من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ست وثلاثين
فيها وقعة الجمل، وتلخيصها، أنه لما قتل عثمان صبرا توجّع المسلمون وأسقط في أيدي جماعة، وعنوا بكيفية المخرج من تقصيرهم فيه، فسار طلحة، والزّبير، وعائشة نحو البصرة، وكانت عائشة قد لقيها الخبر، وهي مقبلة من عمرتها، فرجعت إلى مكة، وطلبوا من عبد الله بن عمر أن يسير معهم فأبى، وقال مروان لطلحة، والزّبير: على أيّكما أسلّم بالإمارة، وأنادي بالصلاة؟ فقال عبد الله بن الزّبير: على أبي، وقال محمد بن طلحة:
على أبي، فكرهت عائشة قوله، وأمرت ابن أختها عبد الله بن الزّبير فصلّى بالناس، ولما علم عليّ كرّم الله وجهه بمخرجهم، اعترضهم من المدينة ليردّهم إلى الطاعة، وينهاهم عن شقّ عصا المسلمين، ففاتوه، فمضى لوجهه، وأرسل ابنه الحسن وعمارا يستنفران أهل المدينة، وأهل الكوفة فخطب عمّار وقال في خطبته: إني لأعلم أنها زوجة نبيّكم في الدّنيا والآخرة، ولكنّ الله ابتلاكم ليعلم أتطيعونه، أم تطيعونها، ولما قدمت عائشة، وطلحة، والزّبير، البصرة، استعانوا بأهلها وبيت مالها، ووصل عليّ خلفهم، واجتمع عليه أهل البصرة والكوفة، فحاول صلحهم واجتماع الكلمة، وسعى
السّاعون بذلك، فثار الأشرار بالتحريش، ورموا بينهم بالنار حتى اشتعلت الحرب، وكان ما كان، وبلغت القتلى يومئذ ثلاثة وثلاثين ألفا، وقيل: سبعة عشر، وقتل عشرة من أصحاب الجمل، ومن عسكر عليّ ﵁ نحو ألف، وقطع على خطام جمل عائشة سبعون يدا من بني ضبّة، وهي في هودجها، ثم أمر عليّ بعقره، وكان رايتهم، فحمي الشرّ، وظهر عليّ، وانتصر، وكان قتالهم من ارتفاع النهار يوم الخميس، إلى صلاة العصر، لعشر ليال خلون من جمادى الآخرة، ولما ظهر عليّ جاء إلى عائشة، فقال:
غفر الله لك، قالت: ولك، ما أردت إلّا الإصلاح، ثم أنزلها في دار البصرة، وأكرمها واحترمها، وجهّزها إلى المدينة في عشرين أو أربعين امرأة من ذوات الشرف، وجهّز معها أخاها محمدا، وشيّعها هو وأولاده، وودّعها ﵃.
وقتل يومئذ طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي، قيل: رماه مروان بن الحكم لحقد كان في قلبه عليه، وكان هو وهو في جيش واحد.
وولده محمد بن طلحة السّجاد، وكان له ألف نخلة يسجد تحتها في كل يوم، ومرّ به عليّ صريعا، فنزل، ونفض التراب عن وجهه، وقال: هذا قتله برّه بأبيه، وتمنى الموت قبل ذلك.
وقتل يومئذ الزّبير بن العوّام القرشيّ الأسديّ، أحد العشرة، قتله ابن جرموز غدرا بوادي السّباع، وقد فارق الحرب، وودّعها حين ذكّره عليّ قول النبيّ ﷺ: «لتقاتلنّه وأنت ظالم له». ولما جاء ابن جرموز إلى عليّ ليبشره بذلك بشّره بالنار.
وروى ابن عبد البرّ عن عليّ كرّم الله وجهه أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزّبير، من أهل هذه الآية وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ من غِلٍّ، ولا ينكر ذلك إلا جاهل بفضلهم، وسابقتهم عند الله، وقد روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «يكون لأصحابي من بعدي هنات يغفرها الله بسابقتهم معي، يعمل بها قوم من بعدهم يكبّهم الله في النار على وجوههم». وكان الزّبير بن العوام ﵁ شجاعا، مقداما، مقطوعا له
بالجنة، من أيسر الصحابة ﵁ وعنهم، ولو قيل: إنه أيسرهم لما بعد، يؤيد ذلك ما رواه البخاري في «صحيحه» في باب بركة الغازي في ماله حيا وميتا، من كتاب الجهاد، أن عبد الله بن الزّبير ﵄ حسب دين أبيه فكان ألفي ألف ومائتي ألف، وأنه أوصى بالثلث بعد الدّين، وأنه قضى دينه وأخرج ثلث الباقي بعد الدين، وقسم ميراثه، فأصاب كل زوجة من زوجاته الأربع ألف ألف ومائتا ألف، ثم قال البخاري بعد ذلك: فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف انتهى.
وقال ابن الهائم ﵀: بل الصواب أن جميع ماله بحسب ما فرض تسعة وخمسون ألف ألف وثمانمائة ألف انتهى.
وصرح ابن بطّال والقاضي عياض وغيرهما، بأن ما قاله البخاري غلط في الحساب، وأن الصواب كما قال ابن الهائم، وأجاب الحافظ شرف الدين الدّمياطي ﵀، بأن قول البخاري ﵀ محمول على أن
جملة المال حين الموت كانت ذلك دون الزائد في أربع سنين إلى حين القسمة. انتهى.
ومناقب الزّبير ومآثره يضيق عنها هذا المختصر ولو لم يكن له إلا مصاهرته للصّدّيق- فإنه كان زوج ابنته أسماء ذات النطاقين، ورزق منها عبد الله، وهو أول مولود ولد بالمدينة للمهاجرين، وبه كنى النبيّ ﷺ عائشة على الصحيح- لكفى.
وقتل يومئذ زيد بن صوحان من خواص عليّ من الصلحاء الأتقياء.
وتوفي في تلك السنة حذيفة بن اليمان العبسي صاحب السر المكنون في تمييز المنافقين، ولذلك كان عمر لا يصلي على ميت حتى يصلي عليه حذيفة، يخشى أن يكون من المنافقين، وسمّي ابن اليمان لأن جده حالف بني عبد الأشهل وهم من اليمن.
وفيها سلمان الفارسي المشهور بالفضل والصحبة، الذي قال في حقه المصطفى ﷺ: «سلمان منّا أهل البيت». وقصته مشهورة في طلب الدّين، وقوله تداولني بضعة عشر ربا حتى اتصلت بالنبيّ ﷺ.
وروي من وجوه أنه اشترى نفسه من مواليه يهود بكذا وكذا وقية، وعلى
أن يغرس لهم كذا وكذا وديّة من النّخل، ويعمل عليها حتى تدرك، فغرسها ﷺ كلها بيده المباركة إلا واحدة غرسها عمر، فأطعم كلّ النّخل من عامه إلا تلك الواحدة فقلعها ﷺ ثم غرسها فأطعمت، وكان سلمان الفارسي، وأبو الدرداء يأكلان من صحفة، فسبّحت الصّحفة، أو سبّح ما فيها.
وفيها أمير مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو من السابقين الأولين.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع