من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثمان وسبعين
فيها وثب الرّوم على ملكهم، فنزعوه من الملك، وقطعوا أنفه، ونفوه إلى بعض الجزائر.
وفيها جرت حروب وملاحم بإفريقيّة، وولي فيها موسى بن نصير إمرة المغرب كلّه، وولي خراسان المهلّب بن أبي صفرة.
وفيها توفي جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السّلميّ، وهو آخر من مات من أهل العقبة عن أربع وتسعين سنة، وهو من أهل بيعة الرّضوان وأهل السّوابق والسّبق في الإسلام، وكان كثير العلم، وأبوه عبد الله بن عمرو بن حرام مناقبه عديدة.
وفيها على الأصح زيد بن خالد [الجهنيّ] من مشاهير الصحابة، مات بالكوفة وله خمس وثمانون سنة.
وعبد الرّحمن بن غنم الأشعريّ بالشام وكان من رووس التابعين، بعثه عمر يفقّه الناس. قال أبو مسهر هو رأس التابعين.
وفيها، وقيل: في سنة ثمانين أبو أميّة شريح بن الحارث الكنديّ، ولي قضاء الكوفة لعمر فمن بعده خمسا وسبعين سنة، ولم يتعطّل فيها إلّا ثلاث سنين، امتنع فيها من القضاء، وعاش على ما قال ابن قتيبة مائة وعشرين سنة، واستعفى عن القضاء قبل موته بعام فأعفاه الحجّاج، وكان فقيها نبيها شاعرا، صاحب مزاح، وكان له دربة في القضاء بالغة، وهو أحد السّادات الطّلس، وهم أربعة: عبد الله بن الزّبير، وقيس بن سعد بن عبادة، والأحنف بن قيس، وشريح.
والأطلس الذي لا شعر بوجهه.
وحكي أن عليا دخل على شريح مع خصم له ذمّيّ، فقام له شريح، فقال له عليّ كرم الله وجهه: هذا أوّل جورك، فقال: لو كان خصمك مسلما لما قمت، ويقال: إنه قضى على عليّ، وذلك أنه ادّعى على الذّمّيّ درعا سقطت منه، فقال للذّمّيّ: ما تقول؟ فقال: مالي وبيدي، فقال لعليّ كرم الله وجهه، ألك بيّنة أنّها سقطت منك؟ قال: نعم. فأحضر كلّا من الحسن وعبده قنبر فقال: قبلت شهادة قنبر، ورددت شهادة الحسن، فقال عليّ ثكلتك
أمّك أما بلغك أن النبيّ ﷺ قال: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» فقال: اللهمّ نعم، غير أني لا أجيز شهادة الولد لوالده، فقال لليهوديّ خذها فليس عندي غيرها فقال اليهوديّ: لكنّي أشهد أنّها لك، وأنّ دينكم هو الحقّ، قاضي المسلمين يحكم على أمير المؤمنين ويرضى، أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله، فدفع عليّ الدّرع له فرحا بإسلامه. وضرب شريح امرأة له تميمية ثم ندم فقال:
رأيت رجالا يضربون نساءهمفشلّت يميني يوم أضرب زينبا
فزينب بدر والنساء كواكبإذا طلعت لم تبق [منهنّ] كوكبا
وذكر أن زيادا كتب إلى معاوية: ضبطت لك العراق بشمالي، ويميني فارغة لطاعتك فولّني الحجاز، فبلغ ذلك عبد الله بن عمر، وكان مقيما بمكة، فقال: اللهمّ اشغل يمين زياد، فأصابه الطّاعون، أو الأكلة في يمينه، فجمع الأطبّاء، فأشاروا بقطعها، فاستشار شريحا فقال: أكره لك، إن كانت لك مدة تعيش بلا يمين، وإن كان قد دنا أجلك أن تلقى ربّك مقطوع
اليد، فإذا قال لك: لم قطعتها؟ قلت: بغضا للقائك، وفرارا من قضائك، ومات زياد من يومه، فلام النّاس شريحا حيث نصح له لبغضهم لزياد، فقال:
استشارني، والمستشار مؤتمن، وإلّا لوددت أنه قطع يده يوما، ورجله يوما، وسائر جسده يوما يوما.
وتقدّم إلى شريح رجلان في شيء، فأقرّ أحدهما بما ادّعى عليه، ولم يعلم، فقضى عليه شريح، فقال: أتقضي عليّ بغير بينة؟ فقال: قد شهد عليك ثقة، قال: ومن ذلك؟ قال: ابن أخت خالتك، وقال له آخر: أين أنت أصلحك الله، قال بينك وبين الحائط، قال: إني رجل من أهل الشام، قال:
مكان سحيق، قال: وتزوجت امرأة، قال: بالرّفاء والبنين قال: وولدت غلاما، قال: ليهنك الفارس قال: وشرطت لها دارا، قال: الشّرط أملك، قال:
اقض بيننا، قال: قد فعلت، قال: بم؟ قال: حدّث امرأة حديثين، فإن أبت فأربع.
وقال في «الإشراف على مناقب الأشراف: في ذكر المخضرمين، وذكر شريحا منهم.
قال الفضل بن دكين: بلغ شريحا مائة وثمان سنين، وتوفي سنة ست وسبعين، وقال غيره من أهل العلم: سنة ثمان وسبعين، وكان ثقة، ولي قضاء المصرين الكوفة، والبصرة، ومات بالكوفة ﵀ انتهى.
وفيها قتل بسجستان أبو المقدام شريح بن هانئ المذحجيّ، صاحب عليّ وله مائة وعشرون سنة.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع