تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

السنة الثالثة عشرة

فيها وقعة أجنادين بقرب الرّملة، واستشهد فيها جماعة من الصحابة ﵃ أجمعين، ثم كان النصر والحمد لله.

وفيها بعث أبو بكر ﵁ أمراءه إلى الشام، منهم أبو عبيدة، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وبعث خالدا إلى العراق، فافتتح الأبلّة، وأغار على السواد، وحاصر عين التمر،

وأرى الفرس ذلّا وهوانا، ثم سار من العراق إلى الشّام في بريّة ورمال لا يهتدى طريقها، ولحق بأمراء الشام، فكان له الأثر العظيم.

وفي جمادى الآخرة منها توفي الخليفة أبو بكر الصّدّيق عبد الله بن عثمان ﵁ عن ثلاث وستين سنة، ومناقبه كثيرة لا تنكر مشهورة، وفيه يقول أبو محجن الثقفيّ:

وسمّيت صدّيقا وكلّ مهاجرسواك يسمّى باسمه غير منكر
وبالغار إذ سمّيت بالغار صاحباوكنت رفيقا للنبيّ المطهّر
سبقت إلى الإسلام والله شاهدوكنت جليسا بالعريش المشهّر

ومناقبه وسوابقه في الإسلام لا تنحصر، وكان رئيسا في الجاهلية، وكان إليه الدّيات، ومعرفة الأنساب، وتأويل الرؤيا، وأسلم على يده جماعة، وأعتق أعبدا افتداهم من أيدي المشركين يعذّبونهم، منهم بلال، وعامر بن فهيرة، ونص ﷺ أن سبقه لغيره بواقر وقر في صدره، وجاء أنه كان إذا تنفّس يشم منه رائحة كبد مشوية، وبينه وبين مرة بن كعب

ستة آباء كالنبيّ ﷺ، وأمه سلمى أم الخير بنت صخر بن عامر، تيمية أيضا، ولد بعد عام الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أياما، وعاش بعد النبيّ ﷺ بعدد ما سبقه النبيّ ﷺ بالولادة، واستخلف عمر فلم يختلف عليه اثنان، والإجماع منعقد على صحة خلافته، ودلائلها أشهر من أن تذكر، لعن الله باغضيه.

قال محب الدين أبو جعفر محمد الطبري في كتابه «الرياض النضرة في فضائل العشرة ﵃»: وعن أبي ذر ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ منزل عائشة فقال: «يا عائشة ألا أبشّرك؟» قالت: بلى يا رسول الله، قال: «أبوك في الجنّة، ورفيقه إبراهيم الخليل ﵇، وعمر في الجنّة ورفيقه نوح ﵇، وعثمان في الجنّة ورفيقه أنا، وعليّ في الجنّة ورفيقه يحيى بن زكريّا [﵇]، وطلحة في الجنّة ورفيقه داود ﵇، والزّبير في الجنّة ورفيقه إسماعيل ﵇، وسعد بن أبي وقّاص في الجنّة ورفيقه سليمان بن داود ﵇، وسعيد في الجنّة ورفيقه موسى بن عمران ﵇، وعبد الرّحمن بن عوف في الجنّة ورفيقه عيسى ﵇، وأبو عبيدة بن الجرّاح في الجنّة ورفيقه إدريس ﵇».

ثم قال: «يا عائشة أنا سيّد المرسلين وأبوك أفضل الصّدّيقين، وأنت أمّ المؤمنين». أخرجه الملاء في «سيرته»، انتهى.

وقال اللّقاني في «شرح الجوهرة»: أفضل الصّحابة أهل الحديبية، وأفضل أهل الحديبية أهل أحد، وأفضل أهل أحد أهل بدر، وأفضل أهل بدر العشرة، وأفضل العشرة الخلفاء الأربعة، وأفضل الأربعة أبو بكر الصّدّيق ﵃ أجمعين. انتهى.

وقال المحب الطبري في «الرياض» أيضا عن أنس ﵁ قال:

قال رسول الله ﷺ: «من أحسن القول في أصحابي فقد برئ من النّفاق، ومن أساء القول في أصحابي كان مخالفا لسّنتي ومأواه النار وبئس المصير» أخرجه أبو سعد في «شرف النبّوة». وعن عبد الرحيم بن زيد العمّي قال: أخبرني أبي قال: أدركت أربعين شيخا من التابعين كلهم حدّثونا عن أصحاب رسول الله ﷺ، أن رسول الله ﷺ قال: «من أحبّ جميع أصحابي وتولّاهم واستغفر لهم جعله الله تعالى يوم القيامة معهم في الجنّة»، خرجه ابن عرفة العبدي. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أحبّ أصحابي وأزواجي وأهل بيتيّ ولم يطعن في أحد منهم، وخرج من الدّنيا على محبّتهم كان معي في درجتي يوم القيامة»، أخرجه الملاء في «سيرته».

وعن الأعمش قال: خرجت في ليلة مقمرة أريد المسجد فإذا أنا بشيء عارضني، فاقشعرّ منه جسدي، فقلت: أمن الجن أم من الإنس؟ فقال:

من الجن، فقلت: مؤمن أم كافر؟ فقال: بل مؤمن، فقلت: هل فيكم من هذه الأهواء والبدع شيء؟ قال: نعم، ثم قال: وقع بيني وبين عفريت من الجنّ اختلاف في أبي بكر وعمر، فقال العفريت: إنهما ظلما عليا واعتديا عليه، فقلت: بمن ترتضي حكما؟ فقال: بإبليس، فأتيناه فقصصنا عليه القصة، فضحك ثم قال: هؤلاء من شيعتي وأنصاري وأهل مودّتي، ثم قال:

ألا أحدّثكم بحديث؟ قلنا: بلى، قال: أعلمكم أني عبدت الله تعالى في السماء الدّنيا ألف عام فسمّيت فيها العابد، وعبدت الله في الثانية ألف عام فسميت فيها الزّاهد، وعبدت الله في الثالثة ألف عام فسميت فيها الرّاغب، ثم رفعت إلى الرابعة فرأيت فيها سبعين ألف صف من الملائكة يستغفرون لمحبي أبي بكر وعمر، ثم رفعت إلى الخامسة فرأيت فيها سبعين ألف ملك يلعنون مبغضي أبي بكر وعمر. انتهى.

وفي «الصحيحين» أنه ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته، وجعل لا يأكل لقمة إلّا ربا من أسفلها أكثر منها فشبعوا، وصارت أكثر ما هي قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت، فرفعها إلى رسول الله ﷺ وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها.

ومات يوم وفاة أبي بكر أميره على مكّة عتّاب بن أسيد الأموي، وكان من مسلمة الفتح، وأمّره النبيّ ﷺ على مكّة حين خرج إلى حنين والطّائف، ولم يزل عليها حتّى توفّي النبيّ ﷺ، ولما أن جاء الخبر بموت النبيّ ﷺ اختفى وخاف على نفسه، فقام سهيل بن عمرو وخطب خطبة بليغة ثبّت الله بها قلوب النّاس، فصحّ في سهيل قول رسول الله ﷺ: «عسى أن يقوم مقاما يحمد فيه».

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.