من «أخبار أبي نواس» لأبي هفان المهزمي (ت ٢٥٧هـ)
أخبار أبي نواس (٢)
الصفحة ٢ من ٢
أبو هفان قال: حدثني محمد بن سعيد: أنه لقي أبا نواس قبل موته بجمعة وقد تأله وتقشف فقال له: يا أبا علي ما هذا إلى كم يكون الشذوذ عن الله والتهور في الضلالة؟ فقال: لا عدت والله في الضلالة ولا في معصية ما حملت عيني الماء وإن نفسي لتتقطع حسرات على ما فرطت من سوالف ذللي. فلما كانت الجمعة الأخرى قيل لنا: الحقوا جنازة أبي نواس.
أبو هفان قال: حدثني يوسف ابن الداية قال: كان أبو نواس كتب إلى الحسين الخادم وهو محبوس أن يوصل له هذه الأبيات إلى الرشيد وهي:
بعفوك بل بجودك عذت لا بلبحقك يا أمير المؤمنينا
فلا يتعذرن علي عفووسعت به جميع العالمينا
فإني لم أخنك بظهر غيبولا حدثت نفسي أن أخونا
براك الله للإسلام عزاوحصنا دون بيضته حصينا
وقد أذللت أهل الشرك حتىتركتهمو وما يترمرمونا
تزورهمو بسيفك كل عامزيارة واصلين لقاطعينا
ولو شئت اكتننت إلى نعيموقاسي الأمر دونك آخرونا
فشفع حسن وجهك في أسيريدين بحبك الرحمن دينا
إذا ما الهون حل بمستجيرفليس لجار وجهك أن يهونا
قال الحسن الخادم فتوخيت وقتا كان أمير المؤمنين طيب النفس فيه فأوصلتها فقرأها وقال: لا والله أو يتوب وتصح توبته.
أبو هفان قال: حدثني أبو عبد الله الحسين بن أبي المنذر قال: كان أبو عيسى بن أبي جعفر المنصور شديد المحبة لأبي نواس فلما حبسه الرشيد في شرب الخمر وفيما يذكره في شعره من العظائم كتب إلى أبي عيسى بهذه الأبيات يسأله أن يشهد له بالتوبة عند الرشيد قال:
بلغ الصوت فنادييا أبا عيس الجوادا
كن عمادا يا ابن من كان غياثا وعمادا
وتدارك جسدا قد مات أو قد قيل كاد
قل له- إن قال: هل تا_ب-: نعم تاب وزادا
واضمن التوبة عنيفإذا ما عدت عادا
قال فكلمه أبو عيسى فيه حتى أطلقه: أبو هفان قال: حدثت أن أبا نواس كان يشرب مع الأمين فنشط الأمين للسباحة فلبس ثياب ملحم ولبس كوثر مثل ذلك ووقعل في البركة فنظر أبو نواس إلى بدن محمد فرأى شيئا لم ير مثله قط فلما كان من غد، غدوت لأسأله عن خبره معه فقال لي: ويلك رأيته فرأيت بلية لا توصف وفتنة لا تطاق ثم أنشأ يقول:
إني لصب ولا أقول بمنأخاف من لا يخاف من احد
إذا تفكرت في هواي لهمسست رأسي هل طار عن جسدي
إني على ما ذكرت من فرقلآمل أن أناله بيدي
فقلت له: اتق الله في رأسك فإنه إن بلغته قتلك، فأمسك إنشادها وطواها عن الناس جميعا.
أبو هفان قال: حدثني الحسن قال: قال لي أبو نواس: اخرج بنا إلى ناحية الكناسة لنتروح فخرجنا نحوها فطفنا ساعة وأبعدنا ثم رجعنا وقد كل وانحزل وانبهر فأنشأ يقول:
يا رب كم وإلى كمأمشي ويركب غير
ما إن رضيت بهذايا رب منك لخير
ما أبتغي منك طرفارضيت منط بعير
أبو هفن قال: وحدثني العتبي: أن أبا نواس كان عند محمد بن زهير في يوم من أيام شهر رمضان يتحدث وكان محمد شديد المحبة له مغرما بقره فتذاكرا الشراب فقال: يا أبا علي كيف صبرك عنه بالنهار فقال: صبر ضعيف لا أحمده ولا أعده صبرا وإن كنت أستوفي ليلا ما يفوتني نهارا ولو أجد مساعدا نا فقدته وما فقدني في ليل ولا نهار ثم أنشأ يقول:
لو أن لي سكنا في الناس يسعدنيلما انتظرت لشرب الراح إفطارا
الراح شيء عجيب أنت شاربهفاشرب وإن حملتك الراح أوزارا
يا من يلوم على حمراء صافيةصر في الجنان ودعني أدخل النارا
أبو هفان قال: حدثت أن أبا نواس كان يحب غلاما وكان الغلام يختلف إليه ثم إنه فقده أياما وطلبه فلم يقدر عليه فمر بمجلس منصور بن عمار وهو غاص بأهله ما بين قائم وقاعد وهو يتصفح وجوههم فرأى الغلام قاعدا وسط الحلقة وقد بدأ المنصور بصفة النفخة والصور ثم وصل ذلك بصفة الجنة والحور ثم بصفة النار وما أعد الله لأهلها من أليم العذاب والناس حوله يبكون ويزفرون ويصعقون ونظر إلى الغلام يبكي فبكى أبو نواس رحمة ورقة عليها فمر به صديق له فقال: يا أبا نواس متى صرت تشهد مجالس القصاص وتبكي؟ الحمد لله الذي أناب لك ووفقك فأنشأ يقول مجيبا له:
لم أبك في مجلس منصورشوقا إلى الجنة والحور
ولا لذكر النار من حرهاأجل ولا النفخة في الصور
لكن بكائي لبكا شادنتقيه نفسي كل محذور
أحسن من مجلس منصورضرب بدف أو بطنبور
أبو هفان قال: حدثني يوسف ابن الداية: أن أبا نواس حضر يوما منادمة الأمين فأنشده فقال له محمد: قد قلت يا أبا نواس بيتا من شعر إن انت أجزته فلك ألف دينار وإلا أخذت منك ألفا. قال: ما هون يا أمير المؤمنين؟ قال: قد قلت:
رب يوم لهوت بلا مدامبل بشطرجنا يجيل رخاخا
قال فأطرق أبو نواس ساعة مفكرا حتى ظن أنه قد عجز وأفحم فقال: يا أمير المؤمنين أعد البيت ولك بيتان فأعاد عليه فأنشأ أبو نواس:
وسط بستان مجلس في جنانقد علونا مفارشا ونخاخا
إذ حوينا من الظباء غزالاطيبا لحمه يفوق المخاخا
قد نصبنا له الشباك زماناونصبنا مع الشباك فخاخا
ثم صدناه بعد خمس شهورعند نهر يسيح ماء سخاخا
لأمين متوج ذي جمالدام في الملك ساميا سمخاخا
فأمر له بخمسة آلاف دينار فقبضها وانصرف.
أبو هفان قال: حدثني يوسف ابن الداية قال: كان أبو نواس قاعدا عندنا في سوق الرقيق وهو يعترض الجواري فاشترى عدة وباع عدة وكن حسان الوجوه آخذات بالألباب فقال له: يا أبا علي تترك مثل هؤلاء اللواتي يرغب فيهن وترغب في الغلمان؟ فأنشأ يقول مجيبا من ساعته: أبو هفان قال: حدثني محمد بن سعيد: إنه قيل لأبي نواس: إن أم لاربيع من مولدات اليمامة ةوأباه من مولدي المدينة، قال: إماء المدينة في نسائهم فنما الخبر إلى الربيع فلم يزل به حتى حبسه وطالبه بالزندقة وادعاها عليه وأراد أن يوجبها عليه بين يدي الرشيد فجمع له الفقهاء ودس إليهم الأموال وبعث إلى من كان يحسده من الشعراء فأحضرهم ثم قال له: ألست القائل:
يا أحمد المرتجى في كل نائبةقم سيدي نعص جبار السموات
قال: بلى. قال: يا أمبر المؤمنين، كافر. ثم اتفت إلى من حضر فقال لهم: ما تقولون يا معشر الفقهاء والشعراء؟ قالوا: صدق يا أمير المؤمنين. قال أبو نواس: يا أمير المؤمنين إن كانوا قالوا بعقولهم فسلحا وإن كانوا بآرائهم فقبحا لهم، أنى يكون زنديقا من يقر أن للسموات جبارا. قال الرشيد: صدقت، قم عني. فلم يزل الربيع يرصده بعد ذلك ويتطلب سقطاته ويشيع عوراته حتى قال:
ما جاءني أحد يخبر أنهفي جنة مذمات أو في نار
فحبسه بهذا البيت وانطلق لسانه بالقول فيه وانحسر عن أبي نواس من كان يعاونه.
أبو هفان عبد الله بن أحمد قال: أخبرني رواة أبي نواس وأصحابه منهم محمد بن حرب بن خلف بن مهزم - وهو عم أبي هفان - وسلمان سخطة واليؤيؤ والجماز البصريون ويوسف ابن الداية وعلي بن أبي خلصة وأبو دعامة البغداديون: أن أبا نواس ولد بال أهواز بالقرب من الجبل المقطوع سنة ست وثلاثين ومائة ومات ببغداد سنة خمس وتسعين ومائة فكان عمره تسعا وخمسين سنة ودفن في مقابر الشونيزي في تل اليهود ومات في بيت خمارة كان يألفها.
وكانت أمه أهوازية يقال لها جلبان وأبوه من جند مروان بن محمد من أهل دمشق وكان فيمن قدم الأهواز أيام مروان للرباط والشحنة فتزوج بجلبان فأولدها عدة أولاد منهم أبو نواس، وأبو معاذ مؤدب فرج الرخجي فنقلته أمه إلى البصرة وهو ابن ست سنين فلما شب أسلمته لمن يقطع العود ثم خرج مع أستاذه العطار يحمل عطرا للنجاشي وإلى الأهواز للمنصور فانقطع إلى والبة بن الحباب الشاعر وهو ابن عم النجاشي وكان والبة قد قدم في ذلك الوقت على النجاشي، ووالبة الكوفي فلم يزل معه ثم لزم بعد ذلك خلفا الأحمر بالبصرة.
وهو أبو علي الحسن بن هانئ بن الصباح مولى الجراح بن عبد الله الحكمي والي خراسان.
سألت يوسف ابن الداية عن مولد أبي نواس فأخبرني أن أبا نواس ولد سنة أربعين ومائة وأن أباه توفي بعد ما أتت له عشر سنين وأن أمه أسلمته في قطع العود الذي يتبخر به بالأهواز وأنه انتقل إلى البصرة وهو ابن اثنتي عشرة سنة فتأدب في مجالسها وكان أكثر اختلافه إلى خلف الأحمر في تعلم النحو والشعر وكان خلف أستاذه فأتي خلفا يوما فقال له: اسمع مني قصيدة رثيتك بها وأنشده:
أودى جماع العلم مذ أودى خلف
فقال له: ويلك ما حملك على أن رثيتني وأنا حي؟ قال: أردت ان أعلم هل قرح شعري أم لا، قال له: نعم قرح، أقرح الله جوفك.
أبو هفان قال: أخبرني جماعة من أهل الظرف والأدب من نقال الأخبار قالوا: كانت عنان تشتاق إلى أبي نواس وتنازع إليه وهو بمصر فلما قدم بلغه ذلك فطوى خبره عنها ثم أتاها غفلة فوجد مولاها النطاف بالباب فقال له: ائذن لي عليها ولا تعلمها من أنا، قال له: من أنت، قال: أبو نواس، قال: إنها لم تزل تثيرني إلى رؤيتك. ثم استأذن له عليها وكانت قد نهضت إلى مجلسها. فقالت: قد ظللت وأنا كسلى. قال: لا بد من ذلك، قالت أما إذ أبيت فائذن له. فدخل أبو نواس فحل.. واستمد.. من دواة معه وكتب حول البيت في كل حد من حدوده شعرا:
إن لي.... خبيثالونه يحكي الكميتا
لو رأى في الجو صدعالنزا حتى يموتا
أو رآه جوف بحرصار للغلمة حوتا
أو رآه فوق سقفلتحول عنكبوتا
قال: فلما قرأته عنان أجابته بديهة:
زوجوا هذا بألفوأظن الألف قوتا
فأخجلته، فقال لها مولاها: اعتذري إليه. قال: ومن هذا فأحتاج إلا الاعتذار إليه؟ قال: ويحك هذا أبو نواس. فاعتذرت إليه. فقال لها: لا تعتذري من فعلك، اعتذري من عذرك، والله ما ساءني ذلك، ولا وددت أنه لم يكن.
أبو هفان: حدثت أن أبا نواس خرج يوما وهو مخمور يتنسم الهواء في أيام النحر فاستقبل أعرابيا يسوق غنما فقال له أبو نواس:
أيا صاحب الضأن اللواتي يسوقهابكم ذلك الكبش الذي قد تقدما
فقال له الأعرابي:
أبيعكهإن كنت تبغي شراءه
ولم تك مزاحا
بعشرين درهما
فقال له أبو نواس: أجدت - هداك الله - رد جوابنا=فأحسن إلينا إن أردت تكرما فقال الأعرابي:
أحد من العشرين خمسا لأننيأراك ظريفا فانقدن وتسلما
ثم مر وتركه فقيل له: أتدري من كان يكلمك؟ قال: لا. قيل له: هو أبو نواس. فرجع إليه وحلف عليه أن يقبل منه الكبش فقبله منه ثم سأل عن الأعرابي فأخبر بأنه باهلي فقال:
وباهلي من الأعراب ذي كرمجادت يداه بواف القرن والذنب
فإن يكن باهليا عند نسبتهففعله قرشي كامل الحسب
قال أبو هفان: أخبرت أن الرشيد ساوم النطاف بجاريته عنان فاستام بها أربعمائة ألف درهم فأعطاه هرون بها مائة ألف درهم فأشفق أبو نواس أن يشتريها مخافة أن لا يجد إليها مخلصا ولا توصلا إلى محادثتها فقال: فبلغ شعره الرشيد فقال: ماله لعنه الله منعنا من شرائها؟ أبو هفان قال حدثت عن ابن عائشة عبد الله بن محمد بن حفص المحدث قال: خرجت من المسجد أريد منزلي فإذا أنا بأبي نواس على باب من أبواب المسجد يكلم جارية حسناء فأردت أن أعذله وأؤنبه على ذلك فقلت له: مثلك في أدبك وظرفك وحسن معرفتك يقف هذا الموقف بمرأى من الناس! فاعتذر إلي من ذلك وأظهر ندما ومضى ثم كتب إلي من الغد:
إن التي أبصرتهابكرا أكلمها رسول
أدت إلي رسالةكادت لها نفسي تميل
من فاتر العينين يردع خطوه ردف ثقيل
فلو أن أذنك بينناحتى تسمع ما تقول
لعذرتني ورأيت ماآتي هو الحسن الجميل
أبو هفان قال: حدثني خالي مسلمة بن مهزم قال: لقيت أبا العتاهية فقلت: من أشعر الناس؟ قال: جاهليا أم إسلاميا أم مولدا؛ قلت: كل ذلك. قال الذي يقول في المدح:
إذا نحن أثنينا عليك بصالحفأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وإن جرت الأقدار منا بمدحةلغيرك إنسانا فأنت الذي نعني
والذي يقول في الهجاء:
وما أبقيت من عيلان إلاكما أبقت من البظر المواسي
وما حامت عن الأحساب إلالترفع ذكرها بأبي نواس
والذي يقول في الزهد:
وما الناس إلا هالك وابن هالكوذو نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفتله عن عدو في ثياب صديق
فقلت: هذا كله لأبي نواس. قال: هو ذاك. قال: ثم لقيت العتابي فسألته ذلك السؤال فأجابني بمثل ذلك الجواب كأنهما اتفقا على شيء واحد.
أبو هفان قال: حدثني الحسن بن بشير الخفاف عن عبد العزيز بن يحيى المكي العلامة قال: قال لي سفيان بن عيينة: يا أهل العراق ما أشعرك صاحبكم، ثم أنشد هذا البيت:
يسقيكها من بني العباد رشامنتسب عيده إلى الأحد
وهذا البيت في هذه القصيدة:
أحسن عندي من انكبابك بالفهر ملحا به على وتد
وقوف ريحانة على أذنوسير كأس إلى فم بيد
يسقيكها من بني العباد رشامنتسب عيده إلى الأحد
إذا جرى الماء فوقها حبباصلب فوق الجبين بالزبد
فذاك أشهى من الوقوف على الربع وأنمى للروح والجسد
أبو هفان قال: وحدثت أنه أشيع عن أبي نواس أنه أناب ونزع عما كان عليه من الفسق وشرب الخمر وأنه قد زهد في اللذات واطرحها وأظهر تألها وندما على ما فرط منه. فأقبل إليه إخوانه يهنئونه بذلك. وجعل يكذب قولهم ويعتذر مما بلغهم، فلما كثر عليه ذلك جعل لا يأتيه أحد إلا شرب بين يديه قدحا من خمر لينفي عن نفسه التوبة، ثم أنشأ يقول:
قالوا نزعت ولما يعلموا وطريفي كل أغيد ساجي الطرف مياس
كيف النزوع وقلبي قد تقسمهلحظ العيون ولوح الخمر في الكاس
إذا عزمت على رشد تكنفنيقلبان قد شغلا يسري وإفلاسي
فاليسر في القصف للآيات مبتذلوالعذر في وصل من أهوى من الناس
لا خير في العيش إلا بالمجون مع الغزلان والحور والريحان والآس
ومسمع يتغنى والكؤوس لهاحث علينا بأخماس وأسداس
يا موري الزند قد أعيت قوادحهاقبس إذا شئت من قلبي بمقباس
أبو هفان قال: حدثني النميري: أن أبا نواس حضر مجلس الهيثم بن عدي وهو يملي على أصحابه الحديث وكان عليه خز وخف أحمر، فتوهمه الهيثم بعض الخلعاء أو الشطار فاستهان بمكانه ولم يسأله عن شأنه، فقعد هنيهة ثم نهض، فسأل الهيثم أصحابه عنه فقالوا: هذا أبو نواس، قال: أستعيذ بالله من شره، ثم نهض فوره مع جميع أصحابه إلى منزل أبي نواس ليعتذر إليه. فقرع الباب فأذن له وهو متشح بورسية، قاعد يعالج قدرا، ونبيذه مصفوف في صدر بيته والطنبور في ناحية، فقال له الهيثم: المعذرة إليك من التقصير وإن كان إنما وقع قبل المعرفة، ولو عرفتك للقيتك بما تستحقه، قال: قد قبلت عذرك. قال: فتؤمنني من شيء لعلك تذكرني به وتنسبني إلبه، قال: أما في الذي أستأنفه فنعم، ولكن قد تقدم من ذلك ما لا سبيل إلى رده وإلغائه، قال: وما هو؟ قال: قلت:
يا هيثم بن عدي لست للعربولست من طيء إلا على سغب
إذا نسبت عديا في بني ثعلفقدم الدال قبل العين النسب
كأنني بك فوق الجسر منتصباعلى جواد قريب منك في الحسب
حتى نراك وقد درعته قمصامن الصديد مكان اللبد والركب
مكرر - أبو هفان قال: حدثني عبد الله بن يعقوب بن داود ابن المهدي قال: كنا عند سفيان بن عيينة بمكة فجاء ابن مناذر وكانا مجاورين جميعا فتحدثا ساعة ثم قال له سفيان: ظريفكم هذا أشعر الناس. قال: كأنك عنيت أبا نواس. قال: نعم، قال: وفيم استشعرته؟ قال: في جميع شعره، وفي هذه الأبيات خاصة:
يا رشأ أبصرت في مأتميندب شجوا بين أتراب
أبرزه المأتم لي كارهابرغم دايات وحجاب
يبكي فيذري الدر من نرجسويلطم الورد بعناب
لا زال موتا دأب أحبابهحتى أراه أبدا دابي
فقلت لا تبك على من مضىوابك قتيلا لك بالباب
أبو هفان: حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله قال: حدثني أبو المغيث موسى بن إبراهيم الرافقي قال: حججت سنة من السنين فلما صرنا إلى مكة قيل لنا إن بها سفيان بن عيينة وإنه يجلس للناس، وكان قد حج معي أخي أبو الحارث أحمد ابن ابراهيم وكنت أختلف إلفى مجالس سفيان بن عينية أسمع منه، فينا أنا في مجلسه ذات يوم وقد فرغ الإمام إذ جاءني شاب فقال: يا فتى قد سمعت معك في كتابك ولم يكن معي ما أكتب فيه. فإن رأيت أن تعيرني كتابك لأنسخ منه ما سمعته فعلت. فسلمت إليه كتابي فجلس غير بعيد ثم رده إلي فوضعه في كمي وانصرفت فدخلت على أخي أبي الحارث فقال لي: ما سمعت اليوم من سفيان؟ فدفعت الكتاب إليه فجعل يقرؤه ويبتسم ثم قال لي: هل خرج هذا الكتاب من يدك إلى أحد؟ قلت له: نعم شاب جلس بجانبي من أهل العراق ذكر أنه سمع معي وسألني دفعه إليه ففعلت. فقال: قبح الله الخبيث، ذاك أبو نواس، لا يدع عبثه ومجونه في كل موضع ثم رمى الكتاب إلي فإذا هو قد كتب فيه:
يا سمي المدعو منجانب الطور الأيمن
والذي كان ثاوياقبل في أهل مدين
والذي بالذي يجيء به الغيم يكتني
لك وجه....
ليس بدر الدجى ولا الشمسمنه بأحسن
ماترى يا أبا المغيث الكثير التلون
في فتى لم يزل عليك شديد التجنن
فصلنه وهون الأمر بالله هون
انتهى كلام أبي هفان وهو آخر أخبار أبي نواس والحمد لله
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع