من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة خمس وخمسين ومائتين
فيها فتنة الزّنج، وخروج العلويّ قائد الزّنج بالبصرة، خرج بالبصرة فعسكر ودعا إلى نفسه، وزعم أنه عليّ بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى بن الشهيد زيد بن علي ولم يثبتوا نسبه، فبادر إلى دعوته عبيد أهل البصرة السودان، ومن ثم قيل: الزّنج، والتف إليه كل صاحب فتنة، حتّى استفحل أمره، وهزم جيوش الخليفة، واستباح البصرة وغيرها، وفعل الأفاعيل، وامتدت أيامه إلى أن قتل إلى غير رحمة الله في سنة سبعين.
وفيها خرج غير واحد من العلوية، وحاربوا بالعجم وغيرها.
وفيها توفي الإمام الحبر، أبو محمد عبد الله بن عبد الرّحمن التميميّ الدارميّ السمرقنديّ، الحافظ الثقة، صاحب «المسند» المشهور. رحل وطوّف، وسمع النّضر بن شميل، ويزيد بن هارون، وطبقتهما.
قال أبو حاتم: هو إمام أهل زمانه.
وقال محمد بن عبد الله بن نمير: غلبنا الدّارميّ بالحفظ والورع.
وقال رجاء بن مرجّى: ما رأيت أعلم بالحديث منه.
وفيها قتل المعتز بالله أبو عبد الله محمد بن المتوكل [على الله] جعفر بن المعتصم محمد بن الرّشيد العباسي، في رجب، خلعوه وأشهد على نفسه مكرها، ثم أدخلوه بعد خمسة أيام إلى حمام فعطش حتّى عاين الموت، وهو يطلب الماء فيمنع، ثم أعطوه ماء بثلج، فشربه وسقط ميتا، واختفت أمه قبيحة وسبب قتله، أن جماعة من الأتراك قالوا: أعطنا أرزاقنا، فطلب من أمه مالا فلم تعطه، وكانت ذات أموال عظيمة إلى الغاية، منها جوهر، وياقوت، وزمرّد، قوّموه بألفي ألف دينار، ولم يكن [بقي] إذ ذاك في خزائن الخلافة شيء، فحينئذ أجمعوا على خلعه، ورأسهم حينئذ، صالح بن وصيف، ومحمد بن بغا، فلبسوا السلاح، وأحاطوا بدار الخلافة، وهجم على المعتز طائفة منهم، فضربوه بالدبابيس، وأقاموه في الشمس حافيا ليخلع نفسه، فأجاب، وأحضروا محمد بن الواثق من بغداد، فأول من بايعه، المعتز بالله، وعاش المعتز ثلاثا وعشرين سنة، وكان من أحسن أهل زمانه، ولقّبوا محمدا بالمهتدي بالله. قاله في «العبر».
وقال ابن الفرات: كانت وفاته في شعبان من هذه السنة، وكان عمره اثنتين وعشرين سنة وثلاثة أشهر، وكانت خلافته من يوم بويع له ببغداد- بعد خلع المستعين بالله نفسه- ثلاث سنين وستة أشهر وأربعة وعشرين يوما، وأشهر ولد المعتز عبد الله بن المعتز الشاعر، وبه كان يكنى. انتهى.
وفيها محمد بن عبد الرحيم، أبو يحيى، البغداديّ الحافظ البزّاز، ولقبه صاعقة.
سمع عبد الوهاب بن عطاء الخفّاف وطبقته، وكان أحد الثقات الأثبات المجوّدين.
وفيها محمد بن كرّام، أبو عبد الله السجستانيّ، الزّاهد، شيخ الطائفة الكرّامية، وكان من عبّاد المرجئة. قاله في «العبر».
وقال في «المغني»: محمد بن كرّام السّجزي، العابد، المتكلم، شيخ الكرامية. أكثر عن الجويباري، ومحمد بن تميم السعدي، وكانا ساقطين.
قال ابن حبّان: خذل حتّى التقط من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أوهاها.
وقال أبو العبّاس السرّاج: شهدت البخاريّ ودفع إليه كتاب [من]
ابن كرّام، يسأله عن أحاديث، فيها الزّهري، عن سالم، عن أبيه، يرفعه «الإيمان لا يزيد ولا ينقص». فكتب أبو عبد الله على ظهر كتابه: من حدّث بهذا استوجب الضرب الشديد، والحبس الطويل.
وقال ابن حبّان: جعل ابن كرّام الإيمان قولا بلا معرفة.
وقال ابن حزم: قال ابن كرّام: الإيمان قول باللسان، وإن اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن.
قلت: هذه أشنع بدعة. وقوله في الرّبّ: جسم لا كالأجسام. انتهى ما قاله الذهبيّ في «المغني في الضعفاء».
وفيها موسى بن عامر المرّيّ الدّمشقيّ. سمع الوليد بن مسلم، وابن عيينة، وكان أبوه أبو الهيذام عامر بن عمارة سيد قيس وزعيمها وفارسها، وكان طلب من الوليد بن مسلم فحدث ابنه هذا بمصنفاته.
قال في «المغني»: موسى بن عامر المرّي صاحب الوليد بن مسلم، صدوق تكلّم فيه بلا حجة، ولا ينكر له تفرده عن الوليد، فإنه يكثر عنه. انتهى.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع