من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
في مجلس قتيبة بن مسلم الباهلي
ويزعم الرواة: أن قتيبة بن مسلم لما فتح سمرقند أفضى إلى أثاث لم
ير مله، وإلى آلات لم ير مثلها، فأراد أن يري الناس عظيم ما فتح الله عليه، ويعرفهم أقدار القوم الذين ظهر عليهم، فأمر بدار ففرشت، وفي صحنها قدور ترتقي بالسلالم، فإذا بالحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشي قد أقبل. والناس جلوس على مراتبهم، والحضين شيخ كبير. فلما رآه عبد الله بن مسلم قال لقتيبة: ائذن لي في معاتبته. قال: لا ترده فإنه خبيث الجواب، فأبى عبد الله إلا أن يأذن له - وكان عبد الله يضعف، وكان قد تسور حائطاً إلى امرأة قبل ذاك - فأقبل على الحضين بن المنذر فقال: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان? قال: أجل، أسن عمك عن تسور الحيطان، قال: أرأيت هذه القدور? قال: هي أعظم من ألا ترى. قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها! قال: أجل، ولا عيلان، لو كان رآها سمي شعبان، ولم يسم عيلان، قال له عبد الله: يا أبا ساسان، أتعرف الذي يقول:
عزلنا وأمرنا وبكر بن وائلتجر خصاها تبتغي من تحالف
قال: أعرفه, وأعرف الذي يقول:
خيبة من يخيب على غنيوباهلة بن يعصر والركاب
يريد يا خيبة من يخيب. قال. أفتعرف الذي يقول:
كأن فقاح الأزد حول ابن مسمعإذا عرقت أفواه بكر بن وائل
قال: نعم. وأعرف الذي يقول:
قوم قتيبة أمهم وأبوهملولا قتيبة أصبحوا في مجهل
قال: أما الشعر فأراك ترويه. فهل تقرأ من القرآن شيئاً? قال أقرأ منه الكثر الأطيب: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ قال: فأغضبه. فقال: والله لقد بلغني أن امرأة الحضين حملت إليه وهي حبلى
من غيره. قال: فما تحرك الشيخ عن هيئته الأولى. ثم قال على رسله: وما يكون! تلد غلاماً على فراشي فيقال: فلان بن الحضين، كما يقال: عبد الله بن مسلم. فأقبل قتيبة على عبد الله فقال: لا يبعد الله غيرك.
[قال أبو العباس]: الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة. وكان الحضين بيده لواء علي بن أبي طالب ﵀ على ربيعة، وله يقول القائل:
لمن راية سوداء يخفق ظلهاإذا قيل قدمها حضين تقدما
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع