تجاوز إلى المحتوى

من «سير أعلام النبلاء» لشمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨هـ)

ابن الحنفية أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب القرشي

الصفحة ٢ من ٢

ابْنُ عُيَيْنَةَ: عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ:

سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُوْلُ: لاَ حَرَجَ إِلاَّ فِي دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ.

فَقُلْتُ: يَطْعَنُ عَلَى أَبِيْكَ.

قَالَ: لاَ، بَايَعَهُ أُوْلُوْ الأَمْرِ، فَنَكَثَ نَاكِثٌ، فَقَاتَلَهُ، وَإِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَحْسُدُنِي عَلَى مَكَانِي، وَدَّ أَنِّي أَلْحَدُ فِي الحَرَمِ كَمَا أَلْحَدَ.

الثَّوْرِيُّ: عَنِ الحَارِثِ الأَزْدِيِّ، قَالَ:

قَالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: رَحِمَ اللهُ امْرَأً أَغْنَى نَفْسَهُ، وَكَفَّ يَدَهُ، وَأَمْسَكَ لِسَانَهُ، وَجَلَسَ فِي بَيْتِهِ، لَهُ مَا احْتَسَبَ، وَهُوَ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، أَلاَ إِنَّ أَعْمَالَ بَنِي أُمَيَّةَ أَسْرَعُ فِيْهِم مِنْ سُيُوْفِ المُسْلِمِيْنَ، أَلاَ إِنَّ لأَهْلِ الحَقِّ دَوْلَةً يَأْتِي بِهَا اللهُ إِذَا شَاءَ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ، كَانَ عِنْدَنَا فِي السَّهْمِ الأَعْلَى، وَمَنْ يَمُتْ، فَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى.

أَبُو عَوَانَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، قَالَ:

كَانُوا يَقُوْلُوْنَ لابْنِ الحَنَفِيَّةِ: سَلاَمٌ عَلَيْكَ يَا مَهْدِيُّ.

فَقَالَ: أَجَلْ، أَنَا مَهْدِيٌّ، أَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ وَالخَيْرِ، اسْمِي مُحَمَّدٌ.

فَقَالُوا: سَلاَمٌ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، أَوْ يَا أَبَا القَاسِمِ.

رَوَى: الرَّبِيْعُ بنُ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:

قَالَ مُحَمَّدُ بنُ الحَنَفِيَّةِ: لَوَدِدْتُ أَنِّي فَدَيْتُ شِيْعَتَنَا هَؤُلاَءِ بِبَعْضِ دَمِي.

ثُمَّ قَالَ: بِحَدِيْثِهِمُ الكَذِبَ، وَإِذَاعَتِهْمُ السِّرَّ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ أُمُّ أَحَدِهِمْ، لأَغْرَى بِهَا حَتَّى تُقْتَلَ.

قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: قُتِلَ المُخْتَارُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّيْنَ، وَفِي سَنَةِ تِسْعٍ بَعَثَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَخَاهُ عُرْوَةَ إِلَى مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، يَقُوْلُ:

إِنِّي غَيْرُ تَارِكِكَ أَبَداً حَتَّى تُبَايِعَنِي، أَوْ أُعِيْدَكَ فِي الحَبْسِ، وَقَدْ قَتَلَ اللهُ الكَذَّابَ الَّذِي كُنْتَ تَدَّعِي نُصْرَتَهُ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ العِرَاقِ عَلَيَّ، فَبَايِعْ.

فَقَالَ: يَا عُرْوَةُ، مَا أَسْرَعَ أَخَاكَ إِلَى قَطْعِ الرَّحِمِ، وَالاسْتِخْفَافِ بِالحَقِّ! وَمَا أَغْفَلَهُ عَنْ تَعْجِيْلِ عُقُوْبَةِ اللهِ! مَا يَشُكُّ أَخُوْكَ فِي الخُلُوْدِ، وَوَاللهِ مَا بُعِثَ المُخْتَارُ دَاعِياً وَلاَ نَاصِراً، وَلَهُوَ -

كَانَ - أَشَدُّ إِلَيْهِ انْقِطَاعاً مِنْهُ إِلَيْنَا، فَإِنْ كَانَ كَذَّاباً، فَطَالَمَا قَرَّبَهُ عَلَى كَذِبِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ، وَمَا عِنْدِي خِلاَفٌ مَا أَقَمْتُ فِي جِوَارِهِ، وَلَوْ كَانَ، لَخَرَجْتُ إِلَى مَنْ يَدْعُوْنِي، وَلَكِنْ هَا هُنَا لأَخِيْكَ قِرْنٌ - وَكِلاَهُمَا يُقَاتِلاَنِ عَلَى الدُّنْيَا - عَبْدُ المَلِكِ، فَلَكَأَنَّكَ بِجُيُوْشِهِ قَدْ أَحَاطَتْ بِرَقَبَةِ أَخِيْكَ، وَإِنِّي لأَحْسَبُ أَنَّ جِوَارَهُ خَيْرٌ مِنْ جِوَارِكُمْ، وَلَقَدْ كَتَبَ إِلَيَّ يَعْرِضُ عَلَيَّ مَا قِبَلَهُ، وَيَدْعُوْنِي إِلَيْهِ.

قَالَ عُرْوَةُ: فَمَا يَمْنَعُكَ؟

قَالَ: أَسْتخِيْرُ اللهَ، وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ صَاحِبِكَ.

فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ: وَاللهِ لَوْ أَطَعْتَنَا، لَضَرَبْنَا عُنُقَهُ.

فَقَالَ: وَعَلَى مَاذَا؟ رَجُلٌ جَاءَ بِرِسَالَةٍ مِنْ أَخِيْهِ، وَأَنْتُم تَعْلَمُوْنَ أَنَّ رَأْيِيَ لَوِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيَّ سِوَى إِنْسَانٍ لَمَا قَاتَلْتُهُ.

فَانْصَرَفَ عُرْوَةُ، وَأَخْبَرَ أَخَاهُ، وَقَالَ: مَا أَرَى لَكَ أَنْ تَعْرِضَ لَهُ، دَعْهُ، فَلْيَخْرُجْ عَنْكَ، فَعَبْدُ المَلِكِ أَمَامَهُ، لاَ يَتْرُكُهُ يَحُلُّ بِالشَّامِ حَتَّى يُبَايِعَهُ، وَهُوَ فَلاَ يُبَايِعُهُ أَبَداً حَتَّى يُجْمِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ.

أَبُو عَوَانَةَ: عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ:

سِرْنَا مَعَ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ مِنَ الطَّائِفِ إِلَى أَيْلَةَ بَعْدَ مَوْتِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ عَبْدُ المَلِكِ قَدْ كَتَبَ لَهُ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ فِي أَرْضِهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى يَتَّفِقَ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا اصْطَلَحُوا عَلَى رَجُلٍ بِعَهْدِ اللهِ وَمِيْثَاقِهِ ... - فِي كَلاَمٍ طَوِيْلٍ - فَلَمَّا قَدِمَ مُحَمَّدٌ الشَّامَ، كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ المَلِكِ:

إِمَّا أَنْ تُبَايِعَنِي، وَإِمَّا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَرْضِي - وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ آلاَفٍ -.

فَبَعَثَ إِلَيْهِ: عَلَى أَنْ تُؤَمِّنَ أَصْحَابِي.

فَفَعَلَ، فَقَامَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:

اللهُ وَلِيُّ الأُمُوْرِ كُلِّهَا وَحَاكِمُهَا، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَيَعُوْدَنَّ فِيْهِ الأَمْرُ كَمَا بَدَأَ، الحَمْدُ للهِ الَّذِي حَقَنَ دِمَاءكُم، وَأَحْرَزَ دِيْنَكُم، مَنْ أَحَبَّ مِنْكُم أَنْ يَأْتِيَ مَأْمَنَهُ إِلَى بَلَدِهِ

آمِناً مَحْفُوْظاً، فَلْيَفْعَلْ، كُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيْبٌ، عَجِلْتُم بِالأَمْرِ قَبْلَ نُزُوْلِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ فِي أَصْلاَبِكُم لَمَنْ يُقَاتِلُ مَعَ آلِ مُحَمَّدٍ، مَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الشِّرْكِ أَمْرُ آلِ مُحَمَّدٍ، أَمْرُ آلِ مُحَمَّدٍ مُسْتَأْخِرٌ.

قَالَ: فَبَقِيَ فِي تِسْعِ مائَةٍ، فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَقَلَّدَ هَدْياً، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنَّ نَدْخُلَ الحَرَمَ، تَلَقَّتْنَا خَيْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَمَنَعَتْنَا أَنْ نَدْخُلَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ:

لَقَدْ خَرَجْتُ وَمَا أُرِيْدُ قِتَالاً، وَرَجَعْتُ كَذَلِكَ، دَعْنَا نَدْخُلْ، فَلْنَقْضِ نُسُكَنَا، ثُمَّ لْنَخْرُجْ عَنْكَ، فَأَبَى.

قَالَ: وَمَعَنَا البُدْنَ مُقَلَّدَةً، فَرَجَعْنَا إِلَى المَدِيْنَةِ، فَكُنَّا بِهَا حَتَّى قَدِمَ الحَجَّاجُ، وَقَتَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى العِرَاقِ، فَلَمَّا سَارَ، مَضَيْنَا، فَقَضَيْنَا نُسُكَنَا، وَقَدْ رَأَيْتُ القَمْلَ يَتَنَاثَرُ مِنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ.

قَالَ: ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى المَدِيْنَةِ، فَمَكَثَ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ تُوُفِّيَ.

إِسْنَادُهَا ثَابِتٌ.

الوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا مُوْسَى بنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ زَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ زَيْدِ بنِ الخَطَّابِ، قَالَ:

وَفَدْتُ مَعَ أَبَانٍ عَلَى عَبْدِ المَلِكِ، وَعِنْدَهُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، فَدَعَا عَبْدُ المَلِكِ بِسَيْفِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَدَعَا بِصَيْقَلٍ، فَنَظَر، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ حَدِيْدَةً قَطُّ أَجْوَدَ مِنْهَا.

قَالَ عَبْدُ المَلِكِ: وَلاَ وَاللهِ مَا رَأَى النَّاسُ مِثْلَ صَاحِبِهَا! يَا مُحَمَّدُ، هَبْ لِي هَذَا السَّيْفَ.

قَالَ مُحَمَّدٌ: أَيُّنَا أَحَقُّ بِهِ، فَلْيَأْخُذْهُ.

قَالَ عَبْدُ المَلِكِ: إِنْ كَانَ لَكَ قَرَابَةٌ، فَلِكُلٍّ قَرَابَةٌ.

فَأَعْطَاهُ مُحَمَّدٌ إِيَّاهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، إِنَّ هَذَا - وَأَشَارَ إِلَى الحَجَّاجِ - قَدِ اسْتَخَفَّ بِي، وَآذَانِي، وَلَوْ كَانَتْ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ أَرْسَلَ إِلَيَّ فِيْهَا.

قَالَ: لاَ إِمْرَةَ لَهُ عَلَيْكَ.

فَلَمَّا وَلَّى مُحَمَّدٌ، قَالَ عَبْدُ المَلِكِ لِلْحَجَّاجِ: أَدْرِكْهُ، فَسُلَّ سَخِيْمَتَهُ.

فَأَدْرَكَهُ، فَقَالَ: إِنَّ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ قَدْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ لأَسُلَّ سَخِيْمَتَكَ، وَلاَ مَرْحَباً بِشَيْءٍ سَاءكَ.

قَالَ: وَيْحَكَ يَا حَجَّاجُ! اتَّقِ اللهَ، وَاحْذَرْهُ، مَا مِنْ صَبَاحٍ إِلاَّ وَللهِ فِي كُلِّ عَبْدٍ مِنْ

عِبَادِه ثَلاَثُ مائَةٍ وَسِتُّوْنَ لَحْظَةً، إِنْ أَخَذَ، أَخَذَ بِمَقْدِرَةٍ، وَإِنْ عَفَا، عَفَا بِحِلْمٍ، فَاحْذَرِ اللهَ.

فَقَالَ: لاَ تَسْأَلُنِي شَيْئاً إِلاَّ أَعْطَيْتُكَهُ.

قَالَ: وَتَفْعَلُ؟

قَالَ: نَعَمْ.

قَالَ: صُرْمُ الدَّهْرِ.

الثَّوْرِيُّ: عَنْ مُغِيْرَةَ، عَنْ أَبِيْهِ:

أَنَّ الحَجَّاجَ أَرَادَ أَنْ يَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى المَقَامِ، فَزَجَرَهُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وَنَهَاهُ.

إِسْرَائِيْلُ: حَدَّثَنَا ثُوَيْرٌ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ الحَنَفِيَّةِ يَخْضِبُ بِالحِنَّاءِ وَالكَتَمِ.

وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ: أَنَّهُ رَأَى ابْنَ الحَنَفِيَّةِ يَرْمِي الجِمَارَ عَلَى بِرْذَوْنٍ أَشْهَبَ.

وَرَوَى: الثَّوْرِيُّ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ: رَأَيْتُ عَلَى ابْنِ الحَنَفِيَّةِ مِطْرَفَ خَزٍّ أَصْفَرَ بِعَرَفَةَ.

وَعَنْ رِشْدِيْنَ بنِ كُرَيْبٍ: رَأَيْتُ ابْنَ الحَنَفِيَّةِ يَعْتَمُّ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ، وَيُرْخِيْهَا شِبْراً أَوْ دُوْنَهُ.

وَقَالَ عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ أَيْمَنَ: رَأَيْتُ عَلَى ابْنِ الحنفِيَّةِ عِمَامَةً سَوْدَاءَ.

وَقِيْلَ لابْنِ الحَنَفِيَّةِ: لِمَ تَخْضِبُ؟

قَالَ: أَتَشَبَّبُ بِهِ لِلنِّسَاءِ.

أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ أَيْمَنَ، قَالَ:

أَرْسَلَنِي أَبِي إِلَى مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، فَإِذَا هُوَ مُكَحَّلٌ، مَصْبُوْغُ اللِّحْيَةِ بِحُمْرَةٍ، فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ لأَبِي: بَعَثْتَنِي

إِلَى شَيْخٍ مُخَنَّثٍ؟!

قَالَ: يَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ، ذَاكَ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ.

قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بنُ الصَّلْتِ، حَدَّثَنَا رَبِيْعُ بنُ مُنْذِرٍ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:

كُنَّا مَعَ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، فَأَرَادَ أَنَّ يَتَوَضَّأَ، فَنَزَعَ خُفَّيْهِ، وَمَسَحَ عَلَى قَدَمَيْهِ.

قُلْتُ: هَذَا قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الإِمَامِيَّةُ، وَبِظَاهِرِ الآيَةِ، لَكِنْ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ شَرْعٌ لاَزِمٌ، بَيَّنَهُ لَنَا الرَّسُوْلُ - اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ - وَقَالَ: (وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)، وَعَلَيْهِ عَمَلُ الأُمَّةِ، وَلاَ اعْتِبَارَ بِمَنْ شَذَّ.

قَالَ رَافِضِيٌّ: فَأَنْتُم تَرَوْنَ مَسْحَ مَوْضِعَ ثَلاَثِ شَعَرَاتٍ، بَلْ شَعْرَةٌ مِنَ الرَّأْسِ يُجْزِئُ، وَالنَّصُّ فَلاَ يَحْتَمِلُ هَذَا، وَلاَ يُسَمَّى مَنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ مَاسِحاً لِرَأْسِهِ عُرْفاً، وَلاَ رَأَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ وَلاَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ اجْتَزَأَ بِذَلِكَ، وَلاَ جَوَّزَهُ.

فَالجَوَابُ: أَنَّ البَاءَ لِلتَّبْعِيْضِ فِي قَوْلِهِ: (بِرُؤُوْسِكُمْ)، وَلَيْسَ المَوْضِعُ يَحْتَمِلُ تَقرِيْرَ هَذِهِ المَسْأَلَةِ.

قَالَ الوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ جَعْفَرٍ، عَنْ صَالِحِ بنِ كَيْسَانَ، عَنِ الحَسَنِ بنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، قَالَ:

لَمْ يُبَايِعْ أَبِي الحَجَّاجَ، لَمَّا قُتِل ابْنُ الزُّبَيْرِ، بَعَثَ الحَجَّاجُ إِلَيْهِ: أَنْ قَدْ قُتِلَ عَدُوُّ اللهِ، فَقَالَ: إِذَا بَايَعَ النَّاسُ، بَايَعْتُ.

قَالَ: وَاللهِ لأَقْتُلَنَّكَ.

قَالَ: إِنَّ للهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلاَثَ مائَةٍ وَسِتِّيْنَ نَظْرَةً، فِي كُلِّ لَحْظَةٍ ثَلاَثُ مائَةٍ وَسِتُّوْنَ قَضِيَّةً، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكْفِيْنَاكَ فِي قَضِيَّةٍ مِنْ قَضَايَاهُ.

وَكَتَبَ الحَجَّاجُ فِيْهِ إِلَى عَبْدِ المَلِكِ بِذَلِكَ، فَأَعَجْبَ عَبْدَ المَلِكِ

قَوْلُهُ، وَكَتَبَ بِمِثْلِهَا إِلَى طَاغِيَةِ الرُّوْمِ، وَذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الرُّوْمِ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ المَلِكِ يَتَهَدَّدُهُ بِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ لَهُ جُمُوْعاً كَثِيْرَةً.

وَكَتَبَ إِلَى الحَجَّاجِ: قَدْ عَرَفْنَا أَنَّ مُحَمَّداً لَيْسَ عِنْدَهُ خِلاَفٌ، فَارْفُقْ بِهِ، فَسَيُبَايِعُكَ.

فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ المَلِكِ، وَبَايَعَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ لِمُحَمَّدٍ: مَا بَقِيَ شَيْءٌ، فَبَايِعْ.

فَكَتَبَ بِالبَيْعَةِ إِلَى عَبْدِ المَلِكِ، وَهِيَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ الأُمَّةَ قَدِ اخْتَلَفَتْ، اعْتَزَلْتُهُم، فَلَمَّا أَفْضَى الأَمْرُ إِلَيْكَ، وَبَايَعَكَ النَّاسُ، كُنْتُ كَرَجُلٍ مِنْهُم، فَقَدْ بَايَعْتُكَ، وَبَايَعْتُ الحَجَّاجَ لَكَ، وَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ تُؤَمِّنَنَا، وَتُعْطِيَنَا مِيْثَاقاً عَلَى الوَفَاءِ، فَإِنَّ الغَدْرَ لاَ خَيْرَ فِيْهِ.

فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ المَلِكِ: إِنَّكَ عِنْدَنَا مَحْمُوْدٌ، أَنْتَ أَحَبُّ إِلَيْنَا، وَأَقْرَبُ بِنَا رَحِماً مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَلَكَ ذِمَّةُ اللهِ وَرَسُوْلِهِ أَنْ لاَ تُهَاجَ وَلاَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ بِشَيْءٍ.

قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ المُلاَئِيُّ: مَاتَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ سَنَةَ ثَمَانِيْنَ.

وَقَالَ الوَاقِدِيُّ: أَنْبَأَنَا زَيْدُ بنُ السَّائِبِ، قَالَ:

سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ ابْنَ الحَنَفِيَّةِ: أَيْنَ دُفِنَ أَبُوْكَ؟

قَالَ: بِالبَقِيْعِ، سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِيْنَ، فِي المُحَرَّمِ، وَلَهُ خَمْسٌ وَسِتُّوْنَ سَنَةً، فَجَاءَ أَبَانُ بنُ عُثْمَانَ وَالِي المَدِيْنَةِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَخِي: مَا تَرَى؟

فَقَالَ أَبَانٌ: أَنْتُمْ أَوْلَى بِجَنَازَتِكُمْ.

فَقُلْنَا: تَقَدَّمْ، فَصَلِّ، فَتَقَدَّمَ.

الوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ عُمَرَ بنِ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَقِيْلٍ، سَمِعْتُ ابْنَ الحَنَفِيَّةِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِيْنَ يَقُوْلُ:

لِي خَمْسٌ وَسِتُّوْنَ سَنَةً، جَاوَزْتُ سِنَّ أَبِي، فَمَاتَ تِلْكَ السَّنَةَ.

وَفِيْهَا أَرَّخَهُ: أَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو حَفْصٍ الفَلاَّسُ.

وَانْفَرَدَ المَدَائِنِيُّ، فَقَالَ: مَاتَ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَثَمَانِيْنَ.

ابْنَاه

ُ: عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ الهَاشِمِيُّ (ع)

الإِمَامُ، أَبُو هَاشِمٍ الهَاشِمِيُّ، العَلَوِيُّ، المَدَنِيُّ.

رَوَى عَنْ أَبِيْهِ حَدِيْثَ تَحْرِيْمِ المُتْعَةِ.

رَوَى عَنْه: الزُهْرِيِّ، وَعَمرِو بنِ دِيْنَارٍ، وَسَالِمِ بنِ أَبِي الجَعْدِ.

قَالَ مُصْعَبُ بنُ عَبْدِ اللهِ: كَانَ أَبُو هَاشِمٍ صَاحِبَ الشِّيْعَةِ، فَأَوْصَى إِلَى مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ كُتُبَهُ، وَمَاتَ عِنْدَهُ، وَانْقَرَضَ عَقِبُهُ، وَأَمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ.

قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ ثِقَةً، قَلِيْلَ الحَدِيْثِ، وَكَانَتِ الشِّيْعَةُ تَنْتَحِلُهُ.

وَلَمَّا احْتُضِرَ، أَوْصَى إِلَى مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ، وَقَالَ: أَنْتَ صَاحِبُ هَذَا الأَمْرِ، وَهُوَ فِي وَلَدِكَ.

وَصَرَفَ الشِّيْعَةَ إِلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ كُتُبَهُ.

مَاتَ: فِي خِلاَفَةِ سُلَيْمَانَ.

قَالَ البُخَارِيُّ، قَالَ عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا الزُهْرِيُّ، قَالَ:

كَانَ الحَسَنُ أَوْثَقَهُمَا، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَتْبَعِ السَّبَائِيَّةَ.

رَوَاهُ: الحُمَيْدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، وَلَفْظُهُ: كَانَ يَجْمَعُ أَحَادِيْثَ السَّبَائِيَّةِ.

وَقَالَ العِجْلِيُّ: هُمَا ثِقَتَانِ.

وَحَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ: أَنَّ أَحَدَهُمَا شِيْعِيٌّ وَالآخَرَ مُرْجِئٌ.

وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ بنِ أَسْمَاءَ: أَنَّ سُلَيْمَانَ بنَ عَبْدِ المَلِكِ دَسَّ مَنْ سَقَى أَبَا هَاشِمٍ سُمّاً، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَتِسْعِيْنَ.

قُلْتُ: مَاتَ كَهْلاً.

وَقِيْلَ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ أَوَّلُ مَنْ أَلَّفَ شَيْئاً فِي الإِرْجَاءِ.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤٠٥هـ / ١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بَقِيَّةُ الطَّبَقَةِ الأُوْلَى مِنْ كُبَرَاءِ التَّابِعِيْنَ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.