من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة خمس وثلاثين
فيها مات أبو طلحة الأنصاري النقيب عن سبعين سنة، وصلى عليه عثمان، شهد بدرا وما بعدها، وهو من أهل السوابق في الإسلام، وهو المتصدق بأحب أمواله إليه بيرحى.
قال في «القاموس»: وبيرحى كفيعلى موضع بالمدينة.
وفيها مات النقيب الآخر عبادة بن الصامت، شهد بدرا وما بعدها، ووجهه عمر إلى الشام قاضيا ومعلّما، فأقام بحمص، ثم انتقل إلى فلسطين ومات بها، وقيل: بالرملة، ودفن ببيت المقدس.
وفيها توفي عالم الكتاب، به وبالآثار، كعب الأحبار، أسلم في زمن أبي بكر، وروى عن عمر ﵁.
وفيها توفي عامر بن أبي ربيعة.
وعبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ولّاه رسول الله ﷺ الجند ومخاليفها من بلاد اليمن.
وفي آخرها حاصر المصريون أمير المؤمنين عثمان نحو شهرين وعشرين يوما، ثم اقتحم عليه أراذل من أوباش القبائل فقتلوه، والصحيح أنه لم يتعين قاتله، وكانوا أربعة آلاف، واشتهر عنه أنه قال لأرقائه: من أغمد سيفه فهو حرّ، فأغمدوها إلا واحدا قاتل حتى قتل، وكانوا مائة عبد، وقيل: أربعمائة، وإن عليّا ﵁ أرسل إليه ابنه الحسن، وقال له: إن شئت أتيتك للنصر، فقال: إن رسول الله ﷺ قال لي: «إن قاتلتهم نصرت عليهم، وإن لم تقاتلهم، أفطرت عندنا الليلة» وأنا أحب أن أفطر عند رسول الله ﷺ، وجاءه عبد الله بن سلام لينصره، فقال له: اخرج إليهم، فإنك خارج خير
لي من داخل، فخرج فقال لهم: أيّها النّاس، إن لله سيفا مغمودا عليكم، وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه نبيّكم، فالله الله في هذا الرجل أن تقتلوه، فتطردوا جيرانكم، ويسلّ سيف الله المغمد، فلا يغمد إلى يوم القيامة، فقالوا: اقتلوا اليهوديّ.
ولا شك أن الدّماء المهراقة عقب قتله، والملاحم بين عليّ ومعاوية عقوبة من الله بقتل عثمان، وانفتح باب الشر من يومئذ.
وقد صحّت الأحاديث بأنّ له الجنة على بلوى تصيبه، وأنه شهيد سعيد، وأنه قتلوه يوم الجمعة ثاني عشر ذي الحجة، والمصحف بين يديه، فتنضّح الدم على قوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وعمره يومئذ بضع وثمانون أو تسعون سنة، ومدة خلافته اثنتا عشرة سنة وأيام، ودفن بالبقيع بموضع يعرف ب حشّ كوكب، وكان قد اشتراه ووقفه، زاده في
البقيع، وكان إذا مرّ به، يقول: يدفن فيك رجل صالح.
وقوله: قال لي النبيّ ﷺ: «تفطر عندنا» معناه: أول شيء تستعمله على الرّيق يكون عندنا، لا أنه فطر صائم، إذ لم يكن يومئذ صائما، فإنّ يوم قتله كان ثاني أيام التشريق، ولا يجوز صومه.
وفيه إشارة إلى قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ وبشارة له بصدق الشهادة.
وفيه يقول حسّان:
ضحّوا بأشمط عنوان السجود بهيقطّع اللّيل تسبيحا وقرآنا
إلى قوله:
لتسمعنّ وشيكا في ديارهمالله أكبر يا ثارات عثمانا
وله أيضا:
قتلتم وليّ الله في جوف بيتهوجئتم بأمر جائر غير مهتدي
فلا طهرت أيمان قوم تعاونواعلى قتل عثمان الرّشيد المسدّد
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع