تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة

فيها كما قال في «الشذور» دخل معز الدولة، وأبو الحسين بن بويه على المستكفي، فظنهما يريدان تقبيل يده، فناولهما يده فنكساه عن السرير، ووضعا عمامته في عنقه وجرّاه، ونهض أبو الحسين وحمل المستكفي راجلا إلى دار أبي الحسن، فاعتقل وخلع من الخلافة. انتهى.

أي وسملت عيناه أيضا، وحبس في دار الخلافة إلى أن توفي في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وسنه ستة وأربعون سنة.

وقال في «الشذور»: وفي هذه السنة اشتد الغلاء حتّى ذبح الصبيان وأكلوا، وأكل الناس الجيف، وصارت العقار والدّور تباع برغفان خبز، واشتري لمعز الدولة كرّ دقيق بعشرين ألف درهم. انتهى.

وفيها اصطلح سيف الدولة والإخشيذ، وصاهره، وتقرر لسيف الدولة حلب، وحمص، وأنطاكية.

وفيها تداعت بغداد للخراب من شدة القحط والفتن والجور.

وهلك توزون بعلة الصّرع في المحرم ب «هيت».

وفيها توفي كما قال ابن ناصر الدّين:

بعد فتى يس المضعّفالهرويّ أحمد المصنّف

وهو أحمد بن محمد بن ياسين الهروي الحافظ الحداد أبو إسحاق مصنف «تاريخ هراة» وهو ليس بالقوي.

وفيها أبو الفضل أحمد بن عبد الله بن نصر بن هلال السّلمي الدمشقي في جمادى الأولى، وله بضع وتسعون سنة. تفرد بالرواية عن جماعة، وحدّث عن موسى بن عامل المري ومحمد بن إسماعيل بن علية وطبقتهما.

وفيها الصّنوبري الشاعر، أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسين الضبّي الحلبي وشعره في الذّروة العليا.

وفيها الحسين بن يحيى أبو عبد الله المتّوثي القطّان في جمادى الآخرة، ببغداد، وله خمس وتسعون سنة. روى عن أحمد بن المقدام العجلي وجماعة، وآخر من حدّث عنه هلال الحفّار.

وفيها عثمان بن محمد أبو الحسين الذهبي البغدادي بحلب. روى عن أبي بكر بن أبي الدّنيا وطبقته.

وفيها علي بن إسحاق المادرائي أبو الحسن محدّث البصرة. روى عن علي بن حرب وطائفة.

وفيها قاضي القضاة أبو الحسن أحمد بن عبد الله الخرقي، ولي قضاء واسط، ثم قضاء مصر، ثم قضاء بغداد، في سنة ثلاثين، وكان قليل العلم إلى الغاية، إنما كان هو وأبوه وأهله من كبار العدول، فتعجب الناس من ولايته، لكنه ظهرت منه صرامة وعفّة، وكفاءة. قاله في «العبر».

وفيها الوزير العادل أبو الحسن علي بن عيسى بن داود بن الجرّاح البغدادي الكاتب، وزر مرّات للمقتدر، ثم للقاهر، وكان محدّثا، عالما، ديّنا، خيّرا، كبير الشأن، عليّ الإسناد. روى عن أحمد بن بديل، والحسن الزّعفراني، وطائفة، وعاش تسعين سنة. وكان في الوزراء كعمر بن عبد العزيز في الخلفاء.

قال أحمد بن كامل القاضي: سمعت الوزير علي بن عيسى يقول:

كسبت سبعمائة ألف دينار، أخرجت منها في وجوه البرّ ستمائة ألف دينار.

آخر من روى عنه ابنه عيسى في «أماليه». قاله في «العبر».

وفيها الإمام العلّامة الثقة أبو القاسم الخرقي عمر بن الحسين البغدادي الحنبلي صاحب «المختصر» في الفقه، بدمشق، ودفن بباب الصغير. قاله في «العبر».

وقال ابن أبي يعلى في «طبقاته»: قرأ [العلم] على من قرأ على أبي بكر المرّوذي، وحرب الكرماني، وصالح وعبد الله ابني إمامنا. له المصنفات الكثيرة في المذهب، لم ينتشر منها إلّا «المختصر» في الفقه، لأنه خرج من مدينة السلام لما ظهر فيها سبّ الصحابة رضوان الله عليهم، وأودع كتبه في درب سليمان، فاحترقت الدار التي كانت فيها، ولم تكن انتشرت لبعده عن البلد.

قرأ عليه جماعة من شيوخ المذهب، منهم: أبو عبد الله بن بطة، وأبو الحسن التميمي، وأبو الحسين بن سمعون وغيرهم.

قرأت بخط أبي إسحاق البرمكي، أن عدد مسائل «المختصر» ألفان وثلاثمائة مسألة. انتهى ملخصا.

وقال ابن خلّكان: وكان والده أيضا من الأعيان. روى عن جماعة، رحمهم الله تعالى أجمعين.

والخرقي: بكسر الخاء المعجمة، وفتح الراء وبعدها قاف، هذه النسبة إلى بيع الخرق والثياب. انتهى.

وفيها الحافظ أبو علي محمد بن سعيد القشيري الحرّاني، نزيل الرّقّة ومؤرّخها. روى عن سليمان بن سيف الحرّاني وطبقته، وعنه:

محمد [بن عبد الله] بن جامع الدهان، وغندر البغدادي، وابن جميع، وهو ثقة ثبت.

وفيها الإخشيذ أبو بكر محمد بن طغج بن جف التركي الفرغاني، صاحب مصر، والشام، ودمشق، والحجاز، وغيرها. وصاحب سرير الذهب، والإخشيذ لقب لكل من ملك فرغانة، وكان الإخشيذ ملكها، وولّاه خلفاء العباسيين الأمصار حتّى عظم شأنه.

قال في «العبر»: والإخشيذ بالتركي: ملك الملوك، وطغج: عبد الرحمن. وهو من أولاد ملوك فرغانة، وكان جدّه جف من التّرك الذين حملوا إلى المعتصم، فأكرمه، وقرّبه، ومات في العام الذي قتل فيه المتوكل، فاتصل طغج بابن طولون، وكان من كبار أمرائه، وكان الإخشيذ شجاعا، حازما، يقظا، شديد البطش، لا يكاد أحد يجرّ قوسه. توفي بدمشق في ذي الحجة، وله ست وستون سنة، ودفنوه ببيت المقدس، وكان له ثمانية آلاف مملوك. انتهى ما قاله في «العبر».

وقال ابن خلّكان: وذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني في تاريخه

الصغير الذي سمّاه «عيون السّير» أن جيشه كان يحتوي على أربعمائة ألف رجل، وأنه كان جبانا، وله ثمانية آلاف مملوك يحرسه في كل ليلة ألفان منهم، ويوكّل بجانب خيمته الخدم إذا سافر، ثم لا يثق حتّى يمضي إلى خيم الفرّاشين فينام فيها.

ولم يزل على مملكته وسعادته إلى أن توفي في الساعة الرابعة من يوم الجمعة ثاني عشري [ذي] الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة بدمشق، وحمل تابوته إلى بيت المقدس فدفن به.

ثم قال ابن خلّكان: وهو أستاذ كافور الإخشيذي، وفاتك المجنون.

ثم قام كافور المذكور بتربية ابني مخدومه أحسن قيام، وهما أبو القاسم أنوجور، وأبو الحسن علي. انتهى ملخصا.

وفيها القائم بأمر الله أبو القاسم [نزار بن المهدي] عبيد الله، الدّعيّ الباطنيّ، صاحب المغرب، وقد سار مرتين إلى مصر ليملكها، فما قدّر له، وكان مولده بسلميّة في حدود الثمانين ومائتين، وقام بعده ابنه المنصور إسماعيل.

وفيها الشّبلي، أبو بكر، دلف بن جحدر، وقيل: جعفر بن يونس- وهذا هو المكتوب على قبره- الزاهد المشهور، صاحب الأحوال والتصوف.

قرأ في أول أمره الفقه، وبرع في مذهب مالك، ثم سلك، وصحب الجنيد، وكان أبوه من حجّاب الدولة.

قال السخاوي في «تاريخه»: أصله من أسروشنة، من قرية من قراها

يقال لها شبليّة ومولده بسرّ من رأى. كان خاله أمير الأمراء بالإسكندرية، وكان الشّبلي حاجب الموفّق، وكان أبوه حاجب الحجّاب، وكان الموفق جعل لطعمته دماوند ثم حضر الشّبلي يوما مجلس خير النسّاج، فتاب فيه ورجع إلى دماوند، وقال: أنا كنت حاجب الموفق، وكان ولايتي بلدتكم هذه، فاجعلوني في حلّ، فجعلوه في حلّ، وجهدوا أن يقبل منهم شيئا فأبى، وصار بعد ذلك واحد زمانه حالا ويقينا.

وقال شيخه الجنيد: لا تنظروا إلى الشّبليّ بالعين التي ينظر بعضكم إلى بعض، فإنه عين من عيون الله.

وكان الشّبليّ فقيها عالما، كتب الحديث الكثير.

وقال محمد بن الحسن البغدادي: سمعت الشّبلي يقول: أعرف من لم يدخل في هذا الشأن حتّى أنفق جميع ملكه، وغرّق في هذه الدّجلة التي ترون سبعين قمطرا مكتوبا بخطه، وحفظ «الموطأ» وقرأ بكذا وكذا قراءة، عنى به نفسه.

وقال: كتبت الحديث عشرين سنة، وجالست الفقهاء عشرين سنة.

وصحب الجنيد ومن في عصره، وصار أوحد العصر حالا وعلما، وتوفي في ذي الحجة، ودفن بالخيزرانية ببغداد بقرب الإمام الأعظم، وله سبع وثمانون سنة، وورد أنه سئل إذا اشتبه على المرأة دم الحيض بدم الاستحاضة كيف تصنع؟ فأجاب بثمانية عشر جوابا للعلماء. انتهى ملخصا.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.