من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة أربع عشرة ومائتين
وفيها التقى محمد بن حميد الطّوسيّ وبابك الخرّمي، فهزمهم بابك وقتل الطّوسيّ.
وفيها توجّه عبد الله بن طاهر بن الحسين على إمرة خراسان.
وأعطاه المأمون خمسمائة ألف دينار. وكان عبد الله من آدب النّاس وأعلمهم بأيام العرب. وسيأتي ذكره في سنة ثمان وعشرين ومائتين. عند ذكر وفاته.
وكان من أخصّائه وأخصاء والده عوف بن محلّم الشاعر، اختصّه بمنادمته طاهر بن الحسين، فلما مات طاهر اعتقد عوف أنه يخلص من قيد الملازمة، فلوى عبد الله بن طاهر هذا يده عليه، وتمسّك به، واجتهد عوف على التخلّص منه فلم يقدر، حتّى خرج عبد الله من العراق يريد خراسان وعوف عديله يسامره ويحادثه، فلما شارفوا الرّيّ سحرة وقد أدلجوا، فإذا بقمريّ يغرّد على سروة بأشجى صوت وأرقّ نغمة، فالتفت عبد الله إلى
عوف فقال: ألا تسمع هذا الصوت ما أرقّه وأشجاه، قاتل الله أبا كبير الهذلي حيث يقول:
ألا يا حمام الأيك فرخك حاضروغصنك ميّاد ففيم تنوح
فقال عوف: أيها الأمير أحسن والله أبو كبير وأجاد، إنه كان في هذيل أربعون شاعرا من المحسنين دون المتوسطين، وكان أبو كبير من أشعرهم، وأشهرهم، وأذكرهم، وأقدرهم.
قال عبد الله: أقسمت عليك إلا أجزت له هذا البيت، فقال: أصلح الله الأمير، شيخ مسنّ وأحمل على البديهة وعلى معارضة مثل أبي كبير وهو من قد علمت! فقال: سألتك بحق طاهر إلّا أجزته، فقال:
أفي كلّ عام غربة ونزوحأما للنّوى من ونية فيريح
لقد طلّح البين المشتّ ركائبيفهل أرينّ البين وهو طليح
وأرّقني بالرّيّ شجو حمامةفنحت وذو الشوق المشتّ ينوح
على أنها ناحت ولم تذر عبرةونحت وأسراب الدموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهماومن دون أفراخي مهامه فيح
ألا يا حمام الأيك فرخك حاضروغصنك ميّاد ففيم تنوح
أفق لا تنح من غير شيء فإننيبكيت زمانا والفؤاد صحيح
ولوعا وشطّت غربة دار زينبفها أنا أبكي والفؤاد قريح
عسى جود عبد الله أن يعكس النّوىفتضحي عصا التّطواف وهي طليح
فإنّ الغنى يدني الفتى من صديقهوعدم الفتى بالمقترين طروح
فاستعبر عبد الله ورقّ له لمّا سمع من تشوّقه إلى أولاده. وقال: يا أبا محلّم ما أحسن ما تلطفت به لحاجتك، وإني والله بك لضنين وبقربك لشحيح، ولكن والله لا جاوزت هذا حتّى ترجع إلى أهلك، وأمر له بثلاثين ألف درهم نفقة، ورحّله وردّه من موضعه، فأدركته المنية قبل وصوله إلى أهله، ولما ردّه عبد الله قال عوف:
يا بن الذي دان له المشرقانوألبس الأمن به المغربان
إن الثمانين وبلّغتهاقد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وأبدلتني بالنّشاط انحناوكنت كالصّعدة تحت السّنان
وعوّضتني من زماع الفتىوهمّه همّ الهجين الهدان
وهمت بالأوطان وجدا بهاوبالغواني أين مني الغوان
فقرّباني بأبي أنتمامن وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوةأوطانها حوران والرّقّتان
حيا قصور الشّاذياخ الحيامن بعد عهدي وقصور المباني
وهذه القصور التي ذكرها كلها بمرو، ونيسابور، وهي مساكن آل طاهر، وكان عوف يألفها لكثرة غشيانه إيّاها ومقامه معهم فيها، فلذلك دعا لها.
ومن شعر عوف:
وكنت إذا صحبت رجال قومصحبتهم وشيمتي الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهموأجتنب الإساءة إن أساءوا
وأبصر ما يريبهم بعينعليها من عيونهم غطاء
وكان عوف من بلغاء الشعراء وفصحائهم واختصت به بنو طاهر ولزمهم لمزيد ميلهم إليه وكثرة منحهم له كأبي الطّيب مع بني حمدان، غير أن عوفا لم يلحقه طمع أبي الطيب الذي فارق له بني حمدان.
وفيها توفي أحمد بن خالد الذّهبيّ الحمصيّ راوي المغازي عن ابن إسحاق، وكان مكثرا حسن الحديث.
وأبو أحمد حسين بن محمد المرّوذيّ المؤدّب ببغداد، ونسبته
بفتح الميم وضم الراء مع سكون الواو ويليها ذال مكسورة معجمة بعدها ياء النسبة، نسبة إلى مرو الرّوذ من أشهر مدن خراسان، وكان من حفاظ الحديث الثقات. روى عن ابن أبي ذئب، وشيبان، وأحمد بن حنبل. وروى عنه أحمد أيضا وغيره.
وفيها الفقيه عبد الله بن عبد الحكم أبو محمد المصريّ وله ستون سنة. وكان من جلّة أصحاب مالك. أفضت إليه الرياسة بمصر بعد أشهب، وسمع «الموطأ» على مالك.
يقال: إنه دفع للشّافعيّ عند قدومه ألف دينار، وأخذ له من تاجر ألفا، ومن رجلين آخرين ألفا. وله مصنفات في الفقه، وهو مدفون إلى جانب الشّافعيّ.
وفيها معاوية بن عمرو الأزديّ أبو عمرو البغداديّ الحافظ المجاهد.
روى عن زائدة وطبقته، وأدركه البخاريّ. وكان بطلا شجاعا معروفا بالإقدام.
كثير الرّباط.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع