من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة أربعين
فيها توفي خوّات بن جبير الأنصاري البدري، أحد الشّجعان.
وأبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري، نزل بدرا ساكنا ولم يشهدها على الصحيح، وشهد العقبة.
وأبو أسيد الساعدي بدريّ مشهور، وقيل: إنه بقي إلى سنة ستين.
ومعيقيب بن أبي فاطمة الدّوسي من مهاجرة الحبشة، قيل: وشهد بدرا.
والأشعث بن قيس الكندي بالكوفة في ذي القعدة، وكان شريفا مطاعا جوادا شجاعا، وله صحبة، ارتدّ زمن الرّدّة، ثم أسلم وتزوج أخت أبي بكر بالمدينة، فأمر غلمانه أن يذبحوا ما وجدوه من البهائم في شوارع المدينة ففعلوا، فصاح النّاس عليهم، فقال: أيها النّاس، قد تزوّجت عندكم، ولو كنت في بلادي لأولمت وليمة مثلي، فاقبلوا ما حضر من هذه البهائم، وكل من تلف له شيء فليأتني لثمنه، وكان هاجر في أول الإسلام من اليمن في ثمانين رجلا، منهم عمرو بن معدي كرب الزبيدي، ثم ارتدّا زمن الرّدّة، وأسلما، وحسن إسلامهما، وحمدت مواقفهما.
وفيها استشهد أمير المؤمنين سامي المناقب أبو الحسنين عليّ بن أبي طالب الهاشمي ﵁، ضربه عبد الرّحمن بن ملجم الخارجي في يافوخه، فبقي يوما، ثم مات - وقتل ابن ملجم وأحرق- وكان ذلك
صبيحة يوم الجمعة وهو خارج إلى الصلاة سابع عشر رمضان، وله ثلاث وستون سنة، وقيل: ثمان وخمسون، وصلى عليه ابنه الحسن، ودفن بالكوفة في قصر الإمارة عند المسجد الجامع، وغيّب قبره.
وخلافته أربع سنين، وأشهر، وأيام.
قيل: والسبب في قتل عليّ كرّم الله وجهه، أن ابن ملجم خطب امرأة من الخوارج على قتل عليّ ومعاوية وعمرو بن العاص، فانتدب لذلك ابن
ملجم، والحجّاج بن عبد الله الصّريميّ، وزاذويه العنبري، فكان من أمر ابن ملجم ما كان، وضرب الحجّاج معاوية في الصلاة بدمشق فجرح أليته قيل: إنه قطع منه عرق النّسل، فلم يحبل معاوية بعدها، وأما صاحب عمرو فقدم مصر لذلك فوجد عمرا قد أصابه وجع في تلك الغداة المعينة، واستخلف على الصلاة خارجة بن حذافة الذي كان يعدل ألف فارس، فقتله يظنه عمرا ثم قبض فأدخل على عمرو فقال [له]: أردت عمرا وأراد الله خارجة، فصارت مثلا.
وإلى فداء عمرو بخارجة أشار عبد المجيد بن عبدون الأندلسي في «بسامته» بقوله:
وليتها إذ فدت عمرا بخارجةفدت عليّا بمن شاءت من البشر
وكان علي ﵁ ربعة إلى القصر، أدعج العينين، حسن الوجه، آدم، ضخم البطن، عريض المنكبين، لهما مشاش كالسبع، أصلع ليس له شعر إلا من خلفه، عظيم اللحية، وهو أول من أسلم عند كثيرين بعد خديجة، وعلى كل حال لم يشرك بالله بالغا، شهد المشاهدة كلّها، وحمدت مواقفه، وكان اللواء معه في أكثرها، وفضّل على خالد بن الوليد في الشّجاعة، لأن شجاعة خالد فارسا، وعليّ فارسا وراجلا، ومناقبه لا تعدّ، من أكبرها تزويج البتول، ومؤاخاة الرسول [ﷺ]، ودخوله في المباهلة والكساء، وحمله في أكثر الحروب اللواء، وقول النبي ﷺ: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى»، وغير ذلك مما يطول ذكره ويعزّ حصره، وقد نقل اليافعي الخلاف بين أهل السّنّة في المفاضلة بينه وبين عثمان، واختار هو تفضيله على عثمان، وأشار إلى ذلك في قصيدة جملتها خمسة وثلاثون بيتا منها:
والظّاهر الآن عندي ما أقول بهوالله أعلم ما في باطن الحال
من بعد تفضيلنا الشيخين معتقديتفضيله قبل ذي النّورين من تال
انتهى.
والصحيح تفضيل عثمان كما هو معلوم، ولما استقر الخوارج في حروراء
بعد النّهروان وكانوا ستة آلاف مقاتل، وقيل: ثمانية آلاف، أتاهم عليّ وخطبهم، ووعظهم، فرجعوا معه إلى الكوفة، وأشاعوا أن عليا تاب من التحكيم، فأتاه الأشعث بن قيس فقال له: إن النّاس قائلون: إنك رأيت الحكومة ضلالا، وتبت منها، فقام في النّاس فخطبهم وقال: من زعم أن الحكومة ضلال فقد كذب، فثارت الخوارج وخرجوا من المسجد، فقيل له: إنهم خارجون عليك، فقال: ما أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسيفعلون، فبعث إليهم ابن عبّاس ﵄ يناظرهم، فاحتج عليهم ابن عباس بالتحكيم في إتلاف المحرم الصيد، والتحكيم بين الزوجين، وبأن النّبيّ ﷺ أمسك عن قتال الهدنة يوم الحديبية، فصدّقوه في ذلك كلّه، وقالوا له: إن عليا محا نفسه من الخلافة بالتحكيم، فقال لهم ابن عباس: إن رسول الله ﷺ محا اسم الرسالة يوم الحديبية فلم يزلها ذلك عنه، فرجع منهم ألفان، وبقي أربعة أو ستة آلاف أصرّوا، وبايعوا عبد الله بن وهب الراسبي، فخرج بهم إلى النّهروان فسار إليهم عليّ، وأوقع بهم، وقتل منهم ألفين وثمانمائة. منهم ذو الثّديّة علامة الفرقة المارقة، ثم كلمهم أيضا، فأصرّوا وقالوا: إن عدت إلى جهاد العدوّ سرنا بين يديك، وإن بقيت على التحكيم قاتلناك، ثم قال لهم: أيّكم قاتل عبد الله بن خبّاب، فقالوا: كلّنا قتله، وكانوا
قبل لقوا مسلما ونصرانيا، فأعفوا النصراني وقالوا: احفظوا وصية نبيكم فيه، وقتلوا المسلم، ثم لقوا عبد الله بن خبّاب الصحابي وفي عنقه المصحف، فقالوا: إن المصحف يأمرنا بقتلك، فوعظهم، وذكّرهم، وحدّثهم، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ، فلم يقبلوا، وقالوا له: ما تقول في أبي بكر وعمر، فأثنى عليهما، فقالوا: ما تقول في عليّ قبل التحكيم، وعثمان قبل الحدث، فأثنى عليهما خيرا، قالوا: فما تقول في التحكيم والحكومة، قال: أقول: إن عليا أعلم منكم، وأشدّ توقّيا على دينه، فقالوا: إنك لست تتبع الهدى، فربطوه إلى جانب النهر وذبحوه، فاندفق دمه على الماء يجري مستقيما.
وروي أن رجلا قال لعليّ: ما بال خلافة أبي بكر وعمر كانت صافية، وخلافتك أنت وعثمان متكدّرة؟ فقال: إن أبا بكر وعمر، كنت أنا وعثمان من أعوانهما، وكنت أنت وأمثالك من أعواني وأعوان عثمان. وقال له رجل من اليهود: ما أتى عليكم بعد نبيكم إلا نيّف وعشرون سنة حتى ضرب بعضكم بعضا بالسيف، فقال ﵁: فأنتم ما جفّت أقدامكم من البحر حتى قلتم: يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ. ومما رثي به عليّ كرم الله وجهه:
ألا قل للخوارج أجمعينافلا قرّت عيون الشّامتينا
أفي شهر الصّيام فجعتمونابخير النّاس طرّا أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطاياوذلّلها ومن ركب السّفينا
ومن لبس النّعال ومن حذاهاومن قرأ المثاني والمئينا
وكلّ مناقب الخيرات فيهوحبّ رسول ربّ العالمينا
وبعد وفاة عليّ بويع لابنه الحسن ﵄، فتممت بأيامه «خلافة النبوة ثلاثون سنة» وظهر تصديق الخبر النبوي.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع