تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة اثنتين وسبعين

فيها توفي أبو عمارة البراء بن عازب الأنصاريّ الحارثيّ نزيل الكوفة، كان من أقران ابن عمر، استصغر يوم بدر.

ومعبد بن خالد الجهنيّ صاحب لواء جهينة يوم الفتح، له حديث واحد عن أبي بكر ﵄.

وفيها على الصحيح توفي أبو بحر المعروف بالأحنف بن قيس

التّميمي السّعدي، كان من سادات التّابعين، يضرب بحلمه المثل، فعن الحسن قال: ما رأيت شريف قوم أفضل من الأحنف أدرك عهد النبيّ ﷺ، وأسلم قومه بإشارته، ولم يفد على رسول الله ﷺ ووفد على عمر، وله رواية عن عمر وعثمان وعليّ ﵃، قال له معاوية: ما أذكر صفّين إلّا وكانت في قلبي حرارة، فقال الأحنف: إنّ القلوب التي أبغضناكم بها لفي صدورنا، وإنّ السيوف التي قاتلناكم بها لفي أغمادها، ثم خرج، فقالت أخت معاوية: [من] هذا؟ قال: [هذا] الذي غضب له ألف فارس من تميم لا يدرون فيما غضب، ولما بايع معاوية لولده يزيد حسّن له بعض الحاضرين ذلك فقال له معاوية: فما تقول أنت يا أبا بحر؟

فقال: أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت، فقال معاوية: جزاك الله من الطاعة خيرا، وأمر له بألوف، فلما خرجا قال له ذلك الرجل: إني لأعلم ذمّ يزيد، ولكنّهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال نستخرجها بما سمعت، فقال الأحنف: إنّ ذا الوجهين خليق أن لا يكون له وجه عند الله.

ونقل الإمام الطّرطوشي أن بعض الخلفاء سأل رجلا عن الأحنف ابن قيس، وعن صفاته، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن شئت أخبرتك عنه بواحدة، وإن شئت أخبرتك عنه بثنتين، وإن شئت أخبرتك عنه بثلاث،

فقال: أخبرني عنه باثنتين، فقال: كان الأحنف يفعل الخير ويحبّه، ويتوقّى الشرّ ويبغضه، قال: فأخبرني عنه بثلاث، قال: كان لا يحسد أحدا، ولا يبغي على أحد، ولا يمنع أحدا حقّه، قال: فأخبرني عنه بواحدة، قال: كان من أعظم النّاس سلطانا في قيامه على نفسه.

وفيها على الصحيح عبيدة السّلماني المرادي الكوفي الفقيه المفتي، أسلم في حياة النبيّ ﷺ، وتفقّه بعليّ وابن مسعود، قال الشعبيّ: كان يوازي شريحا في القضاء.

وفيها وقعة دير الجاثليق بالعراق، وكانت وقعة هائلة بين مصعب وعبد الملك، وذلك أن عبد الملك أفسد جيش مصعب بالأطماع، ولما استظهر عبد الملك، أرسل إلى مصعب بالأمان فأبى، وقال: [إن] مثلي لا ينصرف [عن مثل هذا الموقف] إلّا غالبا أو مغلوبا، فأثخنوه بالرّمي، ثم شدّ عليه زائدة بن قدامة الثقفي فطعنه وقال: يا لثارات المختار وانصرف إلى عبد الملك.

وقتل مع مصعب ولداه عيسى، وعروة، وإبراهيم بن الأشتر النّخعيّ سيّد النّخع وفارسها، ومسلم بن عمرو الباهليّ.

واستولى عبد الملك على العراق وولّاها أخاه بشرا، وفيه يقول الشاعر:

قد استوى بشر على العراقمن غير سيف ودم مهراق
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة

وبعث الأمراء إلى الأمصار، وبعث الحجّاج إلى مكة لحرب ابن الزّبير فقتله، واستوى الأمر لعبد الملك من غير معارض.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.