تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة خمسين ومائتين

فيها توفي العلّامة أبو الطاهر، أحمد بن عمرو بن السّرح المصريّ الفقيه، مولى بني أميّة.

روى عن ابن عيينة، وابن وهب، وشرح «الموطأ».

وروى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي وابن ماجة، وغيرهم.

وفيها أبو الحسن أحمد بن محمد البزّيّ المقرئ مؤذن المسجد الحرام، وشيخ الإقراء. ولد سنة سبعين ومائة، وقرأ على عكرمة بن سليمان، وأبي الإخريط. وقرأ عليه جماعة، وكان لين الحديث حجة في القرآن.

قال الذهبيّ في «المغني»: أحمد بن محمد بن عبد الله البزّيّ مقرئ مكّة. ثقة في القراءة، وأما في الحديث، فقال أبو جعفر العقيلي:

منكر الحديث، يوصل الأحاديث، ثم ساق له حديثا متنه: «الدّيك الأبيض الأفرق حبيبي وحبيب حبيبي».

وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، سمعت منه ولا أحدث عنه.

وقال ابن أبي حاتم: روى حديثا منكرا. انتهى ما أورده الذهبي في «المغني».

وفيها الحارث بن مسكين، الإمام أبو عمرو، قاضي الدّيار المصرية وله ست وتسعون سنة. سأل اللّيث بن سعد. وسمع الكثير من ابن عيينة، وابن وهب، وأخذ في المحنة فحبس دهرا حتّى أخرجه المتوكل وولاه قضاء مصر، وكان من كبار أئمة السّنّة الثقات.

قال السيوطيّ في «حسن المحاضرة»: الحارث بن مسكين بن محمد ابن يوسف الأموي أبو عمرو المصريّ الحافظ الفقيه العلّامة. روى عنه أبو داود، والنسائي.

قال الخطيب: كان فقيها على مذهب مالك، ثقة في الحديث، ثبتا، وله تصانيف. ولد سنة أربع وخمسين ومائة، ومات ليلة الأحد لثلاث بقين من ربيع الأول سنة خمسين ومائتين. انتهى.

وفيها، ويقال في سنة خمس وخمسين، الإمام أبو حاتم السّجستانيّ سهل بن محمد، النحويّ المقرئ اللغويّ، صاحب المصنفات، حمل العربية عن أبي عبيدة، والأصمعي، وقرأ القرآن على يعقوب وكتب الحديث عن طائفة.

قوّمت كتبه يوم مات بأربعة عشر ألف دينار، واشتراها ابن السّكّيت بدون ذلك محاباة.

وفيها عبّاد بن يعقوب الأسديّ الرّواجنيّ الكوفيّ الحافظ. سمع من شريك، والوليد بن أبي ثور، والكبار.

قال ابن حبّان: كان داعية إلى الرفض.

وقال ابن خزيمة: حدثنا الصدّوق في روايته، المتهم في دينه، عبّاد بن يعقوب.

وروى عنه البخاريّ مقرونا بآخر.

وفيها عمرو بن بحر الجاحظ، أبو عثمان البصريّ المعتزليّ، وإليه تنسب الفرقة الجاحظية من المعتزلة، صنّف الكثير من الفنون. كان بحرا من بحور العلم، رأسا في الكلام والاعتزال، وعاش تسعين سنة، وقيل: بقي إلى سنة خمس وخمسين. أخذ عن القاضي أبي يوسف، وثمامة بن أشرس، وأبي إسحاق النّظّام.

قال في «المغني»: عمرو بن بحر الجاحظ المتكلم، صاحب الكتب.

قال ثعلب: ليس بثقة ولا مأمون. انتهى.

وقال غيره: أحسن تآليفه وأوسعها فائدة «كتاب الحيوان» و «كتاب البيان والتبيين» وكان مشوّه الخلق. استدعاه المتوكل لتأديب ولده، فلما رآه ردّه وأجازه، وفلج في آخر عمره، فكان يطلي نصفه بالصّندل والكافور لفرط

الحرارة، ونصفه الآخر لو قرض بالمقاريض ما أحسّ به لفرط البرودة، وسمي جاحظا لجحوظ عينيه، أي نتوئهما، وكان موته بسقوط مجلدات العلم عليه.

وفيها الفضل بن مروان بن ماسرجس، كان وزير المعتصم، وهو الذي أخذ له البيعة ببغداد، وكان المعتصم يومئذ ببلاد الرّوم صحبة أخيه المأمون، فاتفق موت المأمون هناك، وتولى بعده واعتدّ له المعتصم بها يدا عنده، وفوّض إليه الوزارة يوم دخوله بغداد، وهو يوم السبت مستهل شهر رمضان سنة ثماني عشرة ومائتين، وخلع عليه، ورد أموره كلها إليه، فغلب عليه لطول خدمته وتربيته إياه، فاستقل بالأمور، وكذلك كان في أواخر دولة المأمون، وكان نصراني الأصل، قليل المعرفة بالعلم، حسن المعرفة بخدمة الخلفاء، وله ديوان رسائل، وكتاب «المشاهدات والأخبار» التي شاهدها.

ومن كلامه: مثل الكاتب كالدولاب، إذا تعطل انكسر، وكان قد جلس يوما لقضاء أشغال الناس، ورفعت إليه قصص العامة، فرأى في جملتها ورقة مكتوب فيها:

تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبرفقبلك كان الفضل والفضل والفضل
ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهمأبادتهم الأقياد والحبس والقتل
وإنك قد أصبحت في النّاس ظالماستودي كما أودى الثلاثة من قبل

أراد بالفضول الثلاثة: الفضل بن يحيى البرمكي، والفضل بن سهل، والفضل بن الرّبيع.

وذكر المرزبانيّ، والزمخشري في «ربيع الأبرار» أن هذه الأبيات للهيثم ابن فراس السامي، من سامة بن لؤي.

وقال الصولي: أخذ المعتصم من داره لما نكبه ألف ألف دينار، وأخذ أثاثا وآنية بألف ألف دينار، وحبسه خمسة أشهر ثم أطلقه وألزمه بيته، واستوزر أحمد بن عمّار.

ومن كلام الفضل هذا أيضا: لا تتعرض لعدوك وهو مقبل، فإن إقباله يعينه عليك، ولا تتعرض له وهو مدبر، فإن إدباره يكفيك أمره.

وفيها كثير من عبيد المذحجيّ الحذّاء، إمام جامع حمص، أمّه مدة ستين سنة، قيل: إنه ما سها في صلاة مدة ما أمّ. حدّث عن ابن عيينة، وبقيّة، وطائفة، وكان عبدا صالحا.

وأبو عمرو نصر بن علي الجهضميّ، وقيل: علي بن نصر الجهضميّ الصغير، البصريّ الحافظ الثقة، أحد أوعية العلم. روى عن يزيد ابن زريع وطبقته، وعنه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم.

قال أبو بكر بن أبي داود: كان المستعين طلب نصر بن علي ليوليه القضاء، فقال لأمير البصرة: حتّى أرجع فأستخير الله، فرجع وصلى ركعتين، وقال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك، ثم نام فنبّهوه، فإذا هو ميت، رحمه الله تعالى. مات في ربيع الآخر.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.