا أبو نواس قد جاء ومعه ذفافه العنسي صاحب خيل هارون الرشيد فتغدينا وقعدنا للشرب فقدمت أشربة لم أر مثلها صفاء ورقة فملت مع أبي الخير إلى أبي نواس فقلت له: إني لأحسب أن تكون ممن لا دنيا له ولا آخرة إنما كان ينبغي ن تفطم نفسك عن الشراب خوف الله تعالى واستدعاء لثوابه لا من خوف محمد، ويحك اشرب معنا ولا تجرع نفسك الفطام عن عادتها فإن ذلك أضر الأشياء بها فوالله لا اطلع على ذلك احد سوانا. فأبى واشمأز وقال: ليس إلى ذلك سبيل وأنشأ يقول:
أيها الرائحان باللوم لومالا أذوق المدام إلا شيما
نالني بالملام فيها إماملا أرى لي ملامه مستقيما
فاصرفاها إلى سواي فإنيلست إلا على الحديث نديما
كثر حظي منها إذا هي دارتأن أراها أو أن أشم النسيما
فكأني وما أحسن منهاقعدي يزين التحكيما
كل عن حمله السلاح إلى الحر_ب فأوصى المطيق أن لا يقيما ثم قال: ومن محمد؟ ثم أراد أن يقول شيئا وأمسك فتركناه وأخرج أبو الخير الجارية التي عنده فطلعت علينا بوجه لم نر على حسن صورته وكمال بهجته وتمام اعتداله، فبقينا حيارى مبهوتين ننظر إليها تعجبا من براعتها فسلمت وجلست قريبا من أبي نواس فمازحته ساعة وداعبته وخرجت به من الجد إلى الهزل ثم أخذت العود فحركته فخلنا الصنوج والمعازف وجميع انواع الملاهي تقرع ثم إنها اندفعت بحلق كصوت المزمار رقة صوت وشجى نغمة فغنت صوتا اختلست به ألبابنا واستخفنا حتى تزاحفنا عن مواضعنا طربا وماج بعضنا في بعض حتى رأيت ركبة أبي نواس مع ركبتها ثم ثنت وثلتت ووضعت العود فعدنا إلى مواضعنا من المجلس وحثنا الكؤوس سرورا بها واستظرافا لها فقال أبو نواس:
وذات خد موردموهية المتجرد
تأمل العين منهامحاسنا ليس تنفد
فالحسن في كل جزءمنها معا يتردد
فبعضه في انتهاءوبعضه يتولد
وكلما عدت طرفايكون للعود أحمد
فاشرب على صوت ريمريان غير مصرد
فقلنا: قد أمرتنا بالشراب على هذا الغناء أفلا تأمر نفسك؟ وقلت في نفسي: إن شرب أبو نواس يوما من الدهر ففي هذا اليوم، ثم قال هلا: يا مالكة الحسن، إن نشطت للترنم؟ قالت: إي والله وعزازة وحبا ثم تناولت العود فغنت:
إذا انت لم تعشق ولم تدر الهوىفكن حجرا من يابس الصخر جلمدا
فما العيش إلا ما تلذ وتشتهيوإن لام في ذو الشنان وفندا
فصاح أبو نواس صيحة ارتج لها البيت ثم قال: احسنت والله، لعن الله من راقب محمدا، علي برطل ولو أن فيه ضرب العنق، فبادر كل واحد منا إلى رطل فناوله إياه فشرب رطلا ثم قال: آخر، فناولناه حتى شرب ثلاثة أرطال فلما شربها انكببنا عليه فقبلنا رأسه وقامت الجارية فقبلت رأسه فقال ونحن حوله:
اسقني واسقي ذفافةيا أبا الخير سلافة
واسق رأس اللهو والظرف على عين العيافة
قهوة ذات اختيالسلمت من كل آفة
إن يكن غيري قلاهالرجاء أو مخافة
هاتها خمرا ودعنامن أحاديث خرافة
ضاع بل ذل الذي عنف فيها يا ذفافة
مثل ما ذلت وضاعتبعد هارون الخلافة
ثم قال: اكتموا فإني شربت وعصيته وهجوته وإلا كان آخر العهد بيننا. قلنا: لن نحتاج إلى التأكيد علينا في ذلك، قال: أديروا أرطالكم وحثواها، فشربنا في يومنا ذلك ما لم أر أحدا شربه، سرورا بالجارية وشربه معنا، وداومنا ليلتنا شربا حتى فرق بيننا الصبح المفرق أبو هفان قال: حدثني صديق لي يعرف بأبي عبد الله قال: حدثني الحسن بن حسان البرقي قال: حدثني يحيى الثقفي راوية أبي نواس ونديمه قال:
دخلنا على أبي نواس نعوده من علة كانت به فقلنا له: يا أبا نواس صف لنا الأشربة وأوجز فقد عرفنا موقعها منك وتمكنها من صدرك ومحنتها في طبيعتك. فقال: أما الماء فيعظم خطره بقدر تعذره، واما السويق فبلغة العجلان وتعلة المريض، وأما اللبن فشبع الغرثان وري الظمآن، وأما الدادي فكالبياض في الدثار، وكالترس في السعار، وأما العسل فنبيل المنظر سخيف المخبر، وعن الخمر فاسألوني: هي شقيقة الروح وصديقة النفس ممزوجها ينفخ وصرفها غير مأمون على إنهاك البدن وفساد مزاجه مع غرس يؤدي إلى العطب ويولد أسقاما تدثر النفس ثم أنشأ يقول:
لائمي في المدام غير نصيحلا تلمني على شقيقة روحي
لا تلمني على التي فتنتنيوأرتني القبيح غير قبيح
قهوة تترك الصحيح سقيماوتعير السقيم ثوب الصحيح
إن بذلي لها لبذل جوادواقتنائي لها اقتناء شحيح
أبو هفان قال: حدثت أن أبا نواس مر يوما بنهر المهدي فرأى جارية جميلة فانشأ يقول:
بينا أنا يوما على النهرأطلب ما يصلح الأمر
وقد تقرأت ولا عهد ليبالفسق منذ أكثر من شهر
أبصرت بيضاء عشاريةممشوقة طيبة النشر
فقلت بالله وآلائهورب ياسين مع الحشر
من أين أقبلت فقالت أناجارية من خدم القصر
ضللت من عشر جوار معيقطعنني من حدث الدهر
فقلت ما رأيك في منزلخال وفي قصف وفي خمر
وفي فتى ذي ملح شاعريحسن ما شئت من الشعر
قالت معاذ الله من هذهبيت غريب لست أستجري
فخفت يأسا أنثني راجعاوأسكنت ما كان في صدري
وخافت الفوت فقالت بماأنزل ربي في ليلة القدر
أي فتى انت فقلت امرؤليس بذي خب ولا مكر
متى يصيب منفتقا سدهوإن يصب ملتحما يفري
قالت وما تفسير ذا؟ قلت: منيعرفه عذب بالهجر
قالت وأبدت ساعة خجلاترمقني بالنظر الشزر
لست أنا جارية خبةولا كمن يكذب او يكري
واتفق القول فأجررتهافآل من عسر إلى يسر
صليت يا شاعر في الخسرأن كنت أدري عشر ما تدري
والله ما تطمع في قبلةما عشت أو توفيني أجري
فقلت: ما شرطك؟ فاستصعبتواشترطت ما جاز عن قدري
فقلت إني رجل صانعأرزق من شهر إلى شهر
فساهليني وخذي كل مايحضر عندي واقبلي عذري
فأبرزت يا قوم عن محبةليست من السود ولا السمر
أبو هفان قال: حدثني أبو يعقوب الخريمي الحمصي عن الفطين البصري عن السري بن الحكيم التميمي قال: حدثني بعض مشايخ مصر عن أبي نواس، وقال لي هاشم الكندي: إنه كان سبب هجائه لي لهذا، ذلك أني بغضته في الله وناصبته له وأبحته عرضي تقربا إلى الله ﷿ قال له:
أنت يا ابن القسيس والرهبانوأخا الجاثليق والمطران
غير شك أحقهم أن تفديمن جميع الأنام لا الغلمان
وقال: أقم معهم ليلة الميلاد وليلة الذبح فما زال يشمعل ثم غنى وطرب وترنم بهذه الأبيات:
يا دير حنة من ذات الأكيراجمن يصح عنك فإني لست بالصاحي
يعتاده كل محفوف مفارقهمن الدهان عليه سحق أمساح
لا يدلفون إلى ورد بآنيةإلا اغترافا من الغدران بالراح
لم يبق منهم لرائيهم وإن حسنواوقوع ما حذروه غير أشباح
أبو هفان قال: حدثني الشاذكري قال: قال شعبة لأبي نواس: أنشدني أحسن طرائفك فأنشده:
حدثنا الخفاف عن وائلوخالد الحذاء عن جابر
وابن جريح عن سعيد وعنقتادة الفاضل عن عامر
ومسعر عن بعض أشياخهيرفعه الشيخ إلى جابر
قالوا جميعا: أي معشوقةعلقها ذو خلق طاهر
فواصلته ثم دامت لهعلى وصال الحافظ الذاكر
كانت له الجنة مبذولةيرتع في مرتعها الزاهر
وأي معشوق جفا عاشقاعذب قبل الحشر في قابر
وكانت النار له منزلابعدا له من خائن غادر
وخمسة ليس له منزلوأشمط دب إلى زائر
وقاطع الدين على لذةوحابس للقدح الدائر
وشاطر ليس له غرفةيطير فيها مائتا طائر
فقال له شعبة: أحسنت والله يا فتى وما يؤنسني مجونك من صلاحك ما جتنبت من الكبائر. أنك لظريف أديب فلا تشن أدبك بالفسق والفواحش وأرجو مغفرة الله لك مع حسن اعتدالك وكمال طبعك.
أبو هفان قال: حدثني ابن أبي خاصة ويوسف ابن الداية قالا: حججنا مع أبي نواس سنة تسعين ومائة فبينا هو في الطواف إذ بصر بمحمد بن إسماعيل بن صبيح وكان بارعا جميلا فأنشأ:
لم يتسنى السعي والطواف ولا الساعون لما ابتهلت وابتهلوا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع