تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

حديث أبي وجزة وأبي زيد الأسلمي

وكان من حديث ذلك أن أبا وجزة السلمي، المعروف بالسعدي لنززله فيهم، ومحالفته إياهم، كان شخص إلى المدينه يريد آل الزبير، وشخص أبو زيد الأسلمي يريد إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهو والي المدينة فاصطحبا، فقال أبو وجزة: هلم فلنشترك فيما نصيبه، فقال أبو زيد الأسلمي: كلا، أمدح الملوك، وأنت تمدح السوق فلما دخلا المدينة صار أبو زيد إلى إبراهيم بن هشام فأنشده:

ياابن هشام يا أخا الكرام

فقال إبراهيم: وإنما أنا أخوهم، وكأني لست منهم ثم أمر به فضرب بالسياط وامتدح أبو وجزة آل الزبير، فكتبوا إليه بستين وسقاٌ من تمر، وقالوا: هي لك عندنا في كل سنةٍ، فانصرفا، فقال أبو زيد:

مدحت عروقاٌ للندى مصب الثرىحديثاٌ فلم تهمم بأن تتزعزها
نقائذ بؤس ذاقت الفقر والغنىوحلبت الأيام والدهر أضرعا
سقاها ذوو الأرحام سجلاًعلى الظماوقد كربت أعناقها أن تقطعا
بفضل سجال لو سقوا من مشى بهاعلى الأرض أرواهم جميعاٌ وأشبعا
فضمت بأيديها على فضل مائهامن الري لما أوشكت أن تضلعا
وزهدها أن تفعل الخير في الغنىمقاساتها من قبله الفقر جوعا

وقال أبو وجزة:

راحت رواحاٌ قلوصي وهي حامدةآل الزبير ولم تعدل بهم أحدا
للشاعر أبو وجزة السعدي، اقرأ القصيدة
راحت بستين وسقاٌ في حقيبتهاما حملت حملها الأدنى ولا السددا
للشاعر أبو وجزة السعدي، اقرأ القصيدة
ما إن رأريت قلوصاٌ قبلها حملتستين وسقاٌ ولا جابت به بلدا
ذاك القرى، لاقرى قوم رأيتهميقرون ضيفهم الملوية الجددا

أما قول أبي زيد لإبراهيم:

"مدحت عروقاٌ للندى مصت الثرى....حديثاٌ.. "

فإنما عنى أن إبراهيم وأخاه محمداً إنما تطمعا بالعيش، ودخلا في النعمة، وخرجا من حد السوق إلى حد الملوك حديثاً، وذلك بهشام بن عبد الملك لأنهما كانا خاليه، وإنما ولاهما عن خمول.

وقوله: "فلم تهمهم بأن تتزعزعا"، فإنما هذا مثل: يقال: فلان يهتزللندى، ويرتاح لفعل الخير كما قال متمم بن نويرة:

تراه كنصل السيف يهتز للندىإذا لم تجد عند امرىء السوء مطمعا

وتأويل ذلك أنه يتحرك سرور لفعل الخير.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.