من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
فخر معبد بخمسة أصوات من غنائه
ويروى أن معبداً بلغه أن قتيبة بن مسلم فتح خمس مدائن، فقال: لقد غنيت خمسةَ أصواتٍ، هن أشد من فتح المدائن التي فتحها قتيبة. والأصواتُ:
ودع هريرةَ إن الركبَ مرتحِلُوهل تطيق وداعاً أيها الرجلُ
وقوله:
هريرةَ ودعها وإن لام لائمُغداة غدٍ أم أنت للبين واجمُ
وقوله:
رأيتُ عرابةً الأوسي يسموإلى الخيرات منقطع القرينِ
وقوله:
ودع لبابةَ قبل أن تترحلاواسأل فإن قليله أن تسألا
وقوله:
لعمري لئن شطت بعثمة دارهالقد كنت من خوف الفراق أليحُ
أما قوله:
ودع هريرة إن الركب مرتحلُ
وقوله:
هريرةَ ودعها وإن لام لائمُ
فللأعشى، يعاتب فيهما يزيد بن مسهر الشيباني، يقول:
أبلغ يزيد بني مألكةًأنا ثبيب أما ينفك تأتكلُ
ألست منتهياً عن نحت أثلتناولست ضائرها من أطت الإبلُ
كناطح صخرةً يوماً ليفلقهافلم يضرها وأوهى قرنه الوعلُ
ويقولُ في الأخرى يعاتبه أيضاً:
يزيد يغض الطرف دوني كأنمازوى بين عينيهِ علي المحاجمُ
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوىولا تلقني إلا وأنفكَ راغمُ
فأقسم إن جد التقاطع بيننالتصطفقن يوماً عليكَ المآتم
وتلقى حصانٌ تنصف ابنة عمهاكما كان يلقى الناصعاتُ الخوادمُ
إذا اتصلت قالت: أبكرَ بن وائلٍ?وبكرٌ سبتها والأنوف رواغمُ
فأما الشعر الثالث فللشماخ بن ضرار بن مرة بن عطفان، يقوله لعرابة بن أوس بن قيظي الأنصاري:
رأيت عرابةَ الأوسي يسموإلى الخيرات منقطعَ القرينِ
إذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍتلقها عرابةُ باليمين
إذا بلغتني وحملتِ رحليعرابةَ فاشرقي بدمِ الوتينِ
والرابع لعمر بن عبد الله بن أبي ربيعة، يقوله في بعض الروايات:
ودع لبابة قبل أن تترحلاواسأل فإن قليله أن تسألا
أمكث لعمرك ساعةً فتأنهافعسى الذي بخلت به أن يبذلا
لسنا نبالي حين ندرك حاجةًإن بات وظل المطي معقلا
والشعر الخامس لا أعرفه.
ولم يتغن معبد في مدح قط إلا في ثلاثة أشعارٍ، منها ما ذكرنا في عرابةَ، ومنها قول عبد الله بن قيس الرقياتِ في عبد الل بن جعفر بن أبي طالب:
تقدت بي الشهباءُ نحو ابن جعفرٍسواءٌ عليها ليلها ونهارها
والثالث قول موسى شهواتٍ في حمزةَ بن عبد الله بن الزبيرِ:
حمزة المبتاع بالمال الثناويرى في بيعه أن قد غبن
وهو إن أعطى عطاء كاملاذا إخاء لم يكدره بمن
ونحن ذاكرو قصص هذه الأشعار التي جرت فيها عتب ما وصفنا إن شاء الله.
قال أبو العباس: كان عبد الله بن قيس الرقياتِ منقطعاً إلى مصعب بن الزبير، وكان كثير المدح له، وكان يقاتلُ معه، وفيه يقول:
إنما مصعبٌ شهابٌ من اللهتجلت عن وجهه الطلماءُ
ملكهُ ملكُ قوةٍ ليس فيهِجبروتٌ منه ولا كبرياءُ
يتقي الله في الأمور وقد أفلحَمنكان همهُ الإتقاءُ
قال أبو العباس: وله فيه أشعار كثيرةٌ، فلما قتل مصعب بن الزبير كان عبد الملك على قتل عبد الله بن قيس، فهرب فلحق بعبد الله بن جعفر، فشفع فيه إلى عبد الملك، فشفعه في أن ترك دمه، فقال: ويدخل إليك يا أمير المؤمنين فنسمع منه? فأبى، فلم يزل به حتى أجابه، ففي ذلك يقول لعبد الله بن جعفرٍ:
أتيناك نثني بالذي أنت أهلهُعليك كما أثنى على الأرض جارها
تقدت بين الشهباءُ نحو ابن جعفرٍسواءٌ عليها ليلها ونهارها
تزور فتى قد يعلم الناسُ أنهتجود له كفٌّ قليلٌ غرارها
فوالله لولا أن تزور ابن جعفرٍلكان قليلا في دمشق قرارها
والشعر الذي مدح به عبد الملك:
عاد له من كثيرةَ الطربُفعينه بالدموع تنسكبُ
وفيها يقول:
ما نقموا من بني أمية إلاأنم يحلمون إن غضبوا
وأنهم سادةُ الملوك فلاتصلح إلا عليهم العربُ
إن الفنيق الذي أبوه أبو العاصي عليه الوقارُ والحجبُ
خليفة الله في رعيتهِجفت بذاك الأقلامُ والكتبُ
يعتدلُ التاجُ فوق مفرقهِعلى جبين كأنه الذهبُ
فقال له عبد الملك: أتقول لمصعبٍ:
إنما مصعبٌ شهابٌ من اللهتجلتْ عن وجههِ الظلماءُ
وتقول لي:
يعتدل التاجُ فوق مفرقهِعلى جبين كأنه الذهبُ!
وأما شعر الشماخ في عرابةَ فقد ذكر في موضعه بحديثهِ.
وأما الشعر في حمزة بن عبد الله بن الزبير فإنه لموسى شهواتٍ، وكان موسى قال لمعبدٍ: أقول شعراً في حمزةَ وتتغنى أنتَ به، فما أعطاك من شيء فهو بيننا! فقال هذا الشعرَ:
حمزةُ المبتاعُ بالمال الثناويرى في بيعه أن قد غبنْ
وو إن أعطى عطاء كاملاذا إخاءٍ لم يكدره بمنْ
وإذ ما سنةٌ مجحفةٌبرت المالَ كبري بالسفنْ
حسرت عنه نقيا لونهُطاهرَ الأخلاق ما فيه درنْ
فأعطاه مالاً، فقاسمه موسى.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع