تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثلاث ومائتين

فيها استوثقت الممالك للمأمون، وقدم بغداد في رمضان من خراسان واتخذها سكنا.

وفيها في [ذي] الحجّة حدث بخراسان زلازل أقامت سبعين يوما، وهلك بها خلق كثير وبلاد كثيرة.

وفيها غلبت السوداء على عقل الحسن بن سهل حتّى شدّ في الحديد.

وفيها توفي أزهر بن سعد السّمّان، أبو بكر البصريّ. روى عن سليمان التّيميّ وطبقته، وعاش أربعا وتسعين سنة.

قال ابن ناصر الدّين: كان ثقة من فضلاء الأئمة وعلماء الأمة.

وقال ابن الأهدل: كان يصحب المنصور قبل خلافته، فجاء يسلّم عليه بالخلافة ويهنّئه، فحجبه، فترصد يوم جلوسه العام، فقال له: ما جاء بك؟ قال:

جئت مهنئا للأمير، فأعطاه ألفا وقال: لا تعد فقد قضيت التهنئة، فجاءه من قابل، فسأله، فقال: سمعت بمضرك فجئت عائدا، فأمر له بألف، وقال:

قولوا له: لا تعد فقد قضيت وظيفة العيادة وأنا قليل المرض. ثم جاء من قابل، فسأله فقال: سمعت منك دعاء فأردت أتحفظه، فقال: إنه غير مستجاب لأني دعوت به أن لا تعود فعدت. انتهى.

وفي ذي القعدة الإمام حسين بن علي الجعفيّ، مولاهم، الكوفيّ، المقرئ الحافظ. روى عن الأعمش وجماعة.

قال أحمد بن حنبل: ما رأيت أفصل منه، ومن سعيد بن عامر الضّبعي.

وقال يحيى بن يحيى النيسابوري: إن بقي أحد من الأبدال فحسين الجعفي، وكان مع تقدّمه في العلم رأسا في الزهد والعبادة.

وقال ابن ناصر الدّين: هو ثقة، وكان يقال له: راهب الكوفة.

وفيها الحسين بن الوليد النيسابوري [الفقيه]. رحل وأخذ عن مالك بن مغول وطبقته. وقرأ القرآن على الكسائي. وكان كثير الغزو والجهاد والكرم.

وفيها خزيمة بن خازم الخراسانيّ الأمير، أحد القوّاد الكبار العباسيّة.

وداود بن يحيى بن يمان العجليّ، ثقة.

وزيد بن الحباب أبو الحسين الكوفيّ. سمع مالك بن مغول وخلقا كثيرا وكان حافظا صاحب حديث، واسع الرحلة، صابرا على الفقر والفاقة.

وفيها عثمان بن عبد الرّحمن الحرّانيّ الطرائفيّ، وكان يتتبّع طرائف الحديث، فقيل له: الطرائفيّ. روى عن هشام بن حسّان وطبقته، وهو صدوق.

وعليّ بن موسى الرّضا، الإمام أبو الحسن الحسينيّ بطوس، وله خمسون سنة، وله مشهد كبير بطوس يزار. روى عن أبيه موسى الكاظم، عن جده جعفر بن محمد الصّادق. وهو أحد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية. ولد بالمدينة سنة ثلاث أو إحدى وخمسين ومائة، ومات بطوس، وصلى عليه المأمون ودفنه بجنب أبيه الرّشيد. وكان موته بالحمى، وقيل:

بالسم، وكان المأمون أرسله إلى أخيه زيد بن موسى، وقد قام بالبصرة ليرده عن ذلك، فقال علي: يا زيد ما تريد بهذا؟ فعلت بالمسلمين الأذى وتزعم أنك من ولد فاطمة، والله لأشدّ النّاس عليك رسول الله- ﷺ يا زيد ينبغي لمن أخذ برسول الله- ﷺ أن يعطي به. ولما بلغ كلامه المأمون بكى.

وقال في «المغني»: عليّ بن موسى بن جعفر الرّضا، عن آبائه.

قال ابن طاهر: يأتي عن آبائه بعجائب.

قلت: الشأن في صحة الإسناد إليه، فإنه كذب عليه وعلى جده.

انتهى.

وفيها أبو داود الحفريّ عمر بن سعد بالكوفة. روى عن مالك بن مغول ومسعر. وكان من عبّاد المحدّثين.

قال أبو حمدون المقرئ: لما دفنّاه تركنا بابه مفتوحا، ما خلّف شيئا.

وقال ابن المديني: ما رأيت بالكوفة أعبد منه.

وقال وكيع: إن كان يدفع [البلاء] بأحد في زماننا فبأبي داود الحفري.

وفيها عمر بن عبد الله بن رزين السلميّ النيسابوريّ. رحل وسمع محمد بن إسحاق وطبقته.

قال سهل بن عمّار: لم يكن بخراسان أنبل منه.

وفيها أبو حفص عمر بن يونس اليمامي. روى عن عكرمة بن عمّار وجماعة، وكان ثقة مكثرا.

وفيها محمد بن بكر البرسانيّ بالبصرة. روى عن ابن جريج [وطبقته]. وكان أحد الثقات الأدباء الظرفاء.

ومحمد بن بشر العبديّ الكوفيّ الحافظ. روى عن الأعمش وطبقته.

قال أبو داود: هو أحفظ من كان بالكوفة في وقته.

وقال ابن ناصر الدّين: محمد بن بشر العبديّ الكوفيّ أبو عبد الله ثقة، أحفظ من كان بالكوفة. انتهى.

ومحمد بن عبد الله أبو أحمد الزّبيريّ الأسديّ مولاهم الكوفيّ.

روى عن يونس بن إسحاق وطبقته.

وقال أبو حاتم: كان ثقة حافظا عابدا مجتهدا، له أوهام.

وأبو جعفر محمّد بن جعفر الصّادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين، الحسينيّ المدنيّ، الملقب بالدّيباج. روى عن أبيه، وكان قد خرج بمكّة سنة مائتين ثم عجز وخلع نفسه، وأرسل إلى المأمون فمات بجرجان، ونزل المأمون في لحده. وكان عاقلا شجاعا يصوم يوما ويفطر يوما.

يقال: إنه جامع وافتصد ودخل الحمام في يوم [واحد] فمات فجأة.

وفيها مصعب بن المقدام الكوفيّ. روى عن ابن جريج وجماعة.

وفيها النّضر بن شميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم المازنيّ- مازن ابن مالك بن عمرو بن تيم بن مر- أبو الحسن البصريّ نزيل مرو وعالمها.

كان إماما حافظا جليل الشأن، وهو أول من أظهر السّنّة بمرو وجميع بلاد خراسان. روى عن حميد وهشام بن عروة وطبقته [والكبار] وكان رأسا في الحديث، رأسا في اللغة والنحو، ثقة، صاحب سنة.

قال ابن الأهدل: ضاقت معيشته بالبصرة فرحل إلى خراسان فشيّعه من البصرة نحو من ثلاثمائة عالم، فقال لهم: لو وجدت كل يوم كيلجة باقلاء ما فارقتكم، فلم يكن فيهم من تكفّل له بذلك، وأقام بمرو، واجتمع له هناك مال. سمع النّضر من هشام بن عروة وغيره من أئمة التّابعين. وسمع عليه ابن معين، وابن المديني، وغيرهم.

وروى المأمون يوما عن هشيم بسنده المتصل إلى رسول الله- ﷺ: «إذا تزوّج المرأة لدينها وجمالها، فيها سداد من عوز» بفتح السين، فرده النّضر وقال: هو بكسر السين، فقال له المأمون: تلحّنني! فأقصر، فقال: إنما لحن هشيم، وكان لحّانة، لأن السداد بالفتح: القصد في الدّنيا والسبيل، وبالكسر: البلغة، وكل ما سددت به شيئا فهو سداد يعني بكسر السين، ومنه قول العرجي:

أضاعوني وأيّ فتى أضاعواليوم كريهة وسداد ثغر
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «حمى ثغرا بخال عنبري»

فأمر له بجائزة جزيلة.

والعرجيّ المذكور، منسوب إلى العرج منزلة بين مكّة والمدينة، شاعر مشهور أموي. حبسه محمد بن هشام المخزومي أمير مكّة وخال عبد الملك لما شبّب بأمه، فأقام في الحبس سبع سنين ومات فيه عن ثمانين سنة وبعد البيت المذكور:

وصبر عند معترك المناياوقد شرعت أسنّتها بنحري

انتهى.

وفيها الوليد بن القاسم الهمدانيّ الكوفي. روى عن الأعمش وطبقته وكان ثقة.

وفيها الوليد بن مزيد العذريّ البيروتيّ صاحب الأوزاعيّ.

وفيها الإمام الحبر أبو زكريا يحيى بن آدم الكوفيّ المقرئ الحافظ الفقيه، أخذ القراءة عن أبي بكر بن عيّاش. وسمع من يونس بن أبي إسحاق، ونصر بن خليفة، وهذه الطبقة. وصنف التصانيف.

قال أبو أسامة: كان بعد الثوري في زمانه يحيى بن آدم.

وقال أبو داود: يحيى بن آدم واحد النّاس.

وذكره ابن المديني فقال: ﵀، أيّ علم كان عنده!.

وقال ابن ناصر الدّين: يحيى بن آدم بن سليمان القرشيّ مولاهم الكوفيّ الأحول، أبو زكريا. روى عنه أحمد، وإسحاق، وغيرهما. وكان إماما علّامة من المصنّفين، حافظا ثقة فقيها من المتقنين. انتهى

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.