من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثلاث عشرة ومائتين
فيها توفي أسد بن الفرات الفقيه أبو عبد الله المغربيّ، صاحب مالك، وصاحب «المسائل الأسدية» التي كتبها عن ابن القاسم.
وخالد بن مخلد القطوانيّ، أحد الحفّاظ بالكوفة. رحل وأخذ عن مالك وطبقته.
وقال أبو داود: صدوق شيعيّ.
وعبد الله بن داود الخريبيّ الحافظ الزاهد. سمع الأعمش والكبار. وكان من أعبد أهل زمانه. توفي بالكوفة في شوال وقد نيّف على التسعين، وهو ثقة.
وأبو عبد الرّحمن المقرئ، عبد الله بن يزيد، شيخ مكّة وقارئها ومحدّثها. روى عن ابن عون والكبار، ومات في عشر المائة، وقرأ القرآن سبعين سنة.
وعمرو بن عاصم الكلابيّ الثقة البصريّ. روى عن طبقة شعبة.
قال في «المغني»: صدوق مشهور.
قال بندار: لولا شيء لتركته. انتهى.
وفيها عبيد الله بن موسى العبسيّ الكوفيّ الحافظ. روى عن هشام بن عروة والكبار، وقرأ القرآن على حمزة، وكان إماما في الفقه، والحديث، والقرآن. موصوفا بالعبادة والصلاح، لكنه من رؤوس الشيعة.
وعمرو بن أبي سلمة التّنّيسيّ الفقيه. وأصله دمشقي. روى عن الأوزاعيّ وطبقته.
قال في «المغني»: ثقة.
وقال أبو حاتم: لا يحتج به. انتهى.
ومحمد بن سابق البغداديّ. روى عن مالك بن مغول وجماعة.
وقيل: توفي في السنة الآتية.
ومحمد بن عرعرة بن البرند الشّاميّ البصريّ. روى عن شعبة وطائفة. توفي في شوال.
وفيها الهيثم بن جميل البغداديّ الحافظ، نزيل أنطاكية. روى عن جرير بن حازم وطبقته، وكان من ثقات المحدّثين وصلحائهم وأثباتهم.
ويعقوب بن محمد الزّهريّ المدنيّ الفقيه الحافظ. روى عن إبراهيم بن سعد وطبقته، وهو ضعيف يكتب حديثه.
وفيها قتل المأمون عليّ بن جبلة الشاعر العكوّك السمين، أحد المبرزين من الموالي في الشعر، وكان ولد أعمى، وقيل: عمي صغيرا من الجدري.
حكى المبرّد قال: أخبرني علي بن القاسم قال: قال لي عليّ بن جبلة: زرت أبا دلف العجلي، فكنت لا أدخل إليه إلّا تلقّاني ببشره، ولا أخرج عنه إلّا تلافاني ببرّه. فلما أكثر ذلك هجرته أياما حياء منه، فبعث إليّ أخاه معقلا، فقال: يقول لك الأمير: هجرتنا وقعدت عنا، فإن كنت رأيت تقصيرا فيما مضى فاعذر فإننا نتلافاه في المستقبل ونزيد فيما يجب من برّك.
فكتبت إليه بهذه الأبيات:
هجرتك لم أهجرك من كفر نعمةوهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر
ولكنّني لمّا أتيتك زائرافأفرطت في برّي عجزت عن الشّكر
فم الآن لا آتيك إلّا مسلّماأزورك في الشّهرين يوما أو الشّهر
فإن زدتني برّا تزايدت جفوةفلا نلتقي طول الحياة إلى الحشر
فلما نظر فيها معقل استحسنها- وكان أديبا شاعرا أشعر من أخيه أبي دلف- فقال: جوّدت والله، وأحسنت، أما إن الأمير سيعجب بهذه الأبيات والمعاني، فلما أوصلها إلى أبي دلف استحسنها وكتب إليّ بهذه الأبيات:
ألا ربّ ضيف طارق قد بسطتهوآنسته قبل الضيافة بالبشر
أتاني يرجّيني فما حال دونهودون القرى من نائلي عنده ستري
رأيت له فضلا عليّ بقصدهإليّ وبرّا لا يعادله شكري
فلم أعد أن أدنيته وابتدأتهببشر وإكرام وبرّ على برّ
وزوّدته مالا سريعا نفادهوزوّدني مدحا يدوم على الدّهر
ووجّه الأبيات مع وصيف وألف دينار، فلذلك قلت فيه قصيدتي الغرّاء التي سارت واشتهرت في العجم والعرب:
إنما الدّنيا أبو دلفبين باديه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلفولّت الدّنيا على أثره
حدّث الزّعفرانيّ قال: لما بلغ المأمون قول عليّ بن جبلة في أبي دلف:
كلّ من في الأرض من عرببين باديه إلى حضره
مستعير منك مكرمةيكتسيها يوم مفتخره
استشاط غضبا وقال: ويل لابن الزانية، يزعم أنا لا نعرف مكرمة إلّا وهي مستعارة من أبي دلف، وطلبه، فهرب، فكتب في طلبه وأخذه، فحمل إليه، فلما مثل بين يديه قال: يا ابن اللّخناء أنت القائل كيت وكيت؟ وقرأ البيتين. أجعلتنا نستعير المكارم منه. فقال: عنيت أشكال أبي دلف، وأما أنتم فقد أبانكم الله بالفضل عن سائر عباده لما اختصكم به من النّبوّة، والكتاب، والحكمة، والملك، وما زال يستعطفه حتّى عفا عنه.
وقال بعض الرّواة: قتله، وقال: أما إني لا أستحلّ دمك بهذا القول، ولكني أستحلّه بكفرك وجرأتك على الله سبحانه إذ تقول في عبد ضعيف مهين تسوي بينه وبين ربّ العزّة:
أنت الذي تنزل الأيام منزلهاوتنقل الدّهر من حال إلى حال
وما مددت مدى طرف إلى أحدإلّا قضيت بأرزاق وآجال
ذاك الله- ﷿ ثم أمر فسلّ لسانه من قفاه. والأول أصح، وأنه مات حتف أنفه.
ومن مدح العكوّك لحميد بن عبد العزيز الطّوسي:
إنّما الدّنيا حميدوأياديه الجسام
فإذا ولّى حميدفعلى الدّنيا السّلام
وفيها توفي إسحاق بن مرار النحويّ اللغويّ أحد الأئمة الأعلام.
أخذ عنه أحمد بن حنبل، وأبو عبيد القاسم بن سلّام، ويعقوب بن السّكّيت.
وقال في حقّه: عاش مائة وعشرين سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع