تجاوز إلى المحتوى

من «سير أعلام النبلاء» لشمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨هـ)

أبو تمام حبيب بن أوس بن الحارث الطائي

شَاعِرُ العَصْرِ، أَبُو تَمَّامٍ حَبِيْبُ بنُ أَوْسِ بنِ الحَارِثِ بنِ قَيْسٍ الطَّائِيُّ، مِنْ

حَوْرَانَ، مِنْ قَرْيَةِ جَاسِمٍ.

أَسْلَمَ، وَكَانَ نَصْرَانِيّاً.

مَدَحَ الخُلَفَاءَ وَالكُبَرَاءَ.

وَشِعْرُهُ فِي الذِّرْوَةِ.

وَكَانَ أَسْمَرَ، طُوَالاً، فَصِيْحاً، عَذْبَ العِبَارَةِ، مَعَ تَمْتَمَةٍ قَلِيْلَةٍ.

وُلِدَ: فِي أَيَّامِ الرَّشِيْدِ.

وَكَانَ أَوَّلاً حَدَثاً يَسقِي المَاءَ بِمِصْرَ، ثُمَّ جَالَسَ الأُدَبَاءَ، وَأَخَذَ عَنْهُمْ، وَكَانَ يَتَوَقَّدُ ذَكَاءً.

وَسَحَّتْ قَرِيحَتُهُ بِالنَّظْمِ البَدِيعِ، فَسَمِعَ بِهِ المُعْتَصِمُ، فَطَلَبَهُ، وَقَدَّمَهُ الشُّعَرَاءُ، وَلَهُ فِيْهِ قَصَائِدُ.

وَكَانَ يُوْصَفُ بِطِيبِ الأَخْلاَقِ وَالظُّرْفِ وَالسَّمَاحَةِ.

وَقِيْلَ: قَدِمَ فِي زِيِّ الأَعْرَابِ، فَجَلَسَ إِلَى حَلْقَةٍ مِنَ الشُّعَرَاءِ، وَطَلَبَ مِنْهُم أَنْ يَسْمَعُوا مِنْ نَظْمِهِ، فَشَاعَ، وَذَاعَ، وَخَضَعُوا لَهُ،

وَصَارَ مِنْ أَمْرِهِ مَا صَارَ.

فَمِنْ شِعرِهِ:

فَحَوَاكَ عَيْنٌ عَلَى نَجْوَاكَ يَا مَذِلُحَتَّامَ لاَ يَتَقَضَّى قَوْلُكَ الخَطِلُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «فحواك عين على نجواك يا مذل»

المَذِلُ: الخَدْرُ الفَاتِرُ.

فَإِنَّ أَسْمَحَ مَنْ يَشْكُو إِلَيْهِ هَوَىًمَنْ كَانَ أَحْسَنَ شَيْءٍ عِنْدَهُ العَذَلُ
مَا أَقْبَلَتْ أَوْجُهُ اللَّذَّاتِ سَافِرَةًمُذْ أَدْبَرَتْ بِاللِّوَى أَيَّامُنَا الأُوَلُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «فحواك عين على نجواك يا مذل»
إِنْ شِئْتَ أَنْ لاَ تَرَى صَبْراً لِمُصْطَبِرٍفَانْظُرْ عَلَى أَيِّ حَالٍ أَصْبَحَ الطَّلَلُ
كَأَنَّمَا جَادَ مَغْنَاهُ فَغَيَّرَهُدُمُوْعُنَا يَوْمَ بَانُوا، فَهِيَ تَنْهَمِلُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «فحواك عين على نجواك يا مذل»

وَمَرَّ فِيْهَا، إِلَى أَنْ قَالَ - وَهِيَ فِي المُعْتَصِمِ -:

تَغَايَرَ الشِّعْرُ فِيْهِ إِذْ سَهِرْتُ لَهُحَتَّى ظَنَنْتُ قَوَافِيهِ سَتَقْتَتِلُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «فحواك عين على نجواك يا مذل»

وَقَدْ كَانَ البُحْتُرِيُّ يَرْفَعُ مِنْ أَبِي تَمَّامٍ، وَيُقَدِّمُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَقُوْلُ: مَا أَكَلتُ الخُبْزَ إِلاَّ بِهِ، وَإِنِّي تَابِعٌ لَهُ.

وَمِنْ شِعْرِهِ:

غَدَتْ تَسْتَجِيرُ الدَّمْعَ خَوْفَ نَوَى الغَدِوَعَادَ قَتَاداً عِنْدَهَا كُلُّ مَرْقَدِ
وَأَنْقَذَهَا مِنْ غَمْرَةِ المَوْتِ أَنَّهُصُدُودُ فِرَاقٍ لاَ صُدُودُ تَعَمُّدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»
فَأَجرَى لَهَا الإِشْفَاقُ دَمْعاً مُوَرَّداًمِنَ الدَّمِ يَجْرِي فَوْقَ خَدٍّ مُوَرَّدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»
هِيَ البَدْرُ يُغْنِيهَا تَوَرُّدُ وَجْهِهَاإِلَى كُلِّ مَنْ لاَقَتْ وَإِنْ لَمْ تَوَدَّدِ
وَلَكِنَّنِي لَمْ أَحْوِ وَفراً مُجَمَّعاًفَفُزْتُ بِهِ إِلاَّ لِشَمْلٍ مُبَدَّدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»
وَطُوْلُ مُقَامِ المَرْءِ بِالحَيِّ مُخلِقٌلِدِيبَاجَتَيْهِ، فَاغَتَرِبْ تَتَجَدَّدِ
فَإِنِّي رَأَيْتُ الشَّمْسَ زِيْدَتْ مَحَبَّةًإِلَى النَّاسِ أَنْ لَيْسَتْ عَلَيْهِم بِسَرْمَدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»

وَهُوَ القَائِلُ:

وَلَوْ كَانَتِ الأَرْزَاقُ تُجْرَى عَلَى الحِجَىهَلَكْنَ إِذاً مِنْ جَهْلِهِنَّ البَهَائِمُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ألم يأن أن تروى الظماء الحوائم»
وَلَمْ يَجْتَمِعْ شَرْقٌ وَغَرْبٌ لِقَاصِدٍوَلاَ المَجْدُ فِي كَفِّ امْرِئٍ وَالدَّرَاهِمُ

وَلَهُ:

أَلَمْ تَرَنِي خَلَّيتُ نَفْسِي وَشَأْنَهَافَلَمْ أَحْفَلِ الدُّنْيَا وَلاَ حَدَثَانَهَا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ألم ترني خليت نفسي وشانها»
لَقَدْ خَوَّفَتْنِي الحَادِثَاتُ صُرُوفَهَاوَلَوْ أَمَّنَتْنِي، مَا قَبِلْتُ أَمَانَهَا
يَقُوْلُوْنَ: هَلْ يَبْكِي الفَتَى لِخَرِيْدَةٍ*؟مَتَى مَا أَرَادَ اعْتَاضَ عَشْراً مَكَانَهَا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ألم ترني خليت نفسي وشانها»
وَهَلْ يَسْتَعِيضُ المَرْءُ مِنْ خَمْسِ كَفِّهِوَلَوْ صَاغَ مِنْ حُرِّ اللُّجَينِ بَنَانَهَا؟
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ألم ترني خليت نفسي وشانها»

وَدِيْوَانُ أَبِي تَمَّامٍ كَبِيْرٌ سَائِرٌ، وَلَمَّا مَاتَ، رَثَاهُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ الوَزِيْرُ، فَقَالَ:

نَبَأٌ أَلَمَّ مُقَلْقِلُ الأَحْشَاءِلَمَّا أَتَى مِنْ أَعْظَمِ الأَنْبَاءِ
قَالُوا: حَبِيْبٌ قَدْ ثَوَى، فَأَجَبْتُهُمْ:نَاشَدْتُكُمْ لاَ تَجْعَلُوهُ الطَّائِي
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة

وَلِلْحَسَنِ بنِ وَهْبٍ الوَزِيْرِ:

فُجِعَ القَرِيضُ بِخَاتَمِ الشُّعَرَاءِوَغَدِيرِ رَوْضَتِهَا حَبِيْبِ الطَّائِي
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «فجع القريض بخاتم الشعراء»
مَاتَا مَعاً، فَتَجَاوَرَا فِي حُفرَةٍوَكَذَاكَ كَانَا قَبْلُ فِي الأَحْيَاءِ
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «فجع القريض بخاتم الشعراء»

وَكَانَ ابْنُ وَهْبٍ قَدِ اعتَنَى بِأَبِي تَمَّامٍ، وَوَلاَّهُ بَرِيدَ المَوْصِلِ، فَأَقَامَ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ.

وَمَاتَ: فِي جُمَادَى الأُوْلَى، سَنَةَ إِحْدَى وَثَلاَثِيْنَ وَمائَتَيْنِ.

وَقَالَ مَخْلَدٌ المَوْصِلِيُّ: مَاتَ فِي المُحَرَّمِ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ وَمائَتَيْنِ.

وَأَمَّا نِفْطَوَيْه، وَغَيْرُهُ: فَوَرَّخُوا مَوْتَهُ بِسَامَرَّاءَ، فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَمائَتَيْنِ.

وَيُقَالُ: عَاشَ نَيِّفاً وَأَرْبَعِيْنَ سَنَةً - عَفَا اللهُ عَنْهُ وَرَحِمَهُ -.

قَالَ الصُّوْلِيُّ: كَانَ وَاحِدَ عَصْرِهِ فِي دِيْبَاجَةِ لَفْظِهِ، وَفَصَاحَةِ شِعْرِهِ،

وَحُسْنِ أُسْلُوْبهِ.

أَلَّفَ (الحَمَاسَةَ)، فَدَلَّتْ عَلَى غَزَارَةِ مَعْرِفَتِهِ بِحُسْنِ اخْتِيَارهِ، وَلَهُ كِتَابُ (فُحُوْلِ الشُّعَرَاءِ).

وَقِيْلَ: كَانَ يَحْفَظُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ أُرْجُوْزَةٍ لِلْعَرَبِ.

وَقِيْلَ: أَجَازَهُ أَبُو دُلَفٍ بِخَمْسِيْنَ أَلفَ دِرْهَمٍ، وَاعْتَذَرَ.

وَلهُ فِي المُعْتَصِمِ - أَوِ ابْنِهِ -:

إِقْدَامُ عَمْرٍو فِي سَمَاحَةِ حَاتِمٍفِي حُلْمِ أَحْنَفَ، فِي ذَكَاءِ إِيَاسِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما في وقوفك ساعة من باس»

فَقَالَ الوَزِيْرُ: شَبَّهتَ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ بِأَجْلاَفِ العَرَبِ.

فَأَطْرَقَ، ثُمَّ زَادَهَا:

لاَ تُنْكِرُوا ضَرْبِي لَهُ مَنْ دُوْنَهُمَثَلاً شَرُوداً فِي النَّدَى وَالْبَاسِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما في وقوفك ساعة من باس»
فَاللهُ قَدْ ضَرَبَ الأَقَلَّ لِنُوْرِهِمَثَلاً مِنَ المِشْكَاةِ وَالنِّبْرَاسِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما في وقوفك ساعة من باس»

فَقَالَ الوَزِيْرُ: أَعْطِهِ مَا شَاءَ، فَإِنَّهُ لاَ يَعِيْشُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِيْنَ يَوْماً؛ لأَنَّهُ قَدْ

ظَهَرَ فِي عَيْنَيْهِ الدَّمُ مِنْ شِدَّةِ فِكْرِهِ، وَصَاحِبُ هَذَا لاَ يَعِيشُ إِلاَّ هَذَا القَدْرَ.

فَقَالَ لَهُ الخَلِيْفَةُ: مَا تَشتَهِي؟

قَالَ: المَوْصِلُ.

فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهَا، وَمَاتَ بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ.

هَذِهِ حِكَايَةٌ غَيْرُ صَحِيْحَةٍ.

وَأَمَّا البَيْتَ، فلَنْ يَحْتَاجَ إِلَى اعْتِذَارٍ أَصْلاً، وَلاَ وَلِيَ المَوْصِلَ.

بَلَى، وَلِيَ بَرِيدَهَا، كَمَا مَرَّ.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤٠٥هـ / ١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.