تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة أربع ومائتين

فيها أعاد المأمون لبس السواد.

وفيها في سلخ رجب توفي فقيه العصر والإمام الكبير والجليل الخطير، أبو عبد الله محمد بن إدريس الشّافعيّ المطلبيّ بمصر، وله أربع وخمسون سنة. أخذ عن مالك، ومسلم بن خالد الزّنجي، وطبقتهما. وكان مولده بغزّة. ونقل إلى مكّة وله سنتان.

قال المزنيّ: ما رأيت أحسن وجها من الشّافعيّ، إذا قبض على لحيته لا تفضل عن قبضته.

وقال الزّعفرانيّ: كان خفيف العارضين يخضب بالحناء. وكان حاذقا بالرّمي يصيب تسعة من العشرة.

وقال الشّافعيّ: استعملت اللّبان سنة للحفظ فأعقبني صبّ الدّم سنة.

قال يونس بن عبد الأعلى: لو جمعت أمة لوسعهم [عقله].

وقال إسحاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكّة فقال: تعال حتّى أريك [رجلا] لم تر عيناك مثله. قال: فأقامني على الشّافعيّ.

وقال أبو ثور الفقيه: ما رأيت مثل الشّافعيّ، ولا رأى مثل نفسه.

وقال الشّافعيّ: سمّيت ببغداد ناصر الحديث.

وقال أبو داود: ما أعلم للشافعيّ حديثا خطأ.

وقال الشّافعيّ: ما شيء أبغض إليّ من الكلام وأهله. قاله في «العبر».

وقال السيوطيّ في «حسن المحاضرة»: الإمام الشافعيّ أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العبّاس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، جدّ رسول الله- ﷺ والسائب جده صحابي أسلم يوم بدر، وكذا ابنه شافع، لقي النّبيّ- ﷺ وهو مترعرع.

ولد الشافعيّ سنة خمسين ومائة بغزّة، أو بعسقلان، أو اليمن، أو منى، أقوال، ونشأ بمكة، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، و «الموطأ» وهو ابن عشر، وتفقه على مسلم بن خالد الزّنجي مفتي مكّة وأذن له في الإفتاء وعمره خمس عشرة سنة، ثم لازم مالكا بالمدينة، وقدم بغداد سنة خمس وتسعين فاجتمع عليه علماؤها وأخذوا عنه، وأقام بها حولين، وصنّف بها كتابه القديم، ثم عاد

إلى مكة، ثم خرج إلى بغداد سنة ثمان وتسعين فأقام بها شهرا، ثم خرج إلى مصر وصنف بها كتبه الجديدة ك «الأم» و «الأمالي الكبرى» و «الإملاء الصغير» و «مختصر البويطي» و «مختصر المزني» و «مختصر الرّبيع» و «الرسالة» و «السنن».

قال ابن زولاق: صنف الشّافعيّ نحوا من مائتي جزء ولم يزل بها ناشرا للعلم، ملازما للاشتغال [بجامع عمرو] إلى أن أصابته ضربة شديدة فمرض بسببها أياما، ثم مات يوم الجمعة سلخ رجب سنة أربع ومائتين.

قال ابن عبد الحكم: لما حملت أم الشّافعيّ به رأت كأنّ المشتري خرج من فرجها حتّى انقضّ بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية فتأوله أصحاب الرؤيا أنه يخرج عالم يخصّ علمه أهل مصر، ثم يتفرق في سائر البلدان.

وقال الإمام أحمد: إن الله تعالى يقيّض للنّاس في كل رأس مائة سنة من يعلّمهم السنن، وينفي عن رسول الله- ﷺ الكذب، فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشّافعيّ.

وقال الرّبيع: كان الشّافعيّ يفتي وله خمس عشرة سنة، وكان يحيي الليل إلى أن مات.

وقال أبو ثور: كتب عبد الرّحمن بن مهدي إلى الشّافعي أن يضع له كتابا فيه معاني القرآن ويجمع مقبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان النّاسخ والمنسوخ من القرآن والسّنّة، فوضع له كتاب «الرسالة».

قال الإسنوي: الشّافعي أول من صنف في أصول الفقه بالإجماع وأوّل من قرر ناسخ الحديث من منسوخه، وأول من صنف في أبواب كثيرة [من] الفقه معروفة. انتهى كلام السيوطي.

وكان يقول: وددت أن لو أخذ عني هذا العلم من غير أن ينسب إليّ منه شيء.

وقال: ما ناظرت أحدا إلا وددت أن يظهر الله الحق على يديه.

وكان يقول لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله أنت أعلم بالحديث مني، فإذا صحّ الحديث فأعلمني حتّى أذهب إليه شاميا كان أو كوفيا أو بصريا.

وكان- ﵁ مع جلالة قدره شاعرا مفلقا مطبوعا، فمن شعره الرائق الفائق قوله:

وما هي إلّا جيفة مستحيلةعليها كلاب همّهنّ اجتذابها
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «خبتْ نارُ نفسي بِاشْتِعالِ مَفَارِقي»
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلهاوإن تجتذبها نازعتك كلابها
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «خبت نار نفسي باشتعال مفارقي»

وقوله:

ما حكّ جلدك مثل ظفركفتولّ أنت جميع أمرك
للشاعر الإمام الشافعي، اقرأ القصيدة
وإذا بليت بحاجةفاقصد لمعترف بقدرك

وقوله معارضا لابن الأزرق وهو الغاية في المتانة:

إنّ الذي رزق اليسار ولم ينلأجرا ولا حمدا لغير موفّق
الجدّ يدني كلّ أمر شاسعوالجدّ يفتح كلّ باب مغلق
فإذا سمعت بأنّ مجدودا حوىعودا فأثمر في يديه فصدّق
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «فإذا سمعت بأن مجدودا حوى»
وإذا سمعت بأنّ محروما أتىماء ليشربه فغاص فحقّق
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «فإذا سمعت بأن مجدودا حوى»
لو أنّ بالحيل الغنى لوجدتنيبنجوم أرجاء السّماء تعلّقي
لكنّ من رزق الحجا حرم الغنىضدّان مفترقان أيّ تفرّق
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «فإذا سمعت بأن مجدودا حوى»
وأحقّ خلق الله بالهمّ امرؤذو همّة يبلى برزق ضيّق
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «فإذا سمعت بأن مجدودا حوى»
ومن الدّليل على القضاء وحكمهبؤس اللّبيب وطيب عيش الأحمق
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «فإذا سمعت بأن مجدودا حوى»

وله:

من نال منّي أو علقت بذمّتهأبرأته لله شاكر منّته
أرى معوّق مؤمن يوم الجزاأو أن أسوء محمّدا في أمّته

وقال:

إذا المرء أفشى سرّه لصديقهودلّ عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسهفصدر الذي يستودع السرّ أضيق
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «إذا المرء أفشى سره بلسانه»

[ومما ينسب إليه:

عليّ ثياب لو تباع جميعهابفلس لكان الفلس منهنّ أكثرا
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «علي ثياب لو تباع جميعها»
وفيهنّ نفس لو تقاس بمثلهانفوس الورى كانت أعزّ وأكبرا]

وفيها قاضي ديار مصر، إسحاق بن الفرات أبو نعيم التّجيبيّ، صاحب مالك.

قال الشّافعيّ: ما رأيت بمصر أعلم باختلاف النّاس من إسحاق بن الفرات، ﵀.

وقد روى إسحاق- ﵀ أيضا عن حميد بن هانئ، واللّيث بن سعد، وغيرهما.

وفي ثامن عشر شعبان أشهب بن عبد العزيز، أبو عمرو العامريّ،

صاحب مالك، وله أربع وستون سنة. وكان ذا مال وحشمة وجلالة.

قال الشّافعيّ: ما أخرجت مصر أفقه من أشهب لولا طيش فيه.

وكان محمد بن عبد الله بن [عبد] الحكم صاحب أشهب يفضّل أشهب على ابن القاسم.

قال ابن عبد الحكم: سمعت أشهب يدعو على الشّافعيّ بالموت، فبلغ ذلك الشّافعيّ فقال:

تمنّى رجال أن أموت وإن أمتفتلك طريق لست فيها بأوحد
فقل للّذي يبغي خلاف الذي مضىتزوّد لأخرى مثلها فكأن قد

ومكث أشهب بعد الشّافعيّ شهرا.

قال ابن عبد الحكم: وكان قد اشترى من تركة الشّافعيّ عبدا، فاشتريت ذلك العبد من تركة أشهب.

وفيها أبو علي الحسن بن زياد اللؤلؤيّ الكوفيّ، قاضي الكوفة وصاحب أبي حنيفة، وكان يقول: كتبت عن ابن جريج اثني عشر ألف حديث.

قال في «العبر»: ولم يخرّجوا له في الكتب الستة لضعفه، وكان رأسا في الفقه. انتهى.

وفيها الإمام أبو داود الطّيالسيّ، واسمه سليمان بن داود البصريّ الحافظ صاحب «المسند»، كان يسرد من حفظه ثلاثين ألف حديث.

قال الفلّاس: ما رأيت أحفظ منه.

وقال عبد الرّحمن بن مهدي: هو أصدق النّاس.

قال في «العبر»: قلت: كتب عن ألف شيخ، منهم ابن عون وطبقته. انتهى.

وقال ابن ناصر الدّين: الحافظ الكبير، من الحفاظ المكثرين، قيل:

غلط في أحاديث رواها من لفظه، وأتي في ذلك من قبل اتكاله على حفظه.

قال عمر بن شبّة: كتبوا عن أبي داود من حفظه أربعين ألف حديث.

انتهى.

وقيل: إنه أكل حبّ البلاذر لأجل الحفظ والفهم، فأحدث له جذاما وبرصا.

وفيها شجاع بن الوليد الكوفيّ، أبو بدر.

قال ابن ناصر الدّين: كان ثقة ورعا عابدا متقنا. انتهى.

وقال في «العبر»: كان من صلحاء المحدّثين وعلمائهم. روى عن الأعمش والكبار.

قال سفيان الثّوري: ليس بالكوفة أعبد من شجاع بن الوليد. انتهى.

وفيها أبو بكر الحنفيّ عبد الكبير بن عبد المجيد أخو أبي علي

الحنفي، بصريّ مشهور. صاحب حديث. روى عن خثيم بن عراك، وجماعة.

وفيها أبو نصر عبد الوهّاب بن عطاء الخفّاف. بصري. صاحب حديث وإتقان. سمع من حميد، وخالد الحذّاء، وطائفة.

قال ابن ناصر الدّين: عبد الوهّاب بن عطاء العجليّ الخفّاف أبو نصر، أحد علماء البصرة والحفاظ المهرة. جاء توثيقه عن الدّارقطنيّ وابن معين، وتكلم فيه البخاريّ وغيره بأنه ليس بالقويّ، ففيه لين. انتهى.

وفيها هشام بن محمّد بن السّائب الكلبيّ الأخباريّ النسّابة صاحب كتاب «الجمهرة» في النسب ومصنفاته تزيد على مائة وخمسين تصنيفا في التاريخ، والأخبار، وكان حافظا علامة إلّا أنه متروك الحديث، فيه رفض.

روى عن أبيه، وعن مجالد بن سعيد، وغيرهما. قاله في «العبر».

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.