تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

الحادية عشرة

فيها توفي النّبيّ ﷺ في وسط نهار الإثنين، في ربيع الأول، وما قيل:

إنه توفي في الثاني عشر فيه إشكال، لأنه ﷺ كانت وقفته في الجمعة في السنة العاشرة إجماعا، ولا يتصور مع ذلك وقوع الإثنين ثاني عشر شهر ربيع الأول من السنة التي بعدها، فتأمل.

وبعث رسول الله ﷺ على رأس أربعين، فأقام بمكة ثلاث عشرة، وقيل: عشرا، وقيل: خمس عشرة، وأقام بالمدينة عشرا بالإجماع، وتوفي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح، وولد ﷺ عام الفيل في شعب بني هاشم، وتوفي جده عبد المطّلب وهو ابن ثمان على قول وشهد بناء قريش الكعبة، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة على قول.

وفي «الصحيح» أنه كان ينقل معهم الحجارة وهو صغير، وكانوا يجعلون أزرهم على عواتقهم تقيهم الحجارة ففعل مثلهم، فسقط مغشيا عليه.

فإن حمل على أنّ قريشا بنت الكعبة مرتين، أو في أمر غير بناء الكعبة فلا إشكال، وإلا فأحد النقلين ساقط.

وتزوج خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهي بنت أربعين على الصحيح فيهما، ورجّح كثيرون أنها ابنة ثمان وعشرين وفرضت الصلاة بمكة ليلة الإسراء بعد النّبوة بعشر سنين وثلاثة أشهر.

وفرض الصوم بعد الهجرة.

وفرضت الزكاة قبل الصوم، وقيل: بعده.

وهو ﷺ محمّد بن عبد الله، بن عبد المطّلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصيّ، بن كلاب، بن مرّة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن النّضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، ابن مضر، بن نزار، بن معدّ، بن عدنان.

هذا المتفق عليه.

وجدّه هاشم هو الذي سنّ لقريش الرّحلتين للتجارة، ومات بغزّة من أرض الشام، البلدة التي ولد فيها الشافعيّ ﵀.

وفي السنة الحادية عشرة أيضا من الهجرة، توفّيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ بعد وفاة أبيها [ﷺ] بستة أشهر، تزوجها عليّ ﵁ وهي بنت خمس عشرة سنة، وخمسة أشهر ونصف، وعمره إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر، ولم يتزوّج عليها حتى ماتت، كأمّها لم يتزوج عليها النبيّ ﷺ حتى ماتت، وغسل فاطمة أسماء بنت عميس، وعليّ، ودفنها ليلا.

وفيها ماتت أمّ أيمن حاضنة رسول الله ﷺ، وأمّه بعد أمّه، ومنزلتها من النبيّ ﷺ، ومنزلة زوجها وبنتها لا توصف ولا تكيّف، وخرجت مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء، فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة، سمعت حسّا على رأسها، فرفعته، فإذا دلو برشاء أبيض معلّق فشربت منه حتى رويت، وما عطشت بقية عمرها.

وفيها مات عكّاشة الأسديّ أحد السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب.

وفيها قتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة في رهط من قومه بني حنظلة ممن منع الزكاة، وكان مالك من دهاة العرب، وكان عرض على خالد الصلاة دون الزكاة، فقال خالد: لا نقبل واحدة دون الأخرى، فقال مالك: كذلك كان يقول صاحبك، قال خالد: وما نراه لك صاحبا، والله لقد هممت أن أضرب عنقك، ثم تجادلا في الكلام، فقال خالد: إني قاتلك، قال: أو كذلك أمر صاحبك، قال خالد: وهذه ثانية بعد تلك، والله لأقتلنك، فكلمه عبد الله بن عمر، وأبو قتادة في استبقائه فأبى، فقال له مالك: فابعثني إلى

أبي بكر فيكون هو الذي يحكم في، فقال خالد: يا ضرار قم فاضرب عنقه، فقام فضرب عنقه واشترى زوجه من الفيء، وتزوّجها، فأنكر عليه عمر، والصحابة، وسأل عمر أبا بكر قتل خالد بمالك أو حدّه في زواج زوجته، فقال أبو بكر: إنه تأوّل فأخطأ، فسأله عزله، فقال: ما كنت لأشيم سيفا سلّه الله عليهم أبدا.

ولمتمّم بن نويرة في أخيه مراث كثيرة مشهورة من أعجبها قوله:

لقد لامني عند القبور على البكاصحابي لتذرف الدّموع السّوافك
فقالوا: أتبكي كلّ قبر رأيته؟لغير ثوى بين اللّوى والدكادك
فقلت لهم: إنّ الشّجا يبعث الشّجادعوني فهذا كلّه قبر مالك

ولحافظ دمشق ابن ناصر الدّين قصيدة سمّاها «بواعث الفكرة في

حوادث الهجرة» أحببت أن أثبتها هنا لما فيها من الفوائد وهي:

سنوا هجرة المختار فيها حوادثفخذ نثرها من كلّ عام واحكم
مصلّى قبا في أول ثمّ مسجدابني وبيوتا والصّلاة فأتمم
وخلف أذان جمعة مات أسعدبراء وعبد الله أسلم فاسلم
وثان صيام فطرة أمّ كعبةوغزوة ودّان بواط المغنّم
عشير وبدر عرس عائش مثله البتول وموت لابن مظعون أكرم
سويق سليم قينقاع ومسورومروان والنّعمان سرّوا بمقدم
كذا ابن زبير مثل موت رقيّةأبو بنت هند أنمار كانت بمعلم
غزا أحدا في ثالث قتل حمزةوذا أمر والخمر ردّت فحرّم
وحمراء مع بدر أخيرا بناؤهبزينب ذات البرّ كسبا لمعدم
كذا حفصة مع أمّ كلثوم زوّجتأتى حسن قبل الحسين المقدّم
وفي رابع تزويج هند معونةنضير وقصر والتيمّم فافهم
مريسيع إفك والرّقاع وموعدورجم وموت امّ المساكين عظّم
وصلّى لخوف ثم في الخمس خندققريظة سعد مات دومة قدّم
ضمام أتى إسلام عمرو وخالدوعثمان الداري التزلزل فاعلم
وفي سادس لحيان ذو قرد بهحديبية استسقى ابن خولة أعظم
مقوقس أهدى والظّهار وخاتملشيرويه الطّاعون حجّ لمسلم
وخيبر في سبع صفيّة رملةزواجهما ذو الحبس آبوا بأنعم
قدوم أبي هرّ هدانا عطيةقضا عمرة تزويج ميمونة أتمم
وثامن عام مؤتة الفتح أسلمواومولد إبراهيم نجل المعظّم
حنين غلاء طائف نصب منبروبنت رسول الله زينب سلّم
بتسع تبوك والوفود وجزيةوحج أبي بكر وموت أمّ كلثم
ومات ابن بيضا والنجاشي وعروةقتيل ثقيف والسّلوليّ فافهم
لعان وإيلاء وبوران ملّكتلقتل فتى شيرويه بتظلّم
وفي العاشر ابراهيم مات ومولدلنجل أبي بكر محمد أعظم
جرير اهتدى ضلّت بأسود عنسةكسوف بخلف حجة التّمّ أعجم
وسبع وعشرون المغازي ومثلهاسراياه مع عشرين أرّخ لمقدم
أصبنا لإحدى عشرة بنبيّنافيا عظمه رزءا لدى كلّ مسلم
بها بايعوا الصّدّيق ردّة وابكينلفاطمة مع أمّ أيمن واختم

انتهى ما أورده ابن ناصر الدّين، وما ذكره في منظومته تقدّم غالبه، وبقيته مفهوم سوى قصّة الظّهار أحببت إيرادها لما فيها من الفوائد فأقول:

قال العلّامة الشّيخ علي الحلبي في «سيرته»: وقبل خيبر، وقيل: بعد خيبر، نزلت آية الظّهار قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها، وسبب ذلك أنّ أوس بن الصّامت، لا عبادة بن الصّامت، كما قيل، أي وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، وفي لفظ: كان به لمم، أي نوع من الجنون، وكان فاقد البصر، قال لزوجته خولة بنت ثعلبة، وفي لفظ بنت خويلد، وكانت بنت عمه، وقد راجعته في شيء فغضب فقال لها: أنت

عليّ كظهر أمّي، وكان ذلك في زمن الجاهلية طلاقا، أي كالطلاق في تحريم النساء، ثم راودها عن نفسها، فقالت: كلا لا تصل إليّ وقد قلت ما قلت، حتى أسأل رسول الله ﷺ.

وفي لفظ: إنه لما قال لها: أنت عليّ كظهر أمّي أسقط في يده، وقال:

ما أراك إلا قد حرمت عليّ، انطلقي إلى رسول الله ﷺ فاسأليه، فدخلت عليه وهو يمشط رأسه، أي عنده ماشطة، وهي عائشة تمشط رأسه.

وفي لفظ: كان الظّهار أشدّ الطّلاق، وأحرم الحرام، إذا ظاهر الرجل من امرأته لم يرجع أبدا، فأخبرته، فقال لها: «ما أمرنا بشيء من أمرك ما أراك إلا قد حرمت عليه»، فقالت: يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر الطلاق، وإنه أبو ولدي، وأحبّ النّاس إليّ، فقال: «حرمت عليه»، فقالت:

أشكو إلى الله فاقتي وتركي بغير أحد، وقد كبر سنّي، ودقّ عظميّ.

وفي لفظ أنها قالت: اللهم إني أشكو إليك شدّة وحدتي، وما شقّ عليّ من فراقه، وما نزل بي وبصبيتي.

قالت عائشة ﵂: فلقد بكيت وبكى من كان في البيت رحمة لها ورقّة عليها.

وفي لفظ قالت: يا رسول إن زوجي أوس بن الصامت تزوّجني وأنا ذات مال وأهل، فلما أكل مالي، وذهب شبابي، ونفضت بطني، وتفرّق أهلي، ظاهر مني، فقال لها رسول الله ﷺ: «ما أراك إلا قد حرمت عليه»، فبكت وصاحت، وقالت: أشكو إلى الله فقري، ووحدتي، وصبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، وصارت

ترفع رأسها إلى السماء، فبينما فرغ ﷺ من شق رأسه، وأخذ في الآخر، أنزل الله عليه الآية، فسرّي عنه، وهو يبتسم، فقال لها:

«مريه فليحرّر رقبة»، فقالت: والله ما له خادم غيري، قال: «فمريه فليصم شهرين متتابعين»، فقالت: والله إنه لشيخ كبير، إنه إن لم يأكل في اليوم مرتين يندر بصره، أي لو كان مبصرا، فلا ينافي ما تقدّم أنه كان فاقد البصر، قال: «فليطعم ستين مسكينا»، فقالت: والله ما لنا اليوم وقية، قال: «مريه فلينطلق إلى فلان- يعني شخصا من الأنصار- أخبرني أن عنده شطر وسق من تمر، يريد أن يتصدّق به، فليأخذه منه». وفي رواية: «مريه فليأت أمّ المنذر بنت قيس فليأخذ منها شطر وسق من تمر فليتصّدق به على ستين مسكينا وليراجعك»، ثم أتته فقصّت عليه القصّة فانطلق ففعل.

أي وفي لفظ: قال رسول الله ﷺ: «فأنا سأعينه بعرق من تمر» فبكت، وقالت: وأنا يا رسول الله سأعينه بعرق آخر، قال: «قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدّقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرا». وفي رواية لما قال رسول الله ﷺ: «ما أعلم إلا قد حرمت عليه»، قالت لها عائشة: وراءك، فتنحّت، فلما نزل عليه الوحي وسرّي عنه قال: «يا عائشة أين المرأة؟»، قالت: ها هي هذه، قال: «ادعيها»،

فدعتها، قال النبيّ ﷺ: «اذهبي فجيئي بزوجك» فذهبت فجاءت به وأدخلته على النبيّ ﷺ، فإذا هو ضرير البصر، فقير، سيّء الخلق، فقال له: «أتجد رقبة؟»، قال: لا، وفي لفظ قال:

ما لي بهذا من قدرة، قال: «أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟»، قال: والذي بعثك بالحق إني إذا لم آكل المرة والمرتين والثلاثة يغشى عليّ، وفي لفظ إني إذا لم آكل في اليوم مرتين كلّ بصري، أي لو كان موجودا قال:

«فتستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟»، قال: لا، إلا أن تعينني بها، فأعانه رسول الله ﷺ، فكفّر عنه. وفي رواية: أنه أعطاه مكتلا يأخذ خمسة عشر صاعا فقال: «أطعمه ستين مسكينا». قال بعضهم: وكانوا يرون أن عند أوس مثلها حتى يكون لكلّ مسكين نصف صاع، وفيه أنه خلاف الروايات من أنه لا يملك شيئا، فقال: على أفقر مني، فو الله الذي بعثك بالحق ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه مني، فضحك رسول الله ﷺ وقال: «اذهب به إلى أهلك». وهذا أول ظهار وقع في الإسلام.

ومرّ عمر ﵁ بخولة هذه في أيام خلافته، فقالت: قف يا عمر، فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها، وأطالت الوقوف، وأغلظت القول، أي قالت له: هيها يا عمر، عهدتك وأنت تسمّى عميرا، وأنت في سوق عكاظ ترعى القيان بعصاك، فلم تذهب الأيام حتى سمّيت عمر، ثمّ لم تذهب الأيام حتى سمّيت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت خشي الفوت، فقال لها الجارود: قد أكثرت أيّتها المرأة على أمير المؤمنين، فقال عمر: دعها.

وفي رواية فقال له قائل: حبست النّاس لأجل هذه العجوز، قال:

ويحك وتدري من هذه؟ قال: لا، قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها. انتهى.

قلت: ومما يناسب المقام ذكر ابن صيّاد، فإن أخباره وقعت ولا بد بعد الهجرة، ولكني لم أقف على تاريخها، وسأثبته إن عثرت عليه، فلنورد ما ورد

فيه مختصرا وليكن لفظ «مشكاة المصابيح» فإنه من أجمع ما رأيت فيه، قال فيه: باب ابن الصياد.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.