تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة أربع وثمانين ومائتين

فيها كما قال في «الشذور» ظهرت ظلمة بمصر وحمرة في السماء شديدة، حتّى كان الرجل ينظر إلى وجه الأرض فيراه أحمر، وكذلك الحيطان وغيرها، [ومكثوا كذلك] من العصر إلى العشاء، فخرج الناس يدعون الله تعالى ويستغيثون إليه، ووعد الناس المنجمون بالغرق، فغارت المياه واحتاجوا إلى الاستسقاء. انتهى.

وفيها كما قاله في «العبر» قال محمد بن جرير: عزم المعتضد على لعنة معاوية على المنابر، فخوّفه الوزير [عبيد الله بن سليمان] من اضطراب العامّة، فلم يلتفت إليه وتقدّم إلى العامّة بلزوم أشغالهم وترك الاجتماع، ومنع القصّاص من الكلام، ومن اجتماع الخلق في الجوامع، وكتب كتابا في ذلك، واجتمع له الناس يوم الجمعة بناء على أن الخطيب يقرؤه، فما قرئ، وكان من إنشاء الوزير عبيد الله، وهو طويل، فيه مصائب

ومعايب، فقال القاضي يوسف بن يعقوب: يا أمير المؤمنين أخاف الفتنة عند سماعه، فقال: إن تحرّكت العامّة وضعت فيهم السيف، قال: فما تصنع بالعلوية الذين هم في كل ناحية قد خرجوا عليك، وإذا سمع الناس هذا من فضائل أهل البيت مالوا إليهم، وصاروا أبسط ألسنة، فأمسك المعتضد.

انتهى.

وفيها توفي محدّث نيسابور ومفيدها، أبو عمرو، أحمد بن المبارك المستمليّ الحافظ. سمع قتيبة وطبقته، وكان مع سعة روايته راهب عصره، ومجاب الدّعوة.

وفيها أبو يعقوب إسحاق بن الحسن الحربي سمع أبا نعيم، والقعنبي، وكان ثقة صاحب حديث.

وفيها أبو عبادة الوليد بن عبيد الطّائيّ المنبجيّ البحتريّ، أمير شعراء العصر، وحامل لواء القريض، أخذ عن أبي تمّام الطائي.

قال المبرّد: أنشدنا شاعر دهره ونسيج وحده، أبو عبادة البحتري.

قال ابن الأهدل: نسبة إلى بحتر جد من أجداده، واسمه الوليد بن عبيد، أخذ عن أبي تمّام [الطائي ومدح المتوكل ومن بعده، وكان أقام ببغداد دهرا ثم رجع إلى الشام، وعرض أول شعره على أبي تمّام] وهو بحمص، فقال له: أنت أشعر من أنشدني، وكتب له بذلك فعظّم وبجّل.

وروي عنه قال: لما سمع أبو تمّام شعري، أقبل على تقريظي، والتقريض بالظاء والضاد: مدح الإنسان في حياته بحق أو باطل.

وعنه قال: لما أنشدت أبا تمّام، أنشد بيت أوس بن حجر، بفتح الحاء والجيم:

إذا مقرم منّا ذرا حدّ نابهتخمّط فينا ناب آخر مقرم

وقال: نعيت إليّ نفسي، فقلت: أعيذك بالله، فقال: إن عمري ليس بطويل، وقد نشأ لطيء مثلك، فمات أبو تمّام بعد هذا بسنة.

وقال لغلامه مرّة وهو مريض: اصنع لي مزوّرة وعنده بعض الرؤساء جاء عائدا له، فقال ذلك الرئيس: عندي طبّاخ من صفته كذا وذا، ونسي الرئيس أمرها، فكتب إليه البحتري:

وجدت وعدك زورا في مزوّرةحلفت مجتهدا إحكام طاهيها
فلا شفى الله من يرجو الشّفاء بهاولا علت كفّ ملق كفّه فيها
للشاعر البحتري، من قصيدة «وجدت وعدك زورا في مزورة»
فاحبس رسولك عنّي أن يجيء بهافقد حبست رسولي عن تقاضيها
للشاعر البحتري، من قصيدة «وجدت وعدك زورا في مزورة»

وله بيتان في هجو رجل اسمه شهاب: وفي فهم معناهما عسر، وهما:

وهما:

قد كنت أعهد أنّ الشّهب ثاقبةفقد رأينا شهابا وهو مثقوب
للشاعر البحتري، من قصيدة «قد كنت أعهد أن الشهب ثاقبة»
في كفّه الدّهر أم في ظهره قلمفنصفه كاتب والنّصف مكتوب
للشاعر البحتري، من قصيدة «قد كنت أعهد أن الشهب ثاقبة»

وأخباره كثيرة، وكان شعره غير مرتب، فرتبه أبو بكر الصّولي على

الحروف، ثم جمعه علي بن حمزة الأصبهاني على الأنواع، مثل «حماسة» أبي تمّام.

وسئل أبو العلاء المعرّي عنه، وعن أبي تمّام، والمتنبي، فقال: هما حكيمان، والشاعر البحتري. انتهى.

وقال ابن خلّكان: قال البحتريّ: أنشدت أبا تمّام شعرا لي في بعض بني حميد، وصرت به إلى مال له خطر، فقال لي: أحسنت، أنت أمير الشعراء من بعدي، فكان قوله هذا أحبّ إليّ من جميع ما حويته.

وقال ميمون بن هارون: رأيت أبا جعفر أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري المؤرّخ، وحاله متماسكة، فسألته، فقال: كنت من جلساء المستعين، فقصده الشعراء، فقال: لست أقبل إلّا من قال مثل قول البحتري في المتوكل:

فلو أنّ مشتاقا تكلّف فوق مافي وسعه لمشى إليك المنبر

فرحت إلى داري وأتيته، وقلت: قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتريّ، فقال: هاته، فأنشدته:

ولو أنّ برد المصطفى إذ لبستهيظن لظن البرد أنك صاحبه
وقال وقد أعطيته وكسيتهنعم هذه أعطافه ومناكبه

فقال: ارجع إلى منزلك وافعل ما آمرك به، فرجعت، فبعث لي سبعة آلاف دينار، وقال: ادّخر هذه للحوادث من بعدي، ولك عليّ الجراية والكفاية ما دمت حيّا.

ومن أخبار البحتري أنه كان له غلام اسمه نسيم، فباعه، فاشتراه أبو الفضل الحسن بن وهب الكاتب، ثمّ إن البحتريّ ندم على بيعه وتتبعته نفسه، فكان يعمل فيه الشعر، ويذكر فيه أنه خدع، وأن بيعه له لم يكن عن مراده، فمن ذلك قوله:

أنسيم هل للدّهر وعد صادقفيما يؤمّله المحبّ الوامق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنسيم هل للدهر وعد صادق»
ما لي فقدتك في المنام ولم تزلعون المشوق إذا جفاه الشّائق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنسيم هل للدهر وعد صادق»
اليوم جاز بي الهوى مقدارهفي أهله وعلمت أني عاشق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنسيم هل للدهر وعد صادق»
فليهنأ الحسن بن وهب انهيلقى أحبّته ونحن نفارق

وكان البحتريّ كثيرا ما ينشد لبعض الشعراء، ويعجبه قوله:

حمام الأراك ألا فأخبرينالمن تندبين ومن تعولينا
فقد شقت بالنّوح منّا القلوبوأبكيت بالنّدب منّا العيونا
تعالى نقم مأتما للهمومونعول إخواننا الظّاعنينا
ونسعدكنّ وتسعدننافإنّ الحزين يوافي الحزينا

وأخباره ومحاسنه كثيرة، فلا حاجة إلى الإطالة.

وكانت ولادته سنة ست، أو سبع، وقيل: خمس، وقيل: اثنتين، وقيل: إحدى ومائتين، والأول أصحّ، وتوفي سنة أربع، وقيل خمس، وقيل ثلاث وثمانين ومائتين، والأول أصح. انتهى ما ذكره ابن خلّكان ملخصا.

وفيها، والصحيح أنه في التي قبلها كما جزم به ابن الأهدل، وقدّمه

ابن خلّكان، فقال: توفي يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين، وقيل: ست وسبعين ومائتين، أبو الحسن علي بن العبّاس بن جريج، وقيل ابن جورجيس المعروف بابن الرّومي، مولى عبد الله بن عيسى بن جعفر المنصور، صاحب النظم العجيب، والتوليد الغريب، يغوص على المعاني النادرة فيستخرجها من مكامنها ويبرزها في أحسن صورة، ولا يترك المعنى حتّى يستوفيه إلى آخره ولا يبقى فيه بقية، وكان شعره غير مرتّب، ثم رتبه أبو بكر الصولي على الحروف.

وله القصائد المطوّلة والمقاطيع البديعة، وله في الهجاء كل شيء ظريف، وكذلك في المديح، فمن ذلك قوله:

المنعمون وما منّوا على أحديوم العطاء ولو منّوا لما مانوا
كم ضنّ بالمال أقوام وعندهموفر وأعطى العطايا وهو يدّان

وله وقال: ما سبقني أحد إلى هذا المعنى:

آراؤكم ووجوهكم وسيوفكمفي الحادثات إذا دجون نجوم
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم»
منها معالم للهدى ومصابحتجلو الدّجى والأخريات رجوم
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم»

ومن معانيه البديعة قوله:

وإذا امرؤ مدح امرأ لنوالهوأطال فيه فقد أراد هجاءه
لو لم يقدّر فيه بعد المستقىعند الورود لما أطال رشاءه
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «كل امرىء مدح امرأ لنواله»

وقال في بغداد وقد غاب عنها في بعض أسفاره:

بلد صحبت بها الشّبيبة والصّباولبست ثوب العزّ وهو جديد
وإذا تمثّل في الضّمير رأيتهوعليه أغصان الشباب تميد

وكان سبب موته، ﵀، أن الوزير أبا الحسين القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد، كان يخاف من هجوه وفلتات لسانه [بالفحش] فدسّ عليه مأكلا مسموما [وهو] في مجلسه، فلما أحسّ بالسّمّ قام، فقال له الوزير: أين تذهب؟ قال: إلى الموضع الذي بعثتني إليه، فقال: سلّم على والديّ، فقال: ما طريقي على النار، وخرج إلى منزله، فأقام أياما ومات.

وكان الطبيب يتردد إليه ويعالجه بالأدوية النافعة للسّمّ، فزعم أنه غلط في بعض العقاقير.

قال نفطويه: رأيت ابن الرّومي يجود بنفسه، فقلت: ما حالك، فأنشد:

غلط الطّبيب عليّ غلطة موردعجزت موارده عن الإصدار
والنّاس يلحون الطّبيب وإنّماغلط الطّبيب إصابة المقدار
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «غلط الطبيب علي غلطة مورد»

وقال أبو عثمان النّاجم الشاعر: دخلت على ابن الرّومي أعوده، فوجدته يجود بنفسه، فلما قمت من عنده قال لي منشدا:

أبا عثمان أنت حميد قومكوجودك في العشيرة دون لومك
تزوّد من أخيك فما أراهيراك ولا تراه بعد يومك

وبالجملة فمحاسنه كثيرة، وله في الطيرة أشياء معروفة، فلا نطيل بذلك والله أعلم.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.