من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
الفصل الأول
عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب ﵁ انطلق مع رسول الله ﷺ في رهط من أصحابه قبل ابن صياد حتى وجدوه يلعب مع الصبيان في أطم بني مغالة، وقد قارب ابن صيّاد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده، ثم قال: «أتشهد أني رسول الله؟» فنظر إليه فقال: أشهد أنك رسول الأميّين، ثم قال ابن صياد: أتشهد أني رسول الله؟ فرصّه النبيّ ﷺ ثم قال: «آمنت بالله وبرسله» ثم قال لابن صيّاد: «ما ترى؟»، قال: يأتيني صادق وكاذب، قال رسول الله ﷺ: «خلّط عليك الأمر» [ثم] قال رسول الله ﷺ: «إني خبّأت لك خبيئا» وخبّأ له: يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، فقال هو
الدّخّ، فقال [ﷺ]: «اخسأ فلن تعدو قدرك» قال عمر:
يا رسول الله أتأذن لي فيه أضرب عنقه؟ قال رسول الله ﷺ:
«إن يكن هو لا تسلّط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله». قال ابن عمر: انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأبيّ بن كعب الأنصاريّ يؤمّان النخل التي فيها ابن صيّاد، وطفق رسول الله ﷺ يتّقي بجذوع النخل وهو يختل أن يسمع من ابن صيّاد شيئا قبل أن يراه، وابن صيّاد مضطجع على فراشه في قطيفة، له فيها زمزمة، فرأت أمّ ابن صيّاد النبيّ ﷺ وهو يتّقي بجذوع النخل، فقالت: أي صاف- وهو اسمه- هذا محمد، فتناهى ابن صيّاد، قال رسول الله ﷺ: «لو تركته بيّن». قال عبد الله بن عمر: قام رسول الله ﷺ في النّاس فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ ذكر الدّجال فقال: «إني أنذركموه وما من نبي إلّا وقد أنذر قومه، لقد أنذر نوح قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبيّ لقومه: تعلمون أنّه أعور وإن الله ليس بأعور» متفق عليه.
وعن أبي سعيد الخدريّ قال: لقيه رسول الله ﷺ، وأبو بكر وعمر- يعني ابن صيّاد- في بعض طرق المدينة، فقال له رسول الله ﷺ: «أتشهد أنّي رسول الله؟»، فقال هو: أتشهد أنّي رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: «آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله ماذا ترى؟» قال: أرى عرشا على الماء، فقال رسول الله ﷺ: «ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى؟»، قال: أرى صادقين وكاذبا، أو كاذبين وصادقا، فقال رسول الله ﷺ: «لبس عليه فدعوه» رواه مسلم. وعنه أن ابن صيّاد سأل النبيّ ﷺ عن تربة الجنة فقال: «درمكة بيضاء مسك خالص» رواه مسلم. وعن نافع قال: لقي ابن عمر ابن صيّاد في بعض طرق المدينة، فقال له قولا أغضبه، فانتفخ حتّى ملأ السّكّة، فدخل ابن عمر على
حفصة وقد بلغها، فقالت له: رحمك! الله ما أردت من ابن صيّاد؟ أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: «إنما يخرج من غضبة يغضبها؟»، رواه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري قال: صحبت ابن صيّاد إلى مكّة، فقال لي:
أما قد لقيت من النّاس يزعمون أنّي الدّجّال، ألست سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّه لا يولد له»، وقد ولد لي، أليس قد قال:
«هو كافر» وأنا مسلم، أو ليس قد قال: «لا يدخل المدينة ولا مكة؟» وقد أقبلت من المدينة وأنا أريد مكة، ثم قال لي في آخر قوله: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو [الآن]، وأعرف أباه وأمّه، قال: فلبسني، قال: قلت [له]: تبا لك سائر اليوم، قال: وقيل له: أيسرّك أنّك ذاك الرّجل؟، قال: فقال: لو عرض عليّ ما كرهت. رواه مسلم.
وعن ابن عمر قال: لقيته وقد نفرت عينه فقلت: متى فعلت عينك
ما أرى؟ قال: لا أدري، قلت: لا تدري وهي في رأسك؟ قال: إن شاء الله خلقها في عصاك [هذه]، قال: فنخر كأشدّ نخير حمار سمعت. رواه مسلم.
وعن محمّد بن المنكدر قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أنّ ابن الصيّاد الدّجال، قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبيّ ﷺ، فلم ينكره النبيّ ﷺ، متفق عليه.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع