تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثلاث وعشرين

فيها توفي أبو حفص أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب القرشي العدوي شهيدا، طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة في ليال بقين من ذي الحجة بعد مرجعه من الحج، وكان آدم شديد الأدمة طوالا صلبا في دين الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، ومناقبه أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر، وفي الأحاديث الصحاح من موافقة التنزيل له، وتزكية النبيّ ﷺ له في وجهه، وعزّ الإسلام بإسلامه، واتسعت دائرة الإسلام في خلافته، وبركاته، ومناقبه، وكراماته عديدة، ولما طعنه أبو لؤلؤة في صلاة الصبح جعل الأمر شورى بين من بقي من العشرة، وأخرج نفسه وبنيه من ذلك، فأفضى الأمر بعد التشاور إلى عثمان، وقد ثبت في «الصحيحين» عن النبيّ ﷺ أنه قال: «قد كان في الأمم قبلكم محدّثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر».

وفي الترمذي وغيره عن النبيّ ﷺ أنه قال: «لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر». وفي الترمذي أيضا: «لو كان بعدي نبيّ لكان عمر». وفي حديث آخر: «إن الله ضرب الحقّ على لسان عمر وقلبه». وكان عليّ بن أبي طالب ﵁ يقول: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. ثبت هذا عنه من رواية الشعبي.

وقال ابن عمر: وما كان عمر يقول لشيء إني لأراه كذا إلا كان كما يقول.

وعن قيس بن طلق: كنّا نتحدّث أن عمر ينطق على لسان ملك، وكان عمر يقول: اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون، فإنه تنجلي لهم أمور صادقة.

وهذه الأمور التي أخبر أنها تنجلي للمطيعين هي الأمور التي يكشفها الله لهم.

فقد ثبت أن لأولياء الله مخاطبات، ومكاشفات ولا شك أن أفضل هؤلاء في هذه الأمة بعد أبي بكر عمر ﵁، واستشهد وله ثلاث وستون سنة، وقيل: خمس وستون، ومدة خلافته عشر سنين، وسبعة أشهر، وخمس ليال، وقيل: غير ذلك، ودفن مع صاحبيه بإذن عائشة ﵂.

وفي آخر خلافته توفيت أمّ المؤمنين سودة بنت زمعة القرشيّة العامريّة، تزوجها ﷺ بعد موت خديجة، وقبل الهجرة بنحو ثلاث سنين، وكانت قبله تحت السّكران ابن عمها أخي سهيل بن عمرو، وكانت طويلة جسيمة، ووهبت نوبتها من القسم لعائشة رجاء أن تموت في عصمة النبيّ ﷺ، فتم لها ذلك.

والصحيح أنها توفيت سنة خمس وخمسين في خلافة معاوية، والله أعلم.

وفيها مات قتادة بن النعمان الأنصاري الأوسي، الذي رد النبيّ ﷺ عينه يوم أحد حين سقطت، وكانت أحسن عينيه.

وسببه أن رماة المشركين كانوا يقصدونه ﷺ بالرمي، وكان أصحابه يقف الواحد منهم بعد الواحد في وجهه ﷺ يتلقى عنه الرمي يفدّيه بنفسه، حتى قتل عشرة، وكان قتادة الحادي عشر، فلما استتم أمر الوقعة وقد سالت عينه، قال له: إن لي زوجة وأنا ضنين بها، محبّ لها، وإنها تقذرني إذا رأتني على هذه الحال، وأنا ما فعلت ما فعلت إلا لأنال الشهادة، أو كلاما هذا معناه، فردها ﷺ، فكانت أضوأ عينيه وأحسنهما، وفي ذلك يقول ابنه: وقد وفد على بعض خلفاء الأمويين فقال له: من أنت؟ فقال:

أنا ابن الذي سالت على الخدّ عينهفردّت بكفّ المصطفى أحسن الرّدّ

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.