من «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» لشمس الدين السخاوي (ت ٩٠٢هـ)
من اسْمه يحيى (٣)
الصفحة ٢ من ٢
إِلَى أَن رَأَيْته بِمَكَّة فِي سنة أَربع وَتِسْعين بهيئة مزرية جدا وَقد انهرم وَانْقطع جلّ وسواسه، وَكَانَ قدومه بِسَبَب مُطَالبَة بِإِرْث قَلِيل وَالْتمس مني التَّكَلُّم مَعَ قاضيها فِي الْإِحْسَان إِلَيْهِ فَفعلت وَأكْثر من الْحُضُور عِنْدِي رِوَايَة ودراية بل قَرَأَ هُوَ بِنَفسِهِ عَليّ من شرح الألفية للناظم وَكتب من شرحي لَهَا يَسِيرا وَكثر تعجبه مِمَّا لم ينْهض لفهمه وَرُبمَا تكلم بِمَا لَا يلاقي مَا الْكَلَام فِيهِ هَذَا مَعَ أَنه نظم النخبة لشَيْخِنَا قَدِيما وقرضه لَهُ جمَاعَة مِنْهُم ابْن الديري وَأذن لَهُ بل كتبه عَنهُ صاحبنا النَّجْم بن فَهد وَصَارَ فِي أثْنَاء اجتماعه عَليّ يقْرَأ عَليّ مِنْهُ وَيسْأل فِي تَقْرِير مَا وَضعه عَن غير تدبر وَلَا تفهم مِنْهُ فَكنت أقرره لَهُ وَكتب مِنْهُ بِخَطِّهِ نُسْخَة للْقَاضِي وَعرضه على عبد الْمُعْطِي وَغَيره فَمَا لَاق عِنْد كثيرين، وأعلمني بِأَنَّهُ جمع بشرى الْأَنَام سيرة خير الْكِرَام وبغية السول فِي مدح الرَّسُول وَالْكَوَاكِب الضوية فِي مدح خير الْبَريَّة وَالْمَجْمُوع الْحسن من الْخلق الْحسن وَفتح الْمُنعم على مُسلم والابتهاج على الْمِنْهَاج وَلم يكملا والمنتقى من أبي دَاوُد وَمن أمد والمتباينات الَّتِي قَالَ أَنه أمْلى بَعْضهَا وعشاريات الصَّحَابَة وأصول قِرَاءَة أبي عَمْرو وَغير ذَلِك، وَقد حدث باليسير سمع مِنْهُ الطّلبَة بل قَالَ لي أَن سبط شَيخنَا سمع مِنْهُ شَيْئا أوردهُ فِي متبايناته، وَأما أَنا فَكتبت عَنهُ فِي ربيع الأول سنة أَربع وَتِسْعين حِين اجتماعه عَليّ بِمَكَّة قَوْله:
يَا مُرِيد الْخَيْر أخْلص عَمَلكوتخلص من دنيء شغلك
وانو خيرا لامرئ مَا قد نوىإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ لَك
وَافْعل الْخَيْر فَإِن لم تستطعكفت النِّيَّة وَالْأَجْر فلك
)
وَقَوله:
إِن كنت تبغي فِي الْعلَا للجنانعَلَيْك يَا صَاح بِحِفْظ اللِّسَان
فَهَل وُجُوه النَّاس كبت سوىحصائد الألسن من ذِي لِسَان
وَبِالْجُمْلَةِ فنظمه رَكِيك وفهمه بطيء وَلم يتَمَيَّز وَلَا كَاد بل هُوَ جامد راكد.
يحيى بن مُحَمَّد بن صديق بن يحيى المرزوقي الْيَمَانِيّ الزبيدِيّ الشَّافِعِي مِمَّن جاور بالحرمين واشتغل فيهمَا بالفقه والنحو، ولقيني بِمَكَّة فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين فَكتب الْمَقَاصِد الْحَسَنَة من تأليفي وقرأه، وَكَذَا قَرَأَ عَليّ التِّبْيَان للنووي وَسمع الْكثير من الْكتب السِّتَّة وتصافنيفي فِي ختومها وَنَحْو الثُّلُث الأول من الشفا مَعَ خَتمه ومؤلفي فِيهِ وَبَعض الشَّمَائِل والرياض، وَغير ذَلِك مَعَ سَمَاعه للمسلسل من لَفْظِي، وكتبت لَهُ إجَازَة فِي كراسة وَصفته فِيهَا بالشيخ الْفَاضِل الأوحد الْكَامِل الْمقبل على الْخَيْر علما وَعَملا والمشتمل على المحاسن
اللائقة بالنبلاء أعَاد الله عَليّ من بركاته وَزَاد فِي معلوماته وحسناته وتفعه ونفع بِهِ وَوصل أَسبَاب الْخيرَات بِسَبَبِهِ وَيسر لَهُ الطَّرِيق والرفيق وَنشر عَلَيْهِ سحائب جوده وَكَرمه ليرتوي مِنْهَا فِي الْإِرْشَاد وَالتَّحْقِيق مِمَّن قطن بالحرمين الشريفين وفطن من الْعُلُوم لما تقر بِهِ الْعين من فقه وعربية وَغَيرهمَا مِمَّا تنبه بِهِ للفضائل الزكية مَعَ مصاحبته للأدب ومجانبته لكل من يبعده عَن كل مَا إِلَيْهِ انتدب وتقنعه باليسير وترفعه عَمَّا يشين ويضير فَكَانَ بذلك مُنْفَردا عَن جلّ أقرانه متوحدا بالتوجه لعرفانه وَكنت مِمَّن لازمني وبالاستفادة ساومني، إِلَى آخر مَا كتبت وسافر من مَكَّة فِي الْعشْر الْأَخير من ذِي الْحجَّة مِنْهَا.
يحيى بن مُحَمَّد بن عبد الله بن سعيد الكلبشاوي الْمَاضِي أَبوهُ. مِمَّن سمع مني.
يحيى بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن إِبْرَهِيمُ الشّرف ابْن شَيخنَا الشَّمْس بن الْجمال الرَّشِيدِيّ الأَصْل القاهري الشَّافِعِي الْخَطِيب الْمَاضِي أَبوهُ وجده. ولد بعد التَّرَاوِيح فِي لَيْلَة سَابِع عشرى رَمَضَان سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة بجوار جَامع أَمِير حُسَيْن وَنَشَأ فِي كنف أَبِيه فَقَرَأَ الْقُرْآن وَسمع على أَبِيه وَغَيره وخطب بعده بالجامع الْمَذْكُور وَأثْنى النَّاس على خطابته وقراءته فِي الْمِحْرَاب مَعَ شكالته وبهائه فخطبه الأتابك أزبك للخطابة بجامعه بل وَاسْتقر بِهِ إِمَامه وسافر معهه فِي بعض التجاريد واستناب فِي بَعْضهَا مرّة من خَلفه وَلم ينْتَقل عَن تواضعه وأدبه مَعَ كسله وفتوره عَن الِاشْتِغَال وَرُبمَا شهد بالحانوت الَّذِي عِنْد القنطرة)
وَطَلَبه الزيني بن مزهر فَخَطب بمدرسته عِنْد صَلَاة بعض القصاد بهَا لكَونه أَخطب من خطيبها.
يحيى بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الأصبحي المغربي الْمَالِكِي. ولد سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة تَقْرِيبًا فِيمَا كتبه بِخَطِّهِ وَذكر أَنه سمع من صَحِيح مُسلم على أبي عبد الله بن مَرْزُوق وَمن الْمُوَطَّأ على أبي الْقسم الغبريني وَحمل كتاب ابْن الصّلاح عَن أبي الْحسن البطرني وَأَجَازَ لَهُ الوادياشي وَأَبُو الْعَبَّاس بن يَرْبُوع واشتغل فِي عدَّة فنون وَكَانَ ماهرا فِي الْعَرَبيَّة وَالشعر. ذكره شَيخنَا فِي مُعْجَمه وَقَالَ: قدم حَاجا فِي سنة تسع وَثَمَانمِائَة وَكتب لنا بِالْإِجَازَةِ ولزين خاتون ابْنَتي وَغَيرهَا بإفادة ابْن درباس، وَمَات رَاجعا من الْحَج فِي ذِي الْحجَّة مِنْهَا وَتَبعهُ المقريزي فِي عقوده قَالَ وَله معرفَة بفنون فمهر فِي الْعَرَبيَّة وَالشعر. وَذكره شَيخنَا فِي إنبائه فَقَالَ: يحيى بن مُحَمَّد بن يحيى الْجمال الأصبحي التلمساني المغربي الْمَالِكِي نزيل الْمَدِينَة سمع من أبي الْحسن البطرني وَأبي عبد الله بن مَرْزُوق وَأبي الْقسم الغبريني وَأَجَازَ لَهُ الوادياشي وَابْن يَرْبُوع وَغَيرهمَا وشارك فِي الْفِقْه
وَمهر فِي الْعَرَبيَّة. مَاتَ بعد أَن أضرّ وَهُوَ رَاجع من الْحَج فِي الْمحرم سنة تسع وَله خمس وَسِتُّونَ سنة، وَأَشَارَ إِلَيْهِ شَيخنَا فِي الَّتِي قبلهَا.
يحيى بن مُحَمَّد بن عبد الرَّزَّاق بن عبد الله الشّرف بن الْعلم أبي الْخَيْر بن الشَّمْس أخي الْعلم يحيى أبي كم الْمَاضِي قَرِيبا وَيعرف بِابْن أبي كم. ولد تَقْرِيبًا سنة أَرْبَعِينَ وَثَمَانمِائَة وتدرب بوالده وَغَيره فِي الْمُبَاشرَة وصاهر ابْن كَاتب السَّيِّئَات على أُخْته وباشر ديوَان جمع من الْأُمَرَاء كيشبك من حيدر أحد المقدمين مُضَافا لتكلمه فِي تجهيز مَا يحمل للمحرمين وجهاته عَن البدري أبي الْبَقَاء بن الجيعان لمزيد ميله إِلَيْهِ، وَحج مرَّتَيْنِ الثَّانِيَة صحبته إِذْ توجه للنَّظَر فِي عمَارَة الْمَدِينَة وَالْأولَى بمفرده فِي سنة ثَلَاث وَسبعين فِي الْبَحْر حَيْثُ كَانَ يشبك جن أَمِير الْمحمل، وَهُوَ خير متودد فِيهِ بر ورغبة فِي الْفُقَرَاء وَالصَّالِحِينَ قَائِم بِأَمْر جَامع ابْن ميالة بَين السورين لمجاورته لَهُ جدده وَأصْلح فِيهِ أَشْيَاء وَنعم الرجل. مَاتَ فِي أَوَاخِر سنة سِتّ وَتِسْعين أَو الَّتِي بعْدهَا وَوضع نَاظر الْخَاص يَده على زريبة بقر لَهُ وَغَيرهَا وَلم يلبث أَن خلص صهره أَخُو زَوجته ابْن كَاتب السَّيِّئَات وَلم يتَمَكَّن من أَخذ شَيْء ﵀.
يحيى بن مُحَمَّد بن عبد الْقوي المحيوي أَبُو زَكَرِيَّا بن القطب أبي الْخَيْر الْمَكِّيّ الْمَالِكِي وَالِد معمر وَفضل وجعفر ودريس وَهُوَ أكبرهم الماضيين وَأَبوهُ. ولد فِي ربيع الآخر)
سنة ثَلَاث عشرَة وَثَمَانمِائَة بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا على عفة وَسمع على ابْن الْجَزرِي وَغَيره وَأَجَازَ لَهُ جمع كَثِيرُونَ باستدعاء ابْن فَهد وَغَيره، وتكسب بِالشَّهَادَةِ وَحمد فِيهَا ونظم قَلِيلا وَكتب عَنهُ صَاحبه النَّجْم بن فَهد، ولقيته بِمَكَّة فَكتبت عَنهُ من نظمه عدَّة مقاطيع مِنْهَا:
أَلا لَيْت شعري هَل أقبل مبسمابِهِ اللُّؤْلُؤ الرطب الْأَصَم نظيم
وَهل أردن مِنْهُ زلالا ليشتفيفؤاد تلظى بالغرام سقيم
وَمَات بِمَكَّة فِي ربيع الأول سنة تسع وَخمسين وَدفن عِنْد أَبِيه وجده بالمعلاة ﵏ وإيانا.
يحيى بن الْأَمِير مُحَمَّد الملقب بالمسعود ابْن صَاحب الْمغرب أبي عمر وَعُثْمَان بن الْأَمِير أبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي فَارس ولي الْمغرب بعد جده فِي شَوَّال سنة ثَلَاث وَتِسْعين.
يحيى بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أَحْمد بن عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان الشّرف بن الْمُحب البلبيسي الأَصْل القاهري الْأَزْهَرِي إِمَامه وَابْن أئمته والماضي أَبوهُ وجده وجد أَبِيه.
حفظ الْقُرْآن وجوده وَأم نِيَابَة عَن أَبِيه ثمَّ اسْتِقْلَالا ونوزع من جمَاعَة من المجاورين لكَونه قاصرا فبادر القَاضِي زَكَرِيَّا وَحكم بِصِحَّة الصَّلَاة خَلفه
وَمنع من يتَعَرَّض لَهُ مُرَاعَاة لسلفه.
يحيى بن الخواجا الْجمال مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الْعَزِيز الدقوقي الْمَكِّيّ. مَاتَ بهَا فِي الْمحرم سنة ثَلَاث وَتِسْعين.
يحيى بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي الرَّجَاء الشّرف بن الشَّمْس الدمسيسي الأَصْل القاهري الصحراوي الشَّافِعِي سبط الشَّمْس الغراقي أمه شَقِيقَة أبي البركات وأخوته والماضي أَبوهُ وَيعرف بالدمسيسي ودمسيس من الشرقية تجاه سنباط. ولد فِي إِحْدَى الجماديين سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة بتربة يلبغا من الصَّحرَاء وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن والمنهاج الفرعي والأصلي والشاطبيتين وألفية النَّحْو وَعرض على الْعلم البُلْقِينِيّ والزين البوتيجي وَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي الْفِقْه وَسمع عَلَيْهِ فِي الْفَرَائِض وَغَيرهَا بل أَخذ الْفَرَائِض والحساب عَن الْجمال الدمياطي وخاله أبي البركات ولازمه فِي الْفِقْه والعربية وَكَذَا تردد فِي الْفِقْه للمناوي والعبادي ولازم الْجَوْجَرِيّ فِي التقاسيم وَالْفَخْر المقسي فِي تقاسيم الْكتب الْأَرْبَعَة المتداولة بل قَرَأَ على أَولهمَا شرح شَيْخه الْمحلي على الْمِنْهَاج وَجل شَرحه لجمع الْجَوَامِع وعَلى ثَانِيهمَا إِلَى الْقيَاس من العبري شرح الْبَيْضَاوِيّ وَسمع عَلَيْهِمَا غير ذَلِك وَأكْثر من أَخذ الْفِقْه عَن الْبكْرِيّ وَكَذَا أَخذ فِيهِ وَفِي غَيره عَن أبي السعادات البُلْقِينِيّ وَقَرَأَ فِي الْعَرَبيَّة أَيْضا على السَّيِّد شيخ)
الجوهرية ونظام الحنفيين بل قَرَأَ على ثَانِيهمَا فِي الطوالع وَكَذَا أَخذ عَن كريم الدّين العقبي واختص بالكافياجي حَتَّى قَرَأَ عَلَيْهِ شرح الْقَوَاعِد وَكَثِيرًا من تصانيفه ولازمه فِي فنون وتدرب فِي الْكِتَابَة بِسُلَيْمَان بن دَاوُد الْهِنْدِيّ وَكتب بِخَطِّهِ أَشْيَاء وَقَالَ لي أَنه حضر مجَالِس شَيخنَا وَأذن لَهُ غير وَاحِد فِي التدريس والإفتاء وناب فِي الْقَضَاء عَن أبي السعادات فَمن بعده بعد تكسبه بِالشَّهَادَةِ وقتا واختص بالأسيوطي كثيرا وأضيف إِلَيْهِ فِي أَيَّامه قَضَاء الجيزة وجامعها برغبة الْجلَال الْبكْرِيّ لَهُ عَن ذَلِك فِي ربيع الأول سنة سِتّ وَسبعين فَقَرَأت بِخَطِّهِ للأسيوطي أَنه رغب عَنهُ للشَّيْخ الإِمَام الْعَالم شرف الدّين مفتي الْمُسلمين خَليفَة الحكم الْعَزِيز بالديار المصرية لما علم من ديانته وعفته وكفايته، وَكَذَا راسل الكافياجي الأسيوطي فِي ذَلِك وَحج فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وجاور الَّتِي بعْدهَا وَحضر عِنْدِي هُنَاكَ قَلِيلا وأقرأ هُنَاكَ فِي شرح الْمحلي وَغَيره وَكَذَا أَقرَأ هُنَا مَعَ مداومته على الِاشْتِغَال حَتَّى أَنه قَرَأَ على الْكَمَال بن أبي شرِيف فِي الْبَيْضَاوِيّ ثمَّ على أَخِيه الْبُرْهَان وَعلي فِي التَّقْرِيب للنووي وَفِي شرحي لَهُ وحصله واغتبط بذلك جدا وأمعن فِي التَّرَدُّد إِلَيّ والابتهاج بِي ثمَّ لَا زَالَ ينْقل عَن الكافياجي ثناءه لي وإجلاله
النص من طبعة منشورات دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع