من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ست وثمانين ومائتين
فيها التقى إسماعيل بن أحمد بن أسد الأمير، وعمرو بن اللّيث الصّفّار بما وراء النهر، فانهزم أصحاب عمرو، وكانوا قد ضجروا منه، ومن ظلم خواصه ولا سيما أهل بلخ، فإنهم نالهم بلاء شديد من الجند، فانهزم عمرو إلى بلخ، فوجدها مغلوقة، ففتحوا له، ولجماعة يسيرة، ثم وثبوا عليه، فقيّدوه وحملوه إلى إسماعيل أمير ما وراء النهر. فلما أدخل إليه، قام له واعتنقه وتأدّب معه فإنه كان في أمراء عمرو غير واحد مثل إسماعيل وأكبر، وبلغ ذلك المعتضد، ففرح وخلع على إسماعيل خلع السلطنة وقلّده خراسان، وما وراء النهر، وغير ذلك، وأرسل إليه يلحّ عليه في إرسال عمرو بن اللّيث، فدافع، فلم ينفع، فبعثه وأدخل بغداد على جمل، بعد أن كان يركب في مائة ألف، وسجن ثم خنق وقت موت المعتضد.
وفيها ظهر بالبحرين، أبو سعيد الجنّابيّ القرمطيّ، وقويت شوكته، وانضم إليه جمع من الأعراب، فعاث، وأفسد، وقصد البصرة، فحصّنها المعتضد، وكان أبو سعيد كيّالا بالبصرة، وجنّابة من قرى الأهواز.
قال الصوليّ: كان أبو سعيد فقيرا يرفو غربال الدقيق فخرج إلى البحرين، وانضم إليه طائفة من بقايا الزّنج واللصوص، حتّى تفاقم أمره، وهزم جيوش الخليفة مرّات.
وقال غيره: ذبح أبو سعيد الجنّابي في حمام بقصره، وخلفه ابنه أبو طاهر الجنّابي القرمطي، الذي أخذ الحجر الأسود.
وفيها توفي أحمد بن سلمة النيسابوريّ الحافظ، أبو الفضل، رفيق مسلم في الرحلة إلى قتيبة.
قال ابن ناصر الدّين: أحمد بن سلمة البزّار، أبو الفضل، النيسابوري، كان حافظا من المهرة، له صحيح ك «صحيح مسلم». انتهى.
وفيها الزّاهد الكبير، أحمد بن عيسى أبو سعيد الخرّاز، شيخ الصوفية، وهو أوّل من تكلم في علم الفناء والبقاء.
قال الجنيد: لو طالبنا الله بحقيقة ما عليه أبو سعيد الخرّاز لهلكنا.
وعن أبي سعيد قال: رأيت إبليس في المنام وهو [يمرّ] عنّي ناحية.
فناديته، فقال: أيّ شيء أعمل بكم، وأنتم طرحتم ما أخادع الناس به، غير أنّ لي فيكم لطيفة وهي صحبة الأحداث.
وقال السّلميّ في «التاريخ»: أبو سعيد إمام القوم في كل فن من علومهم، بغدادي الأصل، له في مبادئ أمره عجائب وكرامات مشهورة، ظهرت بركته عليه وعلى من صحبه، وهو أحسن القوم كلاما ما خلا الجنيد،
فإنه الإمام، ومن كلامه: كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل.
وقال: الاشتغال بوقت ماض تضييع وقت ثان.
وقال السخاوي في «طبقاته»: قال أبو سعيد: إن الله، ﷿، عجّل لأرواح أوليائه التلذّذ بذكره والوصول إلى قربه، وعجّل لأبدانهم النّعمة بما نالوه من مصالحهم، وأجزل لهم نصيبهم من كلّ كائن، فعيش أبدانهم عيش الجنانيّين، وعيش أرواحهم عيش الرّبّانيّين. لهم لسانان: لسان في الباطن يعرّفهم صنع الصانع في المصنوع، ولسان في الظاهر يعلّمهم علم الخالق في المخلوق.
وقال: مثل النّفس كمثل ماء واقف طاهر صاف، فإن حركته ظهر ما تحته من الحمأة، وكذلك النّفس تظهر عند المحن والفاقة والمخالفة ما فيها، ومن لم يعرف ما في نفسه كيف يعرف ربّه؟!.
وقال في معنى حديث «جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها»:
وا عجبا ممّن لا يرى محسنا إليه غير الله، كيف لا يميل بكلّيته إليه.
قال ابن كثير: وهذا الحديث ليس بصحيح، لكن كلامه عليه من أحسن ما يكون. انتهى.
وفيها عبد الرّحيم بن عبد الله بن عبد الرّحيم بن البرقيّ [أبو سعيد]
مولى الزّهريين. روى السيرة عن ابن هشام، وكان ثقة وهو أخو المحدّثين أحمد، ومحمد.
وفيها عليّ بن عبد العزيز، أبو الحسن، البغوي المحدّث، بمكة.
وقد جاوز التسعين. سمع أبا نعيم وطبقته، وهو عمّ البغوي عبد الله بن محمد، وكان فقيها مجاورا في الحرم، وشيخه، ثقة ثبتا.
وفيها، بل في التي قبلها، كما جزم به ابن ناصر الدّين حيث قال في منظومته:
كذا فتى سوادة السّلاميهلاكه رزيّة في العام
وقال في «شرحها»: هو عبد الله بن أحمد بن سوادة الهاشميّ مولاهم البغداديّ، أبو طالب. كان صدوقا من المكثرين. انتهى.
ثم قال في «المنظومة»:
وبعده ثلاثة فجازواذا أحمد بن سلمة البزّار
وتقدّم الكلام عليه.
كذا الفتى محمّد بن سنديكالخشني القرطبي عدّ
وقال في «شرحها»: محمد بن محمد بن رجاء بن السّنديّ الإسفراييني، أبو بكر، وكان حافظا ثبتا تقوم به الحجّة والاحتجاج، وله مستخرج على «صحيح مسلم بن الحجّاج».
والثاني هو: محمد بن عبد السّلام بن ثعلبة القرطبيّ، أبو الحسن، ثقة. انتهى.
وفيها محمد بن وضّاح، الحافظ الإمام، أبو عبد الله، الأندلسيّ، محدّث قرطبة، وهو في عشر التسعين. رحل مرتين إلى المشرق، وسمع إسماعيل بن أبي أويس، وسعيد بن منصور، والكبار، وكان فقيرا، زاهدا، قانتا لله، بصيرا بعلل الحديث.
وفيها الكديميّ، وهو أبو العبّاس محمد بن يونس القرشيّ السّاميّ، [البصريّ]، الحافظ، في جمادى الآخرة، وقد جاوز المائة بيسير. روى عن أبي داود الطيالسي، وزوج أمه، روح بن عبادة، وطبقتهما، وله مناكير ضعّف بها.
قال في «المغني»: هالك.
قال ابن حبّان، وغيره: كان يضع الحديث على الثقات. انتهى.
وقال ابن ناصر الدّين: كان من الحفّاظ الأعلام، غير أنه أحد المتروكين. وثّقه إسماعيل الخطبي، وكأنه خفي عليه أمره. انتهى.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع