تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

الفرزدق ونصيب وما قالاه من الشعر عند سليمان بن عبد الملك

وقد فضل نصيبٌ على الفرزدق في موقفه عند سليمان بن عبد الملك، وذلك أنهما حضرا، فقال سليمان للفرزدق: أنشدني -وإنما أراد أن ينشده مدحاً له- فأنشده:

وركب كأن الريح تطلب عندهملها ترةٌ من جذبها بالعصائب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وركب كأن الريح تطلب عندهم»
سروا يخبطون الريح وهي تلفهمإلى شعب الأكوار ذات الحقائب
إذا آنسوا ناراً يقولون ليتها-وقد خصرت أيديهم- نار غالب

فأعرض عنه سليمان كالمغضب، فقال نصيب: يا أمير المؤمنين، ألا أنشدك في رويها ما لعله لا يتضع عنها! فقال: هات، فأنشده:

أقول لركب صادرين لقيتهمقفا ذات أوشال ومولاك قارب
قفوا خبروني عن سليمان إننيلمعروفه من أهل ودان طالب
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول لركب قافلين رأيتهم»
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهلهولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول لركب قافلين رأيتهم»

وهذا في باب المدح حسن ومتجاوزٌ ومبتدع لم يسبق إليه. على أن الشاعر وهو أخو همدان قد قال في عصره في غير المدح:

يمرون بالدهنا خفافاً عيابهمويخرجن من دارين بجر الحقائب
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «يمرون بالدهنا خفافا عيابهم»
على حين ألهى الناس جل أمورهمفندلاً زريق المال ندل الثعالب
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «يمرون بالدهنا خفافا عيابهم»

وليس شعر نصيب هذا الذي ذكرناه في المدح بأجود من قول الفرزدق في الفخر، وإنما يفاضل بين الشيئين إذا تناسبا.

وقد قال سليمان للفرزدق وهو يقول:

وخير الشعر أشرفه رجالاًوشر الشعر ما قال العبيد

ثم نرجع إلى تفسير الشعر.

وقوله:

يمرون بالدهنا خفافاً عيابهم

يعني قوماً تجاراً، وقد قالو إنما ذكر لصوصاً، والأول أثبت، وذلك أن دارين سوقٌ من أسواق العرب.

وقوله: "بجر الحقائب" يقول: عظام، ويقال للرجل إذا اندلقت سرته فنتأت متقدمة: رجل أبجر، ويقال لها: البجرة والبجرةَ. وفعلةٌ وفعَلةٌ تقعان في الشييء، يقال: قلفةٌ وقَلفةٌ، وصلعة وصَلعةٌ، ومثل هذا كثير.

وقوله: "على حين ألهى الناس" إن شئت خفضت"حين" وإن شئت نصبت، أما الخفض فلأنه مخفوض فلأنه مخفوض، وهو اسم منصرف، وأما الفتح فلإضافتك إياه إلى شيء معرب، فبنيته على الفتح، لأن المضاف والمضاف إليه اسم واحد فبنيته من أجل ذلك، ولو كان الذي أضفته إليه معرباً لم يكن إلا محفوضاً، وما كان سوى ذلك فهو لحن، تقول" جئتك على حين زيد" و" جئتك في حين إمرة عبد الملك"، وكذا قول النابغة:

على حين عاتبت المشيب على الصباوقلت: ألما أصح والشيب وازع!
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

إن شئت فتحت، وإن شئت خفضت، لأنه مضاف إلى فعل غير متمكن.

وكذلك قولهم: "يومئذ"، تقول: عجبت من يوم عبد الله، لا يكون غيره، فإذا أضفته إلى" إذ"، فإن شئت فتحت على ما ذكرت لك في "حين"، وإن شئت خفضت، لما كان يستحقه اليوم من التمكن قبل الإضافة. تقرأ إن شئت:

﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾، وإن شئت: ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾ على ما وصفت لك، ومن خفض بالإضافة قال: سير بزيدٍ يومئذ، فأعربته في موضع الرفع، كما فعلت به في الخفض، ومن قال: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ فبناه قال: سير بزيدٍ يومئذٍ، يكون على حالة واحدة لأنه مبني، كما تقول: دفع إلى زيد خمسة عشر درهماً، وكما قال ﷿: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ وأما قوله:

فندلاً زريق المال ندل الثعالب

فزريق قبيلة. وقوله" ندلاً" مصدر، يقول، اندلي ندلاً يا زريق المال، والندل: أن تجذبه جذباً، يقال: ندل الرجلا الدلو ندلاً إذا كان يجذبها مملوءة من البئر، فنصب" ندلاً "بفعل مضمر وهو" أندلي "وهذا في الأمر، تقول: ضرباً زيداً، وشتما عبد الله، لأن الأمر لا يكون إلا بفعل، فكان الفعل فيه أقوى، فلذلك أضمرته، ودل المصدر على الفعل المضمر، ولو كان خبراً لم يجز فيه الإضمار، لأن الخبر يكون بالفعل وغيره، والأمر لا يكون إلا بالفعل، قال الله ﷿: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾. فكان في موضع "اضربوا"، حتى: كان القائل قال: فاضربوا، ألا ترى أنه ذكر بعده محضاً في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ ولو نون منون في غير القرآن لنصب "الرقاب" وكذلك كل موضع هو بالفعل أولى.

وقوله: "ندل الثعالب" يريد سرعة الثعالب، يقال في المثل: "أكسب من ثعلب".

وأما قول نصيب:

ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب

فإنما يريد أنهم يرجعون مملوءة حقائبهم من رفده، فقد أثنت عليه الحقائب من قبل أن يقولوا. وأما قول الأعشى:

وإن عتاق العيس سوف تزوركمثناء على أعجازهن معلق

فإنما أراد المدح الذي يحيدين به، والحادي من ورائها، كما الهادي أمامها.

وأما قول أبي وجزة السعدي:

راحت بستين وسقًا في حقيبتهاما حملت حملها الأدنى ولا السددا
للشاعر أبو وجزة السعدي، اقرأ القصيدة

فإنما أراد ما يوجب ستين وسقا، لا أن الناقة حملت ستين وسقاً

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.