من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة تسع وستين ومائة
فيها عزم المهديّ على أن يقدّم هارون في العهد، ويؤخّر موسى الهادي، فطلبه وهو بجرجان ففهمها ولم يقدم. فهمّ بالمسير إلى جرجان لذلك.
وفيها لثمان بقين من المحرّم ساق المهديّ- واسمه محمّد أبو عبد الله بن أبي جعفر عبد الله بن محمّد بن علي بن عبد الله بن عبّاس العبّاسي- خلف صيد، فدخل الوحش خربة، فدخل الكلاب خلفه، وتبعهم المهديّ، فدق ظهره في باب الخربة لشدّة سوقه، فتلف لساعته. وقيل: بل أكل طعاما سمّته جارية لضرّتها، فلما وضع يده فيه ما جسرت أن تقول: هيّأته لضرّتي. فيقال: كان إنجاصا، فأكل واحدة، وصاح من جوفه، ومات من الغد عن ثلاث وأربعين سنة.
كانت خلافته عشر سنين وشهرا.
وكان جوادا، ممدّحا، محبّبا إلى النّاس، وصولا لأقاربه، حسن الأخلاق، حليما، قصّاما للزنادقة، وكان طويلا أبيض مليحا.
يقال: إن المنصور خلّف في الخزائن مائة ألف ألف وستين ألف ألف درهم، ففرّقها المهديّ ولم يل الخلافة أحد أكرم منه، ولا أبخل من أبيه.
ويقال: إنه أعطى شاعرا مرّة خمسين ألف دينار.
ويقال: إنه استضاف أعرابيا وقد انفرد عن جيشه في طلب صيد حتّى جهد وعطش، فسقاه لبنا مشوبا، فكتب له بخمسمائة ألف، فأيسر ذلك الأعرابيّ وكثرت مواشيه، وبقي مرصدا للحاج، وسمي مضيف أمير المؤمنين.
وقال في «مروج الذهب»: حدّث الفضل بن الرّبيع قال: خرج المهديّ يوما متنزّها ومعه عمرو بن ربيع مولاه، وكان شاعرا، فانقطع عن المعسكر، والنّاس في الصيد، وأصاب المهديّ جوع شديد، فقال لعمرو:
ويحك ارتد إنسانا نجد عنده ما نأكل، قال: فما زال عمرو يطوف إلى أن وجد صاحب مبقلة وإلى جانبها كوخ له، فصعد إليه، فقال له عمرو: أما عندك شيء يؤكل؟ قال: نعم، رقاق من [خبز] شعير ورثيئة وهذا البقل، والكراث فقال له المهديّ: إن كان عندك زيت فقد أكملت، قال: نعم، عندي فضلة منه، فقدّم إليهما ذلك، فأكلا أكلا كثيرا، وجعل المهدي يستطيب أكله ويمعن فيه، حتّى لم يكن فيه فضل، فقال لعمرو: قل شيئا
تصف فيه ما نحن فيه، فقال عمرو:
إنّ من يطعم الرّثيئة بالزّيت وخبز الشّعير بالكرّاث
لحقيق بصفعة أو بثنتين لسوء الصّنيع أو بثلاث
فقال له المهديّ: بئس والله ما قلت، ولكن أحسن من ذلك أن تقول:
لحقيق ببدرة أو بثنتين لحسن الصّنيع أو بثلاث
ووافى المعسكر، ولحقته الخزائن، والخدم، والمواكب، فأمر لصاحب المبقلة بثلاث بدر دراهم.
وعار فرس المهديّ مرّة أخرى، وقد خرج للصيد فدفع إلى خباء أعرابي وهو جائع، فقال: يا أعرابيّ هل عندك من قرى فإني ضيفك، وأنا جائع، فقال: أراك طريرا سمينا، جسيما، عميما، فإن احتملت الموجود قرّبنا لك ما يحضر قال: هات ما عندك، فأخرج له خبز ملّة فأكلها، وقال: طيبة، هات ما عندك، فأخرج له لبنا فسقاه، فقال طيب،
هات ما عندك، فأخرج له فضلة نبيذ في زكرة فشرب الأعرابيّ وسقاه، فلما شرب قال له المهديّ: أتدري من أنا؟ قال: لا والله. قال: أنا من خدم الخاصّة، قال: بارك الله لك في موضعك وحيّاك من كنت، ثم شرب الأعرابيّ قدحا وسقاه، فلما شرب قال [له]: يا أعرابيّ أتدري من أنا؟ قال:
نعم ذكرت لي أنك من خدم الخاصة. قال: لست كذلك. قال فمن أنت؟ قال: أنا أحد قوّاد المهديّ. قال: رحبت دارك وطاب مزارك، ثم شرب الأعرابيّ قدحا وسقاه، فلما شرب الثالث قال: يا أعرابيّ، أتدري من أنا؟
قال: نعم زعمت أنك أحد قوّاد المهديّ. قال: فلست كذلك، أنا أمير المؤمنين بنفسه، فأخذ الأعرابيّ زكرته فوكأها فقال له المهديّ:
اسقنا. قال: لا والله لا تشرب منها جرعة فما فوقها، قال: ولم؟ قال:
سقيتك واحدا، فزعمت أنك من خدم الخاصة، فاحتملناها لك، ثم سقيناك آخر فزعمت أنك من قوّاد المهديّ، فاحتملناها لك، ثم سقيناك الثالث فزعمت أنك أمير المؤمنين، ولا والله ما آمن أن أسقيك الرابع فتقول
إنك رسول الله، فضحك المهديّ، وأحاطت به الخيل، ونزل إليه أبناء الملوك والأشراف، فطار قلب الأعرابيّ، ولم يكن همّه إلا النجاة [بنفسه] فجعل يشتد في عدوه، فردّ إليه فقال له المهديّ: لا بأس عليك، وأمر له بصلة جزيلة من مال، وكسوة، فقال له: أشهد أنك الآن صادق ولو ادّعيت الرابعة والخامسة، وضمّه في خواصّه، وأجرى له رزقا.
انتهى كلام المسعودي.
وأول من هنّأه، وعزّاه، وأجازه، أبو دلامة حيث يقول:
عيناي واحدة ترى مسرورةبأميرها جذلى وأخرى تذرف
تبكي وتضحك تارة ويسوؤهاما أنكرت ويسرّها ما تعرف
فيسوؤها موت الخليفة محرماويسرّها أن قام هذا الأرأف
هلك الخليفة يال أمّة أحمدوأتاكم من بعده من يخلف
وقال عليّ بن يقطين: كنّا مع المهديّ بما سبذان فقال لي يوما:
أصبحت جائعا فأتني بأرغفة ولحم بارد [مطبوخ بالخلّ] ففعلت، ثم دخل البهو فنام، ثم نمنا نحن [في الدّار] في الرّواق، فانتبهنا لبكائه، فبادرنا إليه مسرعين، فقال: أما رأيتم ما رأيت؟ قلنا: ما رأينا شيئا. قال:
وقف على [الباب] رجل لو أنه في ألف رجل ما خفي عليّ صوته ولا صورته فقال:
كأنّي بهذا القصر قد باد آهلهوأوحش منه ربعه ومنازله
وصار عميد القوم من بعد بهجةوملك إلى قبر عليه جنادله
فلم يبق إلّا ذكره وحديثهتنادي عليه معولات حلائله
قال عليّ: فما أتت على المهديّ بعد رؤياه هذه إلّا عشرة أيام حتّى توفي ﵀.
وفيها لما مات المهديّ، أرسلوا بالخاتم، والقضيب، إلى الهاديّ، فأسرع إلى البريد ودخل بغداد وبالغ في طلب الزنادقة، وقتل منهم عدّة.
وفيها خرج الحسين بن علي بن حسن بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسنيّ بالمدينة وبايعه عدد كثير، وحارب العسكر
الذي بالمدينة، وقتل مقدّمهم خالد البربري ثم تأهّب وخرج في جمع إلى مكّة، فالتفّ عليه خلق كثير، فأقبل ركب العراق معهم جماعة من أمراء بني العبّاس في عدّة وخيل، فالتقوا بفخّ فقتل الحسين في مائة من أصحابه.
وقتل الحسن بن محمّد بن عبد الله بن حسن الذي خرج أبوه زمان المنصور.
وهرب إدريس بن عبد الله بن حسن إلى المغرب، فقام معه أهل طنجة، وهو جدّ الشرفاء الإدريسيّين. ثم تحيّل الرّشيد وبعث من سمّ إدريس، فقام بعده ابنه إدريس بن إدريس، وتملّك مدّة.
وفيها توفي أبو السّليل عبيد الله بن إياد بن لقيط الكوفيّ، وله عن أبيه نسخة، وكان عريف قومه بني سدوس.
قال في «المغني»: عبيد الله بن إياد بن لقيط، ثقة.
قيل: إن بعض روايته صحيحة. قاله ابن قانع.
وفيها- كما قال ابن ناصر الدّين- نافع بن عمر الجمحيّ القرشيّ المكيّ.
كان محدّث مكّة، حافظا، ثبتا.
قال عبد الرّحمن بن مهدي: كان من أثبت النّاس.
قال في «المغني»: نافع بن عمر الجمحيّ، حجّة.
قال أحمد: ثقة ثبت.
وقال ابن سعد: ثقة فيه شيء. انتهى.
ومحمد بن مطرّف المدنيّ، ثقة عمدة.
ومعاوية بن سلّام بن أبي سلّام- ممطور الحبشيّ الشّاميّ الدّمشقيّ- كان ثقة متقنا.
وجرير بن حازم الأزديّ البصريّ، أحد فصحاء البصرة ومحدّثيها، عمّر دهرا، واختلط بآخرة، فحجبه ابنه وهب، فلم يرو شيئا في اختلاطه. روى عن الحسن والكبار، وحضر جنازة أبي الطّفيل بمكّة.
وقيل: توفي جرير هذا سنة سبعين. جزم به في «العبر».
وفيها أبو سعيد المؤدّب ببغداد، واسمه محمّد [بن مسلم] وهو جزريّ. روى عن عبد الكريم الجزريّ، وحمّاد بن أبي سليمان، [وجماعة] وهو مؤدّب موسى الهادي.
وفيها نافع بن أبي نعيم أبو عبد الرّحمن، وقيل: أبو رويم اللّيثيّ، مولاهم، قارئ أهل المدينة، وأحد السّبعة.
قال موسى بن طارق: سمعته يقول: قرأت على سبعين من التابعين.
وقال اللّيث: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة، وإمام النّاس في القراءة
نافع بن أبي نعيم.
وقال مالك: نافع إمام النّاس في القراءة.
قال في «المغني»: وثّقه ابن معين وقال أحمد: كانت تؤخذ عنه القراءة وليس بشيء في الحديث. انتهى.
وكان إذا قرأ يشمّ من فيه ريح المسك، ولذا قال في «الشاطبية»:
فأما الكريم السرّ في الطيب نافع وفيها ثابت بن يزيد الأحول البصريّ، له عن هلال بن خبّاب وجماعة، وكان من ثقات الشيوخ.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع