تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

رسالة عمر في القضاء إلى أبي موسى الأشعري

قال أبو العباس: ومن ذلك رسالته في القضاء إلى أبي موسى الأشعري وهي التي جمع فيها جمل الأحكام، واختصرها بأجود الكلام، وجعل الناس بعده يتخذونها إماماً، ولا يجد محق عنها معدلاٌ، ولا ظالم عن حدودها محيصاٌ، وهي:

بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس. سلام عليك، أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. آس بين الناس بوجهك، وعدلك، ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاٌ أحل حراماٌ، أو حرم حلالاٌ. لا يمنعنك قضاءٌ قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك، وهديت فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديمٌ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنةٍ، ثم اعرف الأشباه والأمثال، فقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله، وأشبهها بالحق، واجعل لمن ادعى حقاً غائباً أو بينة أمدا ينتهي إليها فإن أحضر بينته أخذت له بحقه وإلا استحللت عليه القضية، فإنه أنفى للشك، وأجلى للعمى، المسلمون عدولٌ بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد، ومجرباً عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو نسب، فإن الله تولى منكم السرائر، ودرأ بالبينات والإيمان. وإياك والغلق والضجر، والتأذي بالخصوم والتنكر عند الخصومات، فإن الحق في مواطن الحق ليعظم الله به الأجر، ويحسن به الذخر، فمن صحت نيته، وأقبل على نفسه كفاه الله بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله، فما ظنك بثواب غير الله ﷿ في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام.

قال أبو العباس: قوله: "آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك"، يقول: سو بينهم، وتقديره: اجعل بعضهم أسوة بعضٍ، والتأسي من ذا أن يرى ذو البلاء من به مثل بلائه فيكون قد ساواه فيه، فيسكن ذلك من وجده، قالت الخنساء:

فلولا كثرة الباكين حوليعلى إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكنأعزي النفس عنه بالتأسي
للشاعر الخنساء، من قصيدة «يؤرقني التذكر حين أمسي»
يذكرني طلوع الشمس صخراًوأذكره لكل غروب شمس
للشاعر الخنساء، من قصيدة «يؤرقني التذكر حين أمسي»

تقول: أذكره في أول النهار للغارة، وفي آخره للضيفان. وتمثل مصعب بن الزبير يوم قتل بهذا البيت:

وإن الألى بالطف من آل هاشمتآسوا فسنوا للكرام التآسيا

وقوله"حتى لا يطمع شريف في حيفك" يقول: في ميلك معه لشرفه. وقوله: "فيما تلجلج في صدرك" يقول: تردد، وأصل ذلك المضغة والأكلة يرددها الرجل في فيه فلا تزال تتردد إلى أن يسيغها أو يقذفها، والكلمة يرددها الرجل إلى أن يصلها بأخرى، يقال للعيي: لجلاج، وقد يكون من الآفة تعتري اللسان، قال زهير:

تلجلج مضغة فيها أنيضٌأصلت، فهي تحت الكشح داء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»

وقوله: "أنيضٌ" أي لم تنضج. ومن أمثال العرب: الحق أبلج والباطل لجلج، أي يتردد فيه صاحبه فلا يصيب مخرجا.

وقوله: "أو ظنيناٌ في ولاءٍ أو نسب، "فهو المتهم، وأصله" مظنون" وهي ظننت التي تتعدى إلى مفعول واحد، تقول: ظننت بزيد، وظننت زيداًٌ، أي اتهمت، ومن ذلك قول الشاعر، أحسبه عبد الرحمن بن حسان:

فلا ويمين الله ما عن جنايةهجرت، ولكن الظنين ظنين

وفي بعض المصاحف: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ وإنما قال عمر ﵁ ذلك لما جاء عن النبي ﷺ: "ملعون ملعون من انتمى إلى غير أبيه، أو ادعى إلى غير مواليه"، فلما كانت معه الإقامة على هذا لم يرى للشهادة موضعاً.

وقوله: " ودرأ بالبينات والأيمان" إنما هو دفع، من ذلك قول رسول الله ﷺ: "إدرأوا الحدود بالشبهات"، وقال الله ﷿: ﴿قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وقال: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ أي تدافعتم.

وأما قوله: "وإياك والغلق والضجر" فإنه ضيق الصدر، وقلة الصبر، يقال في سوء الخلق: رجل غلق، وأصل ذلك من قولهم: غلق الرهن أي لم يوجد به تخلص وأغلقت الباب من هذا، قال زهير:

وفارقتك برهنٍ لا فكاك لهيوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

وقوله: "ومن تخلق للناس"، يقول: أظهر للناس في خلقه خلاف نيته.

وقوله: "تخلق" يريد أظهر مثل تجمل يريد أظهر جمالاً وتصنع، وكذلك تجبر، إنما تأويله الإظهار، أي أظهر جبرية، وإن شئت جبروتاً، وإن شئت جبروتي "وإن شئت جبروة". ومن كلام العرب على هذا الوزن: رهبوتى خير لك من رحموتى، أي" ترهب خير لك من أن ترحم". قال أبو العباس وأنشدونا عن أبي زيد:

ياأيها المتحلي غير شيمتهإن التخلق يأتي دونه الخلق
ولا يؤاتيك في ما ناب من حدثإلا أخو ثقة فأنظر بمن تثق

قال: وأنشدتني أم الهيثم الكلابية:

ومن يتخذ خيماُ سوى خيم نفسهيدعه ويغلبه على النفس خيمها

وقال ذو الإصبع العدواني:

كل إمرىء راجع يوماً لشيمتهوإن تمتع أخلاقاًإلى حين

وأما قوله: "ثواب"، فاشتاقه من ثاب يثوب إذا رجع، وتأويله ما يثوب إليك من مكافأة الله وفضله.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.