تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة إحدى وخمسين ومائة

فيها قدم المهديّ من الرّيّ إلى بغداد ليراها، فأمر أبوه ببناء الرّصافة للمهدي في الجانب الشرقي مقابلة [بغداد] وجعل له حاشية وحشم وآلة في زيّ الخلافة. وجدّد البيعة بالخلافة للمهديّ من بعده، ومن بعد المهديّ لعيسى بن موسى.

وفي رجب توفي الإمام عبد الله بن عون شيخ أهل البصرة وعالمهم.

روى عن أبي وائل والكبار.

قال هشام بن حسّان: لم تر عيناي مثل ابن عون.

وقال قرّة: كنّا نعجب من ورع ابن سيرين فأنساناه ابن عون.

وقال عبد الرّحمن بن مهدي: ما كان بالعراق أعلم بالسّنّة من ابن عون.

وقال أبو إسحاق: هو ثقة في كل شيء.

وفيها محمّد بن إسحاق بن يسار المطلبيّ مولاهم المدنيّ صاحب «السيرة» رأى أنسا وسمع الكثير من المقبريّ، والأعرج، وهذه الطبقة، وكان بحرا من بحور العلم، ذكيّا، حافظا، طلّابة للعلم، أخباريا، نسّابة، علّامة.

قال شعبة: هو أمير المؤمنين في الحديث.

وقال ابن معين: هو ثقة وليس بحجّة.

وقال أحمد بن حنبل: هو حسن الحديث. قاله في «العبر».

وقال ابن الأهدل: لا تجهل أمانته، ووثّقه الأكثرون في الحديث، ولم يخرّج له البخاريّ شيئا، وخرّج له مسلم حديثا واحدا، من أجل طعن مالك فيه، وإنما طعن فيه مالك لأنه بلغه أنه قال: هاتوا حديث مالك فأنا طبيب بعلله.

ومن كتب ابن إسحاق أخذ عبد الملك بن هشام، وكلّ من تكلم في السّير فعليه اعتماده، توفي ببغداد ودفن في مقبرة الخيزران أمّ الرّشيد، نسبت المقبرة إليها لأنها أقدم من دفن فيها، وهي بالجانب الشرقي. انتهى.

وقال بعض المحدّثين: ابن إسحاق ثقة ما لم يعنعن فيخشى منه التّدليس. انتهى.

وقال ابن ناصر الدّين: كان بحرا من بحور العلم، صدوقا، مختلفا فيه جرحا وتوثيقا. انتهى.

وفيها حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرّحمن بن صفوان بن أميّة الجمحيّ المكيّ، روى عن مجاهد وطبقته.

والوليد بن كثير المدنيّ بالكوفة. روى عن بشير بن يسار وطائفة، وكان عارفا بالمغازي والسّير، ولكنه إباضيّ. قاله في «العبر».

والإباضية: هم المنسوبون إلى عبد الله بن إباض. قالوا: مخالفونا من أهل القبلة كفّار، ومرتكب الكبيرة موحّد غير مؤمن، بناء على أن الأعمال داخلة في الإيمان، وكفّروا عليّا وأكثر الصحابة.

قال الذّهبيّ في «المغني»: الوليد بن كثير المخزوميّ ثقة، وحديثه في الكتب الستة. سمع سعيد بن أبي هند، والكبار.

قال أبو داود: ثقة إلّا أنه إباضي.

وقال ابن سعد: ليس بذاك. انتهى.

وفيها سيف بن سليمان المكيّ. روى عن مجاهد وغيره.

قال في «المغني»: ثقة إلا أنه رمي بالقدر. انتهى.

وفيها، أو في التي تليها، صالح بن عليّ الأمير، عمّ المنصور، وأمير الشّام، وهو الذي أمر ببناء أذنة التي في يد صاحب سيس، وقد هزم الرّوم

يوم [مرج] دابق، وكانوا مائة ألف.

وفيها قتلت الخوارج غيلة معن بن زائدة الشّيبانيّ الأمير بسجستان، وكان قد وليها عام أوّل، وكان أحد الأبطال والأجواد. وكان مع بني أميّة متنقّلا في ولاياتهم، مواليا لابن هبيرة، وقاتل معه المنصور، فلما قتل ابن هبيرة خاف معن فاختفى، فلما كان يوم الهاشميّة- وهو يوم مشهود- ثار فيه جماعة من أهل خراسان على المنصور، وكانت وقعتهم بالهاشميّة التي بناها السّفّاح بقرب الكوفة، وكان معن متواريا بالقرب منهم، فخرج متنكّرا وقاتل قتالا شديدا أبان فيه عن نجدته وفرّقهم، فلما أفرج عن المنصور قال له: من أنت؟ فكشف اللثام وقال: أنا طلبتك يا أمير المؤمنين، فأمّنه وأكرمه، وصار من خواصه، وقال له: أنت الذي أعطيت مروان بن أبي حفص مائة ألف درهم على قوله:

معن بن زائدة الذي زيدت بهشرفا على شرف بنو شيبان
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «هاجت هواك بواكر الأظعان»

فقال: إنما أعطيته على قوله:

ما زلت يوم الهاشميّة معلنابالسّيف دون خليفة الرّحمن
فمنعت حوزته وكنت وقايةمن وقع كلّ مهنّد وسنان

فقال: أحسنت [يا معن].

ودخل عليه أعرابيّ وهو جالس على سريره فأنشده:

أتذكر إذ قميصك جلد كبشوإذ نعلاك من جلد البعير
وفي يمناك عكّاز طويلتهش به الكلاب عن الهرير

قال: نعم أعرف ذلك ولا أنساه.

فقال:

فسبحان الّذي أعطاك ملكاوعلّمك الجلوس على السّرير

قال: [ذلك] بحمد الله لا بحمدك.

قال:

فأقسم لا أحيّيك ابن معنمدى عمري بتسليم الأمير

قال: إذا والله لا أبالي.

فقال:

فمر لي يا ابن زائدة بمالفإنّي قد عزمت على المسير

قال لغلامه: أعطه ألف درهم.

فقال:

قليل ما أمرت به وإنّيلأطمع منك بالشّيء الكثير

قال: يا غلام زده ألف درهم.

فقال:

ملكت الجود والإنصاف جمعافبذل يديك كالبحر الغزير

فقال يا غلام، ضاعف له الحساب فأضعف له.

ورأى راكبا محثّا ناقته، فقال لحاجبه: لا تحجب هذا، فلما مثل بين يديه أنشد:

أصلحك الله قلّ ما بيديفما أطيق العيال إذ كثروا
ألحّ دهر ألقى بكلكلهفأرسلوني إليك وانتظروا

فأخذته أريحيّة، وقال: والله لأعجلنّ أوبتك إليهم، فأعطاه مائة ناقة، وألف دينار وهو لا يعرفه.

ولما طلب المنصور سفيان الثّوريّ، فرّ سفيان إلى اليمن، فكان يقرأ على النّاس أحاديث الضّيافة ليضيفوه، ويكتفي عن سؤالهم، فاتّهم بسرقة، ورفع إلى معن بن زائدة، فتعرفه حتّى عرفه، فقال: اذهب حيث شئت، فلو كنت تحت قدمي ما أخرجتك.

ولما عظم صيته اندسّ له جماعة من الخوارج في ضيعة له بسجستان، فقتلوه وهو يحتجم، فتبعهم ابن أخيه فقتلهم جميعهم، ورثاه الشعراء

ومن أحسن ذلك قول مروان بن أبي حفصة في قصيدته التي أولها:

مضى لسبيله معن وأبقىمكارم لن تبيد ولن تنالا
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «مضى لسبيله معن وأبقى»

واستنشده إيّاها جعفر البرمكي، فأنشده فبكى، وأجازه بستمائة دينار.

وروي أنه دخل على المهدي بن المنصور، فمدحه، فقال له: ألست القائل؟:

وقلنا أين ترحل بعد معنفقد ذهب النّوال ولا نوالا

وأمر بإخراجه، ثم وفد عليه في العام المقبل. وكانت الشعراء إنما تدخل على الخلفاء في كل عام مرّة، ثم مدحه بقصيدته التي يقول فيها:

طرقتك زائرة فأعجب بها، وهي مائة بيت، أعطاه مائة ألف درهم، وهي أول إجازة بمائة ألف أعطيها شاعر في خلافة العباسيين.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.