من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثمان وخمسين ومائة
فيها صادر المنصور خالد بن برمك، وأخذ منه ثلاثة آلاف درهم، ثم رضي عنه وأمّره على الموصل.
وفيها توفي أفلح بن حميد الأنصاريّ المدنيّ. روى عن القاسم، وأبي بكر بن حزم.
وفيها حيوة بن شريح أبو زرعة.
قال السّيوطي في «حسن المحاضرة»: ابن شريح بن صفوان التّجيبيّ أبو زرعة المصريّ، الفقيه، الزّاهد، العابد، أحد العبّاد والعلماء السادة. عن يزيد بن أبي حبيب. وعنه اللّيث. سئل عنه أبو حاتم فقال: هو أحبّ إليّ من اللّيث بن سعد، ومن المفضّل بن فضالة.
وقال ابن المبارك: ما وصف لي أحد ورأيته إلّا كانت رؤيته دون صفته، إلّا حيوة بن شريح، فإن رؤيته كانت أكبر من صفته. عرض عليه قضاء مصر فأبى. انتهى.
وقال ابن ناصر الدّين: الإمام القدوة. كان كبير الشّأن، مجاب الدّعوة.
انتهى.
وقال في «العبر»: صحب يزيد بن أبي حبيب. وروى عن يونس مولى أبي هريرة وطبقته، وكان مجاب الدّعوة. انتهى.
وفيها زفر.
قال في «المعارف»: زفر بن الهذيل بن قيس من بني العنبر، ويكنّى أبا الهذيل، وكان قد سمع الحديث وغلب عليه الرّأي، ومات بالبصرة، وكان أبوه الهذيل على أصبهان. انتهى.
وقال في «العبر»: زفر بن الهذيل العنبريّ الفقيه صاحب أبي حنيفة، وله ثمان وأربعون سنة وكان ثقة في الحديث، موصوفا بالعبادة، نزل البصرة وتفقّهوا عليه.
وفيها عبيد الله بن أبي زياد الرّصافيّ الشاميّ صاحب الزّهريّ، وثّقه الدّارقطنيّ لصحة كتابه. وما روى عنه إلّا حفيده حجّاج بن أبي منيع.
وفيها عبد الله بن عيّاش الهمدانيّ الكوفيّ صاحب الشّعبيّ، ويعرف بالمنتوف.
وعوانة بن الحكم البصريّ الأخباريّ.
وفيها كما قال ابن الجوزي في «الشذور»: نزل المنصور قصره المسمى بالخلد على دجلة، ثم حجّ وتوفي ببئر ميمون، وكانت مدّة خلافته إحدى
وعشرين سنة، وأحد عشر شهرا، وأربعة عشر يوما، وهو محرم وأخذت البيعة للمهديّ. انتهى.
قال في «العبر»: توجّه المنصور للحجّ، فأدركه أجله يوم سادس ذي الحجّة عند بئر ميمون بظاهر مكّة محرما، فأقام الموسم الأمير إبراهيم بن يحيى بن محمّد صبيّ أمرد، وهو ابن أخي المنصور، واستخلف المهديّ، وتوفي وله ثلاث وستون سنة، وكانت أميه بربريّة، وكان طويلا، مهيبا أسمر، خفيف اللحية، رحب الجبهة، كأنّ عينيه لسانان ناطقان، تقبله النّفوس، وكان يخالطه أبّهة الملك بزيّ أولي النسك، ذا حزم، وعزم، ودهاء، ورأي، وشجاعة، وعقل، وفيه جبروت وظلم. انتهى.
وقال ابن الأهدل: كان لا يبالي أن يحرس ملكه بهلاك من كان.
وكان قد روى العلم، وعرف الحلال والحرام، وساس هو وبنوه ملكهم سياسة الملوك، ووليّ بعده المهديّ، وكان المنصور استأذن أخاه السّفّاح في الحجّ، فجاءه نعي السّفّاح في بعض الطريق، فسار مسرعا حتّى دخل دار الخلافة، وظفر بالأموال، وتقررت قواعده، ولما أراد إنشاء مدينة السّلام- بعد أن مكث سنة يتردد- فقال له راهب: كأن هناك ما تريد؟ قال: أريد أن أبني ها هنا مدينة.
قال الرّاهب: إن صاحبها يقال له: مقلاص. فقال المنصور: أنا والله كنت أدعى بذلك في الكتّاب. ثم قال له منجّمه: أحكم الآن بالبناء فإنه يتم بناؤها ولا يكون لها في الدّنيا نظير. قال: ثم ماذا قال: ثم تخرب بعد موتك خرابا ليس بالصحراء ولكن دون العمران، فوضع المنصور أول لبنة بيده وقال:
بسم الله الرحمن الرحيم: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها من يَشاءُ من عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
ولما تمّ بناؤها وانتقل إلى قصره، وقف يتأمل باب القصر، فإذا عليه مكتوب:
ادخل القصر لا تخاف زوالابعد ستّين من سنيّك ترحل
فوقف مليّا، وتغرغرت عيناه، ثم قال: لعبة لغافل، وفسحة لجاهل، وكان وقوفه أنه حسب ما بقي من عمره من المولد إلى تمام ستين. انتهى.
قال المدائنيّ: خرجت مع المنصور في حجّته التي مات فيها، فسألني عن سنّي، فقلت: ثلاث وستون، فقال، وأنا فيها، وهي دقّاقة الأعناق، فنزلنا منزلا، فوجد مكتوبا على الحائط:
أبا جعفر حانت وفاتك وانقضتسنوك وأمر الله لا شكّ نازل
أبا جعفر هل كاهن أو منجّميردّ قضاء الله أم أنت جاهل
فجعل يراه وينظر إليه ولا نرى نحن شيئا.
وذكر النووي في «تهذيبه» واقعة جرت له مع سفيان الثّوريّ، وذلك أنه أرسل لقتل سفيان قبل دخوله مكّة، فجاء سفيان إلى الفضيل، وسفيان بن عيينة، فضرع لهما، وجلس بينهما، فقالا: اتق الله ولا تشمت بنا الأعداء،
فقام سفيان إلى البيت وأخذ برتاجه وقال: برئت منه إن دخلها أبو جعفر، فلم يدخلها إلّا ميتا. انتهى.
وفيها أيضا مات طاغية الرّوم قسطنطين بن أليون إلى اللعنة.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع