تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة خمس وسبعين ومائتين

فيها توفي أبو بكر المرّوذيّ، الفقيه، أحمد بن محمد بن الحجّاج، في جمادى الأولى ببغداد، وكان اجلّ أصحاب الإمام أحمد، إماما في الفقه، والحديث، كثير التصانيف، خرج مرة إلى الرّباط، فشيّعه نحو خمسين ألفا من بغداد إلى سامرّاء. قاله في «العبر».

وقال في «الإنصاف»: كان ورعا، صالحا، خصّيصا بخدمة الإمام أحمد، وكان يأنس به وينبسط إليه ويبعثه في حوائجه، وكان يقول: كلّ ما قلت فهو على لساني وأنا قلته، وكان يكرمه ويأكل من تحت يده، وهو الذي تولى إغماضه لمّا مات وغسله. روى عنه مسائل كثيرة، وهو المقدّم من أصحاب الإمام أحمد لفضله وورعه. انتهى.

وفيها أحمد بن ملاعب الحافظ، أبو الفضل، المخزوميّ، وله أربع وثمانون سنة. سمع عبد الله بن بكر، وأبا نعيم، وطبقتهما، وكان ثقة نبيلا.

وفيها الإمام أبو داود السّجستانيّ، سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزديّ صاحب «السنن» والتصانيف المشهورة، في شوّال بالبصرة، وله بضع وسبعون سنة. سمع مسلم بن إبراهيم، والقعنبي، وطبقتهما، وطوّف

الشام، والعراق، ومصر، والحجاز، والجزيرة، وخراسان، وكان رأسا في الحديث، رأسا في الفقه، ذا جلالة وحرمة وصلاح وورع، حتّى إنه كان يشبّه بشيخه أحمد بن حنبل. قاله في «العبر».

وقال ابن خلّكان: أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شدّاد بن عمرو بن عمران الأزديّ السجستانيّ، أحد حفّاظ الحديث وعلمه وعلله، وكان في الدرجة العالية من النّسك والصلاح. طوّف البلاد وكتب عن العراقيين، والخراسانيين، والشاميين، والمصريين، والجزريين، وجمع كتاب «السنن» قديما وعرضه على الإمام أحمد بن حنبل، ﵁، فاستحسنه واستجاده، وعدّه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في «طبقات الفقهاء» من جملة أصحاب الإمام أحمد بن حنبل.

وقال إبراهيم الحربي: لما صنّف أبو داود كتاب «السنن»: ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود الحديد.

وكان يقول: كتبت عن رسول الله ﷺ، خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب- يعني «السنن» - جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث:

أحدها قوله ﷺ: «إنّما الأعمال بالنّيّات».

والثاني قوله ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». والثالث قوله ﷺ: «لا يكون المؤمن مؤمنا حتّى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه». والرابع قوله ﷺ: «الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبين ذلك أمور مشتبهات» الحديث بكامله.

وجاءه سهل بن عبد الله التّستريّ، رحمه الله تعالى، فقال له: يا أبا داود، لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: حتّى تقول: قضيتها مع الإمكان، قال: قد قضيتها مع الإمكان، قال: أخرج [لي] لسانك الذي حدّثت به عن رسول الله ﷺ، حتّى أقبّله، قال: فأخرج [له] لسانه فقبّله.

وكانت ولادته في سنة اثنتين ومائتين، وقدم بغداد مرارا، ثم نزل إلى البصرة وسكنها، وتوفي بها يوم الجمعة منتصف شوّال سنة خمس وسبعين ومائتين رحمه الله تعالى.

وكان ولده أبو بكر عبد الله بن أبي داود سليمان من أكابر الحفّاظ ببغداد، عالما متفقا عليه، إماما ابن إمام وله كتاب «المصابيح» وشارك أباه في شيوخه بمصر والشام، وسمع ببغداد، وخراسان، وأصبهان [وسجستان] وشيراز، وتوفي سنة ست عشرة وثلاثمائة، واحتجّ به ممّن صنّف الصحيح أبو علي الحافظ النيسابوري، وابن حمزة الأصبهاني. انتهى ما أورده ابن خلّكان.

وفيها، أي سنة خمس وسبعين، يحيى بن أبي طالب جعفر بن عبد الله بن الزّبرقان، أبو بكر البغدادي، المحدّث في شوّال. روى عن علي بن عاصم، ويزيد بن هارون، وجماعة، وصحّح الدّارقطنيّ حديثه.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.