من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
لعويف القوافي يرثي سليمان بن عبد الملك
وقال عويف القوافي شعراً، يرثي سليمان بن عبد الملك، ويذكر عمرَ بن عبد العزيز، هذا ما اخترنا منه:
لاح سحابٌ فرأينا برقهُثم تدانى فسمعنا صعقهُ
وراحت الريحتزجي بلقهُودهمه ثم تزجي ورقهُ
ذاك سقى ودقاً فروى ودقهُقبرَ امرىءٍ أعظم ربي حقهُ
قبر سليمان الذي من عقهُوجحد الخير الذي قد بقهُ
في العالمين جلهُ ودقهُلما ابتلى اللهُ بخيرٍ خلقهُ
وكادتِ النفسُ تساوي خلقهُألقى إلى خير قريشٍ وسقهُ
يا مرَ الخير الملقى وفقهُسميت بالفاروقِ فافرقْ فرقهُ
وأرزق عيال المسلمين رزقهُواقصد إلى الخير ولا توقهُ
بحرك عذابُ الماء من أعقهُربكَ، والمحرومُ من لم يسقهُ
يقال: لاح البرق، إذا بدا، وألاح إذا تلألأ، وهذا البيت ينشدُ:
من هاجه الليلة برقٌ ألاحْ
ويقال: شرقتِ الشمسُ، إذا بدتْ، وأشرقت إذا أضاءت وصفت.
ويقال: ساعقةٌ وصاقعةٌ؛ وبنو تميم تقول: صاقعةٌ؛ والصعقُ شدةُ الرعد، ويعنى في أكثر ذلك ما يعتري من يسمعُ صوت الصاعقةِ.
وقوله: تزجي يقول: تسوقه وتستحثهُ.
والأبلق من الساحب: ما فيه سوادُ وبياضٌ، وفي الخيل: كل لونٍ يخالطهُ بياضٌ فهو بلقٌ.
والأورقُ: الذي بين الخضرةِ والسوادِ، وهو ألأم ألوان الإبل، ويقال: إن لحم البعير الأورق أطيبُ لحمانِ الإبلِ.
والودقُ: المطرُ، يقال: ودقتِ السماءُ يا فتى، تدقُ ودقاً، قال الله جل وعزّ: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾، وقال عامرُ بن جوين الطائي:
فلا مزنةٌ ودقت ودقهاولا أرض أبقل إبقالها
وأصل العق القطعُ في هذا الموضع، وللعق مواضعُ كثيرة، يقال: عقَّ والديه يعقهما إذا قطعهما، وعققت عن الصبي من هذا، وقالوا: بل هو من العقيقة وهي الشعر الذي يولد الصبي به، يقال: فلان بعقيقته إذا كان بشعر الصبا لم يحلقهُ، ويقال: سيف كأنه عقيقة؛ أي كأنه لمعةُ برقٍ، يقال: رأيتُ عقيقة البرق يا فتى، أي اللمعة منه في السحاب، ويقال: فلانٌ عقتْ تميمته ببلد كذا، أي قطعت عنه في ذلك الموضع، قال الشاعر:
ألم تعلمي يا دار بلجاء أننيإذا أخصبت أو كان جدباً جنابها
أحب بلاد الله ما بين مشرفٍإلي وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها عق الشبابُ تميمتيوأول أرضٍ مس جلدي ترابها
وقوله:
وجحد الخير الذي قد بقهُ
يقال: بق فلانٌ في الناس خيراً كثيراً، وبق ولداً كثيراً، وابقَّ كلاماً كثيراً.
وقوله:
ألقى إلى خيرقريشٍ وسقهُ
فهذا مثل، يريد: قلدهُ أمره، والوسق الحمل.
وقوله: الملقى وفقه، يقال: لقي فلانٌ خيراً، أي جعل يلقاهُ، والوسق من الكيل: مقدارُ خمسة أقفزة بقفيز، وهو قفيزان ونصفٌ بقفيز مدينة السلامِ.
وقوله: "ليس في أقل من خمسة أوسقٍ صدقةٍ" إنما مبلغ ذلك خمسة وعشرون قفيزاً بالبصري. والوفقُ: التوفيقُ.
وقوله: "سميت بالفاروقِ" فتأويل الفاروق هو الذي يفرق بين الحقِّ والباطلِ، وكذلك قال المفسرون في الفرقان، وقد أبان ذلك بقوله: فافرق فرقهُ.
وقوله:
وارزق عيالَ المسلمين رزقهُ
يقال: رزقه يرزقه رزقاً، والاسم الرزقُ.
وقوله:
بحرك عذبُ الماءِ ما أعقهُ
مقلوبٌ، إنما هو ما أقعه ربك. يقال: ماء قعاعُ، وماءُ حراقٌ. فالقعاع: الشديد الملوحة، يقول: ما أملحه ربك، والحراقُ: الذي يحرقُ كل شيءٍ بملوحته، والماء العذب يقال له: النفاخُ، وما دون ذلك شيئاً يقال له: المسوسُ. أنشد أبو عبيدة:
لو كنت ماءً كنتَ لاعذبَ المذاقِ ولا مسوسا
يقال: ماء عذبٌ، وماءُ فراتٌ، وهو أعذب العذبِ، ويقال: ماءُ ملح، ولا يقال: مالحٌ، وسمكٌ مملوحُ ومليحٌ، ولا يقالُ: مالحٌ، وأشدُ الماء ملوحةً الأجاج، قال الفرزدق:
ولو اسقيتهم عسلاً مصفىبماء النيل أو ماء الفراتِ
لقالوا إنه ملحٌ أجاجٌأراد به لنا إحدى الهناتِ
وقوله:
ذاك سقى ودقاً فروى ودقهُ
يقال فيه قولان: أحدهما: فروى الغيم ودقه هذا القبرَ، يريدُ: من ودقه، فلما حذف حرف الجر عملَ الفعل والآخر كقولك: "رويت زيداً ماءً"، وروى أكثرُ من أروى، لأن روى لا يكون إلا مرةً بعد مرةٍ، يقول: فروى الله ودقه أي جعله رواءٌ، فأضمر لعلم المخاطبِ، لأن قوله: لاح سحابٌ، إنما معناه: ألاحه الله، فالفاعل كالمذكور، لأن المعنى عليه، ونظيره قوله جل وعزَّ: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ وكذلك ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ ولم يذكر الأرض. وقال قومٌ: ودقه، يريد ودقةً واحدةً، وهذا رديء في المعنى، ليس بمبالغٍ.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع