تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثلاث وثمانين ومائتين

فيها ظفر المعتضد بهارون الشّاري، رأس الخوارج بالجزيرة، وأدخل راكبا فيلا، وزيّنت بغداد.

وفيها أمر المعتضد في سائر البلاد بتوريث ذوي الأرحام، وإبطال دواوين المواريث في ذلك، وكثر الدعاء له، وكان قبل ذلك قد أبطل النيروز، وقيد النيران، وأمات سنّة المجوس.

وفيها التقى عمرو بن اللّيث الصّفّار، ورافع بن هرثمة، فانهزمت جيوش رافع وهرب، وساق الصّفّار وراءه، فأدركه بخوارزم فقتله، وكان المعتضد قد عزل رافعا عن خراسان، واستعمل عليها عمرو بن اللّيث في سنة تسع وسبعين، فبقي رافع بالرّيّ، وهادن الملوك المجاورين له، ودعا إلى العلوي.

وفيها وصلت تقادم عمرو بن اللّيث إلى المعتضد، من جملتها مائتا حمل مال.

وفيها توفي القدوة العارف أبو محمد سهل بن عبد الله التّستريّ الزّاهد في المحرم عن نحو من ثمانين سنة، وله مواعظ، وأحوال، وكرامات، وكان من أكبر مشايخ القوم.

ومن كلامه- وقد رأى أصحاب الحديث فقال-: اجهدوا أن لا تلقوا الله ومعكم المحابر.

وقيل له: إلى متى يكتب الرجل الحديث؟ قال: حتّى يموت ويصبّ باقي حبره في قبره.

وقال: من أراد الدّنيا والآخرة فليكتب الحديث، فإن فيه منفعة الدّنيا والآخرة.

وقال السّلميّ في «الطبقات»: هو سهل بن عبد الله بن يونس بن عيسى بن عبد الله بن رفيع وكنيته أبو محمد، أحد أئمة القوم وعلمائهم، والمتكلمين في علوم الإخلاص والرياضات وعيوب الأفعال.

صحب خاله محمد بن سوّار، وشاهد ذا النّون المصريّ سنة خروجه إلى الحج. وأسند الحديث.

وأسند عنه قال: الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا، وإذا انتبهوا ندموا، وإذا ندموا لم تنفعهم الندامة.

وقال: شكر العلم العمل، وشكر العمل زيادة العلم.

وقال: ما من قلب ولا نفس إلا والله مطّلع عليه في ساعات الليل والنهار، فأيّما قلب أو نفس رأى فيه حاجة إلى سواه سلّط عليه إبليس.

وقال: الذي يلزم الصوفي ثلاثة أشياء: حفظ سرّه، وأداء فرضه، وصيانة فقره.

وقال: من أراد أن يسلم من الغيبة فليسدّ على نفسه باب الظّنون، فمن سلم من الظّن سلم من التجّسس، ومن سلم من التجسّس سلم من الغيبة، ومن سلم من الغيبة سلم من الزّور، ومن سلم من الزّور سلم من البهتان.

وقال ذروا التدبير والاختيار فإنّهما يكدّران على الناس عيشهم.

وقال: الفتن ثلاثة: فتنة العامّة من إضاعة العلم، وفتنة الخاصّة من الرّخص والتأويلات، وفتنة أهل المعرفة أن يلزمهم حقّ في وقت فيؤخّروه إلى وقت ثان.

وقال: أصولنا ستة [أشياء]: التمسك بكتاب الله تعالى، والاقتداء بسنّة رسوله ﷺ، وأكل الحلال، وكفّ الأذى، واجتناب الآثام، وأداء الحقوق.

وقال: لا معين إلّا الله، ولا دليل إلّا رسول الله ﷺ، ولا زاد إلا التّقوى، ولا عمل إلا الصّبر.

وقال: الأعمال بالتوفيق، والتوفيق من الله، ومفتاحه الدعاء والتضرّع.

وطريقة سهل تشبه طريق الملامية، وله كرامات كثيرة، وكان يعتقد مذهب مالك، ﵄. انتهى ملخصا.

وقال في «الحلية»: عامّة كلامه في تصفية الأعمال [وتنقية الأحوال] من المعايب والإعلال.

وأسند عنه فيها أنه قال: من كان اقتداؤه بالنّبيّ ﷺ، لم يكن في قلبه اختيار لشيء من الأشياء [ولا يجول قلبه] سوى ما أحبّ الله ورسوله.

وقال: الدّنيا كلها جهل إلّا العلم منها والعلم كله وبال إلّا العمل به، والعمل كله هباء منثور إلّا الإخلاص فيه، والإخلاص [فيه] أنت منه على وجل حتّى تعلم هل قبل أم لا. انتهى ملخصا أيضا.

وقال الشيخ الأكبر محيي الدّين محمد بن عربي الحاتمي الطائي، ﵁، في كتاب «بلغة الغوّاص» ما معناه، إن لم يكن لفظه، قال إمامنا وعالمنا سهل بن عبد الله التّستريّ: رأيت إبليس فعرفته وعرف أنّي عرفته، فجرى بيننا كلام ومذاكرة، وكان [من آخره] أن قلت له: لم لم تسجد لآدم؟ فقال: غيرة منّي عليه أن أسجد لغيره، فقلت: هذا لا يكفيك بعد أن أمرك، وأيضا فآدم قبلة والسجود له تعالى، ثم قلت له: وهل تطمع بعد هذا في المغفرة، فقال: كيف لا أطمع وقد قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ قال: فوقفت كالمتحيّر، ثم تذكرت ما بعدها، فقلت:

إنها مقيّدة بقيود. قال: وما هي؟ قلت: قوله تعالى بعدها: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ

الآية قال: فضحك وقال: والله ما ظننت أن الجهل يبلغ بك هذا المبلغ، أما علمت أن القيد بالنسبة إليك لا بالنسبة إليه؟

فقال: فو الله لقد أفحمني، وعلمت أنه طامع في مطمع. انتهى، فتأمل.

وفيها أبو محمد عبد الرّحمن بن يوسف بن خراش المروزيّ ثم البغداديّ الحافظ، صاحب «الجرح والتعديل» أخذ عن أبي حفص الفلّاس وطبقته.

قال أبو نعيم بن عدي: ما رأيت أحفظ منه.

وقال بكر بن محمد الصيرفي: سمعته يقول: شربت بولي في طلب هذا الشأن خمس مرات.

وقال الذهبيّ في «المغني»: قال عبدان: كان يوصل المراسيل.

وقال ابن ناصر الدّين في «بديعة البيان»:

لابن خراش الحالة الرّذيلهذا رافضيّ جرحه فضيله

وقال في «شرحها»: هو عبد الرّحمن بن يوسف بن سعيد بن خراش، أبو محمد، كان حافظا بارعا من الرّحالين، لكن لم ينفعه ما وعى، هو رافضي، شيخ شين، صنّف كتابا في مثالب الشيخين.

قال الذهبي: هذا والله الشيخ المعثّر الذي ضلّ سعيه. انتهى ما أورده ابن ناصر الدّين ملخصا.

وفيها توفي قاضي القضاة، أبو الحسن، علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأمويّ البصريّ، كان رئيسا، معظّما، ديّنا، خيّرا، روى عن أبي الوليد الطّيالسي وجماعة. قاله في «العبر».

وفيها محمد بن سليمان بن الحارث، أبو بكر، الباغنديّ، محدّث واسطي، نزل بغداد، وحدّث عن الأنصاري، وعبيد الله بن موسى، وكان صدوقا، وهو والد الحافظ محمد بن محمد.

وفيها تمتام الحافظ، أبو جعفر، محمد بن غالب بن حرب الضّبيّ البصريّ، في رمضان ببغداد. روى عن أبي نعيم، وعفّان وطبقتهما، وصنّف وجمع، وهو ثقة.

وفيها عبد الله بن محمد بن مالك بن هانئ، أبو محمد النيسابوريّ، لقبه عبدوس، كان من الأعيان.

قال ابن ناصر الدّين في «بديعة البيان»:

ثمّ الرّضي تمتام الضّبيّمحمد بن غالب البصريّ
كذا فتى محمد عبدوسكلّ جميل فاضل رئيس

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.