من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
في وصف الجود والحث على المبادرة به
ومما يستحسن في وصف الجود والحث على المبادرة به، وتعريف حد العاقبة فيه، قول النمر بن تولب العكلي، أحد بني عكل بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر:
أعاذل إن يصبح صداي بقفرةٍبعيداً نآني صاحبي وقريبي
تري أن ما أبقيت لم أك ربهوأن الذي أنفقت كان نصيبي
وذي إبل يسعى ويحسبها لهأخي نصب في رعيها ودؤوب
غدت وغدا رب سواه يقودهاوبدل أحجارا وجال قليب
قوله: "إن يصبح صداي بقفزة" فالصدى: على ستة أوجه: أحدها ما ذكرنا وهو ما يبقى من الميت في قبره، والصدى: الذكر من البوم، قال ابن مفرغ:
وشريت برداً ليتنيمن بعد بردٍ كنت هامة
هتافة تدعو صدىبين المشقر واليمامة
ويقال: فلان هامة اليوم أوغدٍ، أي يموت في يومه أو في غده. ويقال ذلك للشيح إذا أسن، والمريض إذا طالت علته، والمحتقر لمدة الآجال. وفي الحد يث أن حسلاً أباحذيفة بن حسل بن اليمان قال لشيخ آخر تخلف معه في غزوةأحدٍ: انهض بنا ننصر رسول الله ﷺ، فإنما نحن هامة اليوم أو غدٍ وكانا قد أسنا. والصدى: حشوة الرأس. يقال لذلك: الهامة والصدى وتأويل ذلك عند العرب في الجاهلية أن الرجل كان عندهم إذا قتل فلم يدرك به الثأر أنه يخرج من رأسه طائر كالبومة وهي الهامة والذكر: الصدى فيصيح على قبره. اسقوني اسقوني فإن قتل قاتله كف ذلك الطائر. قال ذو الإصبع العدواني أحد بني عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر:
ياعمرو إلا تدع شتمي ومنقصتيأضربك حيث تقول الهامة اسقوني
والصدى: ما يرجع عليك من الصوت إذا كنت بمتسع من الأرض، أو بقرب جبل، كما قال:
إني على كل إيساري ومعسرتيأدعو حنيفاً كما تدعى ابنة الجبل
يعني الصدى، وتأويله أنه يجيبني في سرعة إجابة الصدى. وقال آخر:
كأني إذ دعوت بني سليمدعوت بدعوتي لهم الجبالا
والصدأ، مهموز: صدأ الحديد وما أشبه، قال النابغة الذبياني:
سهكين من صدإ الحديد كأنهمتحت السنور جنة البقار
وقال الأعشى:
فأما إذا ركبوا فالوجوهـ في الروع من صدإ البيض حم
والصدى: مصدر الصدي، وهو العطشان، يقال: صدي يصدى صدى وهو صدٍ، قال طرفة:
ستعلم إن متنا صدى أينا الصدي
وقال القطامي:
فهن ينبذن من قولٍ يصبن بهمواقع الماء من ذي الغلة الصادي
تأويل قوله: "نآني" يكون على ضربين، يكون أبعدني، وأحسن [من] ذلك أن يقول: "أنآني". وقد رويت هذه اللغة الأخرى، وليست بالحسنة، وإنما جاءت في حروف: يقال غاض الماء وغضته، ونزحت البئر ونزحته، وهبط الشيء وهبطنه، وبنو تميم يقولون: أهبطته، وأحرف سوى هذه يسيرة. والوجه في "فعل أفعلته"، نحو دخل وأدخلته، مات وأماته الله، فهذا الباب المطرد. ويكون "نآني" في موضع" نأى عني"، كما قال ﷿: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ أي كالوا لهم أو وزنوا لهم.
وقوله: "ودؤوب"، يقول: وإلحاح عليه، تقول: دأبت على الشيء، قال الشاعر:
دأبت إلى أن ينبت الظل بعدماتقاصر حتى كاد في الآل يمصح
وقوله ﷿: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يقول: كعادتهم وسنتهم، ومثله الدين والديدن، وقد مر هذا.
وقوله:
وبدل أحجاراٌ وجالٌ قليب
فالجال الناحية، يقال لكل ناحية من البئر والقبر وما أشبه ذلك: جال وجول، وقال مهلهل:
كأن رماحهم أشطان بئربعيد بين جاليها جرور
ويقال: رجل ليس له جول، أي ليس له عقل، وهذا الشعر نظير قول حاتم الطائي:
أماوي إن يصبح صداي بقفرةٍمن الأرض، لا ماء لدي ولا خمر
ترى أن ما أبقيت لم أك ربهوأن يدي مما بخلت به صفر
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع