تجاوز إلى المحتوى

من «سير أعلام النبلاء» لشمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨هـ)

كافور أبو المسك الإخشيذي الأسود

صَاحِبُ مِصْرَ، الخَادِمُ، الأُسْتَاذُ، أَبُو المِسْكِ كَافُوْرٌ الإِخْشِيْذِيُّ، الأَسْوَدُ.

تَقَدَّمَ عِنْدَ مَوْلاَهُ الإِخْشِيْذُ، وَسَادَ لرأْيِهِ وَحَزْمِهِ وَشَجَاعتِهِ، فَصَيَّرَهُ مِنْ كِبَارِ قوَّادِهِ، ثُمَّ حَارَبَ سَيْفَ الدَّوْلَةِ، ثُمَّ صَارَ أَتَابِكَ أَنُوجُورَ ابنَ أُسْتَاذِهِ، وَتَمَكَّنَ.

قَالَ وَكيلُهُ: خدمْتُ كَافُوْراً، وَرَاتِبُهُ فِي اليَوْمِ ثلاَثَ عَشْرَةَ جرَايَةً، وَقَدْ بَلَغَتْ عَلَى يَدِي ثَلاَثَةَ عَشَرَ أَلفَ جرَايَة.

مَاتَ المَلِكُ أَنوجُورُ شَابّاً فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعينَ وَثَلاَثِ مائَةٍ، فَأَقَامَ كَافُوْرٌ أَخَاهُ عَلِيّاً فِي السَّلْطَنَةِ، فَبَقِيَ سِتَّ سِنِيْنَ، وَأَزمَّةُ الأُمورِ إِلَى كَافُوْرٍ، وَبَعْدَهُ تَسَلْطَنَ وَرَكِبَ الأَسْوَدُ بِالخِلْعَةِ السَّوْدَاءِ الخلِيفتيَّةِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ الكِبَارُ بِنَصْبِ ابنٍ لعلِيٍّ صورَةً فِي اسْمِ الملكِ، فَاعتلَّ بِصِغَرِهِ، وَمَا التَفَتَ عَلَى أَحَدٍ، وَأَظهرَ أَنَّ التَّقليدَ وَالأُهْبَةَ جَاءتْهُ مِنَ المُطِيعِ، وَذَلِكَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِيْنَ، وَلَمْ يَنْتَطِحْ فِيْهَا عَنْزَانِ.

وَكَانَ مَهِيْباً، سَائِساً، حليماً، جَوَاداً، وَقُوْراً، لاَ يُشبِهُ عقلُهُ عقولَ الخدَّامِ، وَفِيْهِ يَقُوْلُ المُتَنَبِّي:

قَوَاصِدُ كَافُوْرٍ تَوَارِكُ غَيْرِهِوَمَنْ قَصَدَ البَحْرَ اسْتَقَلَّ السَّواقِيَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»
فَجَاءتْ بِنَا إِنسَانَ عَيْنِ زَمَانِهِوَخَلَّتْ بَيَاضاً خَلْفَهَا وَمَآقِيَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

فَأَقَامَ عِنْدَهُ أَرْبَعَ سِنِيْنَ، وَنَالَهُ مَالٌ جزيلٌ، ثُمَّ هجَاهُ لآمَةً وَكُفْراً لِنِعْمَتِهِ، وَهَرَبَ عَلَى البَريَّةِ، يَقُوْلُ:

مَنْ عَلَّمَ الأَسْوَدَ المَخْصِيَّ مَكْرُمَةًأَقْوَامُهُ البِيْضُ أَمْ آبَاؤُهُ الصِّيْدُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَذَاكَ أَنَّ الفُحولَ البِيْضَ عَاجِزَةٌعَنِ الجَمِيلِ فَكَيْفَ الخِصْيَةُ السُّودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

وَدعِيَ لكَافُوْرٍ عَلَى منَابرِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالحَرَمَيْنِ وَالثُّغُوْرِ.

وَقِيْلَ: كَانَ شَدِيدَ اليَدِ، وَلاَ يكَادُ أَحدٌ يمدُّ قوسَهُ فيُعْطِي الفَارِسَ قوسَهُ، فَإِنْ عجَزَ ضحكَ وَاسْتخدَمَهُ، وَإِنْ مدَّهُ قطَّبَ.

وَكَانَ مُلاَزِماً لمصَالِحِ الرَّعيَّةِ.

وَكَانَ يَتَعَبَّدُ وَيَتَهَجَّدُ، وَيمرِّغُ وَجْهَهُ، وَيَقُوْلُ: اللَّهُمَّ لاَ تُسلِّطْ عليَّ مَخْلُوْقاً.

وَكَانَ يُقرأُ عِنْدَهُ السَّيرُ وَالدُّولُ.

وَلَهُ نُدمَاءُ وَجَوَارٍ مغنِّيَاتٍ، وَمِنَ المَمَالِيْكِ أُلوفٌ مُؤلَّفَةٌ، وَكَانَ فَطِناً، يَقِظاً، ذَكِيّاً، يُهَادِي المعزَّ إِلَى الغَرْبِ، وَيُدَارِي وَيخضعُ للمُطِيعِ، وَيخدعُ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ.

وَلَهُ نَظرٌ فِي الفِقْهِ وَالنَّحْوِ.

تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ، وَمَاتَ فِي عشرِ السَّبْعِيْنَ.

وَقِيْلَ: مُشترَاهُ عَلَى الإِخْشِيْذِ ثمَانيَةَ عشرَ دِيْنَاراً.

وَقَدْ سُقتُ مِنْ أَخبارِهِ فِي (التَّارِيْخِ) نُكتاً.

وَللمتنبِّي يهجُوهُ وَيَهْجُو ابنَ حِنْزَابَةَ الوَزِيْرَ:

وَمَاذَا بِمِصْرَ مِنَ المُضْحِكَاتِوَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالبُكَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
بِهَا نَبَطِيٌّ مِنَ اهْلِ السَّوَادِيُدرِّسُ أَنسَابَ أَهْلِ الفَلاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
وَأَسْوَدُ مِشفَرُهُ نصفُهُيُقَالُ لَهُ أَنْتَ بَدْرُ الدُّجَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
وَشَعْرٍ مَدَحْتُ بِهِ الكرْكَدَنَّبَيْنَ القَرِيْضِ وَبَيْنَ الرُّقَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
فَمَا كَانَ ذَلِكَ مَدْحاً لَهُوَلَكِنَّهُ كَانَ هَجْوَ الوَرَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

وَقَدْ كَانَ فِي كَافورٍ حلمٌ زَائِدٌ، وَكفٌّ عَنِ الدِّمَاءِ، وَجودَةِ تَدْبِيرٍ.

وَفِي آخِرِ أَيَّامِهِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ كَانَ القَحْطُ، فَنَقَصَ النِّيلُ، فَوَقَفَ عَلَى أَقلَّ مِنْ ثَلاَثَةَ عَشَرَ ذرَاعاً بِأَصَابعٍ، وَذَلِكَ نقصٌ مُفْرِطٌ، وَبِيعَ الخبزُ كُلُّ رِطْلَيْنِ بِدِرْهَمٍ.

وَقِيْلَ: كَانَ فِي كَافُوْرٍ ظلمٌ وَمصَادرَةٌ، فصَبَرَ زَمَنَ القَحْطِ، كَفَّنَ خَلاَئِقَ مِنَ الموتَى، كَانَ يُصْبِحُ فِي السِّقَايَةِ نَحْوَ خَمْسِ مائَةِ مَيتٍ.

وَلِكَافورٍ أَخبارٌ فِي الدُّوَلِ المُنْقَطِعَةِ وَغيرِ مَوْضِعٍ.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤٠٥هـ / ١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الطَّبَقَةُ العِشْرُوْنَ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.