من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثماني عشرة
فيها طاعون عمواس بناحية الأردنّ، سمّي بها لأنه منها ابتدأ، لم يسمع بطاعون مثله في الإسلام.
واستشهد بها أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة، وأمير الأمراء بالشام، وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
واستشهد فيه الفضل، وكان من أشجع الناس قلبا، وأحسنهم
وجها، وأسخاهم يدا، وله في الجود مآثر يضيق عنها هذا المختصر.
وفيه أيضا استشهد سلطان العلماء، وأعلم الأمة بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ورد أن العلماء تأتي تحت رايته يوم القيامة، وقال له النبيّ ﷺ: «إني أحبّك يا معاذ»، وكان من فضلاء الصّحابة وفقهائهم، وهو الذي بنى مسجد الجند باليمن، وقيل: بني بعده، ومات عن ست، أو ثمان وثلاثين سنة.
وكان النبيّ ﷺ قسم اليمن على خمسة رجال، خالد ابن سعيد بن العاص على صنعاء، والمهاجر بن أميّة على كندة، وزياد بن
لبيد على حضرموت، ومعاذ بن جبل على الجند، وأبو موسى على زبيد وعدن والساحل وغيرها.
وفيها، وقيل: في التي بعدها، مات يزيد بن أبي سفيان بن حرب أفضل إخوته، أسلم عام الفتح، وشهد حنينا، وأعطاه النبيّ ﷺ مائة ناقة وأربعين أوقية فضة، واستعمله أبو بكر على الشام، وعمر بعده، ثم استخلف بعده عمر أخاه معاوية، وأقره عثمان إلى أن استقرت له الخلافة ومات خليفة حقا ﵁.
وأبو جندل بن سهيل بن عمرو العامري، وقصّته في صلح الحديبية مشهورة في «الصحيح».
وسهيل بن عمرو والد أبي جندل، وكان من سادات قريش وخطبائهم، ومن حلمه وصحة إسلامه أنه قدم المدينة في شيوخ من قريش فيهم أبو سفيان، فاستأذنوا على عمر فأبطأ عليهم، واستأذن بعدهم فقراء من المسلمين فأذن لهم، فقال أبو سفيان: عجبا، يؤذن للمساكين والموالي، وكبار
قريش واقفين، فقال سهيل: اغضبوا على أنفسكم، فإن الله دعا هؤلاء فأسرعوا، ودعاكم فأبطأتم، والله إن الذي سبقوكم إليه من الخير خير من هذا الذي تنافسون فيه من هذا الباب، ولا أرى أحدا منكم يلحق بهم إلا أن يخرج إلى الجهاد، لعل الله يرزقه الشهادة، فخرج سريعا إلى الشام، وكان يتردد في مكة إلى بعض الموالي يقرئه القرآن، فعيّره بعض قريش، فقال سهيل: هذا والله الكبر الذي حال بيننا وبين الخير، ولما رآه رسول الله ﷺ مقبلا يوم الحديبية، قال: «قد سهل لكم من أمركم» أي تفاؤلا باسمه.
وفيها شرحبيل بن حسنة الكندي نسب إلى أمه، وأبوه عبد الله بن مطاع هاجر إلى الحبشة، واستعمله عمر على بعض الشام، مات في طاعون عمواس.
والحارث بن هشام بن المغيرة أخو أبي جهل بن هشام مات أيضا في الطاعون المذكور.
وفيها افتتحت حرّان، والموصل، والسّوس، وتستر.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع