تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة سبع وستين ومائة

فيها جدّ المهديّ في طلب الزّنادقة في الآفاق، وأكثر الفحص عنهم، وقتل طائفة.

وفيها أمر بالزيادة في المسجد الحرام، وغرّم عليها أموالا عظيمة، وأدخلت فيه دور كثيرة.

وفيها كان الوباء العظيم بالعراق.

وفيها توفي حمّاد بن سلمة بن دينار البصريّ الحافظ في آخر السّنة.

سمع قتادة، وأبا جمرة الضّبعي، وطبقتهما، وكان سيّد أهل وقته.

قال وهيب بن خالد: حمّاد بن سلمة سيّدنا وأعلمنا.

وقال ابن المديني: كان عند يحيى بن ضريس عن حمّاد بن سلمة عشرة آلاف حديث.

وقال عبد الرّحمن بن مهدي: لو قيل لحمّاد بن سلمة: إنك تموت غدا ما قدر أن يزيد في العمل شيئا.

وقال شهاب البلخيّ: كان حمّاد بن سلمة يعدّ من الأبدال.

وقال غيره: كان فصيحا، مفوّها، إماما في العربية، صاحب سنّة.

له تصانيف في الحديث، وكان بطاينيا، فروى سوّار بن عبد الله، عن أبيه قال: كنت آتي حمّاد بن سلمة في سوقه، فإذا ربح في ثوب حبّة، أو حبّتين، شدّ جونته وقام.

وقال موسى بن إسماعيل: لو قلت: إني ما رأيت حمّاد بن سلمة ضاحكا لصدقت. كان يحدّث، أو يسبّح، أو يقرأ، أو يصلّي، قد قسم النهار على ذلك.

قلت: وهو أحد الحمّادين وأجلّهما، صاحبي المذهبين، أحدهما هذا، والثاني حمّاد بن زيد بن درهم، وتأخر موته عن هذا، وسنتكلم عليه- إن شاء الله تعالى-.

قال صاحب «الجواهر المضيّة في طبقات الحنفية» في آخرها:

فائدة، الحمّادان: حمّاد بن زيد بن درهم، وحمّاد بن سلمة بن دينار، ولقد ألطف عبد الله بن معاوية [الجهميّ] حيث قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة بن دينار، وحمّاد بن زيد بن درهم، وفضل ابن سلمة على ابن زيد كفضل الدّينار على الدّرهم. انتهى والله أعلم.

وفيها الحسن بن صالح بن حيّ الهمدانيّ، فقيه الكوفة وعابدها. روى عن سماك بن حرب وطبقته.

وقال أبو نعيم: ما رأيت أفضل منه.

وقال أبو حاتم: ثقة، حافظ، متقن.

وقال ابن معين: يكتب رأي الحسن بن صالح. يكتب رأي الأوزاعي، هؤلاء ثقات.

وقال وكيع: الحسن بن صالح يشبّه بسعيد بن جبير، كان هو وأخوه علي وأمهما قد جزّءوا الليل ثلاثة أجزاء. فماتت، فقسّما الليل سهمين فمات عليّ، فقام الحسن الليل كلّه.

قال في «العبر»: قلت: مات عليّ سنة أربع وخمسين وهما توأم أخرج لهما مسلم. انتهى.

وقال في «المعارف»: يكنّى الحسن أبا عبد الله، وكان يتشيع، وزوّج عيسى بن زيد بن علي ابنته، واستخفى معه في مكان واحد حتّى مات عيسى بن زيد، وكان طلبهما المهديّ فلم يقدر عليهما. ومات الحسن بعد عيسى بستة أشهر. انتهى.

وفيها الرّبيع بن مسلم الجمحيّ مولاهم البصريّ، وكان من بقايا أصحاب الحسن.

ومفضّل بن مهلهل السعديّ الكوفيّ صاحب منصور.

قال أحمد العجليّ: كان ثقة صاحب سنّة وفضل وفقه. لما مات الثّوريّ، جاء أصحابه إلى مفضّل فقالوا: تجلس لنا مكانه. قال: ما رأيت صاحبكم يحمد مجلسه.

وفيها فقيه الشّام بعد الأوزاعيّ أبو محمّد سعيد بن عبد العزيز التّنوخيّ، عن نحو ثمانين سنة. أخذ عن مكحول، وربيعة القصير، ونافع مولى ابن عمر، وخلق، وكان صالحا، قانتا، خاشعا.

قال: ما قمت إلى صلاة إلّا مثلت لي جهنم.

وقال الحاكم: هو لأهل الشّام كمالك لأهل المدينة.

وفيها أبو روح سلّام بن مسكين البصريّ. روى عن الحسن والكبار.

وقال أبو سلمة التّبوذكيّ: كان من أعبد أهل زمانه.

وأبو شريح عبد الرّحمن بن شريح المعافريّ بالاسكندرية. روى عن أبي قبيل وطبقته، وكان ذا عبادة وفضل وجلالة.

قال السيوطيّ في «حسن المحاضرة»: ذكره ابن حبّان في الثقات.

انتهى.

وأبو عقيل يحيى بن المتوكل المدنيّ ببغداد. روى عن بهيّة وابن

المنكدر، وليس بالقوي عندهم. قاله في «العبر».

وعبد العزيز بن مسلم بالبصرة. روى عن مطر الورّاق، وطائفة، وكان عابدا قدوة. روى عن يحيى السّيلحيني، وقال: كان من الأبدال.

والقاسم بن الفضل الحدّانيّ بالبصرة. روى عن ابن سيرين والكبار، وكان كثير الحديث.

قال ابن مهدي: هو من مشايخنا الثقات. وقد خرّج له مسلم والأربعة.

قال في «المغني»: القاسم بن الفضل الحدّاني. عن أبي نضرة وغيره. صدوق. وثّقه ابن معين وأورده العقيليّ في «الضعفاء» فما تكلم فيه بما يضعفه قطّ. انتهى.

وأبو هلال محمّد بن سليم الرّاسبيّ بالبصرة. روى عن الحسن والكبار.

وثّقه أبو داود وغيره، وهو حسن الحديث. قاله في «العبر».

ومحمّد بن طلحة بن مصرّف الياميّ الكوفيّ أحد المكثرين الثقات.

يروى عن أبيه وطبقته.

وفيها أبو حمزة محمّد بن ميمون المروزيّ السّكّريّ. ارتحل وأخذ عن زياد بن علاقة ونحوه، وكان شيخ بلده في الحديث، والفضل، والعبادة.

قال ابن ناصر الدّين: هو شيخ خراسان. كان ثقة ثبتا، كريما يقري الضيف ويبالغ في إكرامه، ولقّب بالسّكّريّ لحلاوة كلامه. انتهى.

وفيها أبو بكر الهذليّ البصريّ الأخباريّ أحد الضعفاء، واسمه سلمى.

روى عن الشّعبيّ، ومعاذة العدويّة، والقدماء.

وفيها قتل في الزّندقة بشّار بن برد البصريّ الأعمى، شاعر العصر.

قال ابن الأهدل: بشّار بن برد العقيليّ مولاهم الشّاعر المشهور، كان أكمه، جاحظ العينين، فصيحا، مفوّها، وكان يمدح المهديّ فرمي عنده بالزّندقة، فضربه حتّى مات، وقد نيّف على السبعين.

قيل: كان يفضّل النار على الطين، ويصوّب رأي إبليس في امتناعه من السجود لآدم، وينسب إليه هذا البيت.

الأرض مظلمة والنّار مشرقةوالنّار معبودة مذ كانت النّار
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «الأرض مظلمة والنار مشرقة»

قيل: وفتّشت كتبه فلم يوجد فيها شيء مما رمي به.

وقيل: إنه هجا صالح بن داود أخا يعقوب الوزير فقال:

هم حملوا فوق المنابر صالحاأخاك فضجّت من أخيك المنابر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «هم حملوا فوق المنابر صالحا»

فقال يعقوب للمهديّ: إن بشّارا هجاك بقوله:

خليفة يزني بعمّاتهيلعب بالدّبّوق والصّولجان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خليفة يزني بعماته»
أبدلنا الله به غيرهودسّ موسى في حر الخيزران
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خليفة يزني بعماته»

والخيزران امرأة المهديّ، وإليها تنسب دار الخيزران بمكّة، فقتله المهديّ. انتهى.

وقال ابن قاضي شهبة: زنادقة الدّنيا أربع: بشّار بن برد، وابن الرّاوندي، وأبو حيّان التّوحيدي، وأبو العلاء المعرّي. انتهى.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.