من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة خمس وثمانين ومائتين
فيها على ما قال في «الشذور» ارتفعت ريح صفراء بنواحي الكوفة، ثمّ استحالت سوداء، وارتفعت ريح بالبصرة كذلك، ومطر وبرد في الواحدة مائة وخمسون درهما. انتهى.
وفيها وثب صالح بن مدرك الطائي في طيء، فانتهبوا الرّكب العراقي، وبدعوا، وسبوا النسوان، وذهب للناس ما قيمته ألف ألف دينار.
قاله في «العبر».
وفيها توفي الإمام الحبر إبراهيم بن إسحاق بن بشير أبو إسحاق الحربيّ الحافظ، أحد أركان الدّين، والأئمة الأعلام، ببغداد، في ذي الحجة، وله سبع وثمانون سنة. سمع أبا نعيم، وعفّان، وطبقتهما. وتفقّه على الإمام أحمد، وبرع في العلم والعمل، وصنّف التصانيف الكثيرة، وكان يشبّه بأحمد بن حنبل في وقته.
قال المرداويّ في «الإنصاف»: كان إماما في جميع العلوم، متقنا،
مصنّفا، محتسبا عابدا، زاهدا، نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة جدا حسانا جيادا. انتهى.
وفيها إسحاق بن إبراهيم الدّبريّ المحدّث، راوية عبد الرزاق، بصنعاء، عن سنّ عالية، اعتنى به أبوه، وأسمعه الكتب من عبد الرزاق في سنة عشر ومائتين، وكان صدوقا.
وفيها أبو العبّاس المبرّد، محمد بن يزيد الأزديّ البصريّ، إمام أهل النحو في زمانه، وصاحب المصنفات. أخذ عن أبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وتصدّر للاشتغال ببغداد، وكان وسيما، مليح الصورة، فصيحا، مفوّها، أخباريّا، علّامة، ثقة. توفي في آخر السنة. قاله في «العبر».
قال ابن خلّكان: كان إماما في النحو واللغة، وله التآليف النافعة في الأدب، منها كتاب «الكامل»، ومنها «الروضة» و «المقتضب» وغير ذلك.
أخذ الأدب عن أبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وأخذ عنه نفطويه وغيره من الأئمة، وكان المبرّد المذكور، وأبو العبّاس أحمد بن يحيى الملقب بثعلب، صاحب كتاب «الفصيح» عالمين متعاصرين، قد ختم بهما تاريخ الأدباء، وفيهما يقول بعض أهل عصرهما من جملة أبيات، وهو أبو بكر بن [أبي] الأزهر:
أيا طالب العلم لا تجهلنوعذ بالمبرّد أو ثعلب
تجد عند هذين علم الورىفلا تك كالجمل الأجرب
علوم الخلائق مقرونةبهذين في الشرق والمغرب
وكان المبرّد يحبّ الاجتماع في المناظرة بثعلب والاستكثار منه، وثعلب يكره ذلك ويمتنع منه.
حكى جعفر بن أحمد بن حمدان الفقيه الموصلي، وكان صديقهما، قال: قلت لأبي عبد الله الدّينوري، ختن ثعلب: لم يأبى ثعلب الاجتماع بالمبرّد؟ فقال: لأن المبرّد حسن العبارة، حلو الإشارة، فصيح اللسان، ظاهر البيان، وثعلب مذهبه مذهب المعلمين، فإذا اجتمعا في محفل، حكم للمبرّد على الظاهر إلى أن يعرف الباطن. انتهى ملخصا.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع