تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة

فيها كما قال في «الشذور» وقعت فتنة بين أهل السّنّة والشيعة، ونهبت الكرخ.

وفيها ولي قضاء القضاة، أبو السائب عتبة بن عبد الله، ولم يحجّ ركب العراق.

وفيها توفي المستكفي بالله، أبو القاسم عبد الله بن المكتفي بالله علي بن المعتضد أحمد العبّاسي، الذي استخلف وسمل في سنة أربع وثلاثين كما ذكرنا، وحبس حتّى مات، وله ست وأربعون سنة. وكان أبيض، جميلا، ربعة، أكحل، أقنى، خفيف العارضين، وأمه أمة، وكانت مدة خلافته سنة واحدة وأربعة أشهر، وما زال مغلوبا على أمره مدة خلافته، والله أعلم.

وفيها أحمد بن سليمان بن زبّان، أبو بكر الكندي الدمشقي الضرير. ذكر أنه ولد سنة خمس وعشرين ومائتين، وأنه قرأ على أحمد بن يزيد الحلواني، وأنه سمع من هشام بن عمّار، وابن أبي الحواري. وروى

عنه تمّام الرّازي، وعبد الرحمن بن أبي نصر، ثم تركا الرواية عنه، لما تبيّن أمره.

قال الحافظ عبد الغني الأزدي: كان غير ثقة.

وقال عبد العزيز الكتاني: كان يعرف بابن زبّان العابد، لزهده وورعه.

وفيها أبو جعفر النّحاس، أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري النحوي، كان ينظّر بابن الأنباري، ونفطويه، وله تصانيف كثيرة، وكان مقتّرا على نفسه، في لباسه وطعامه. توفي في ذي الحجة.

قال السيوطي في «حسن المحاضرة»: وقد أخذ عن الأخفش الصغير وغيره، وروى الحديث عن النسائي، ومن مصنفاته «تفسير القرآن» و «الناسخ والمنسوخ» و «شرح أبيات سيبويه» و «شرح المعلقات». غرق تحت المقياس، ولم يدر أين ذهب. انتهى.

وفيها إبراهيم بن عبد الرزاق الأنطاكي المقرئ، مقرئ أهل الشام في زمانه. قرأ على قنبل، وهارون الأخفش، وعثمان بن خرّزاذ، وصنّف كتابا في القراءات الثمان، وروى الحديث عن أبي أميّة الطّرسوسي، وقيل: توفي في السنة الآتية.

وفيها أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي ثابت السّامرّي القاضي، نزيل دمشق، ونائب الحكم بها، وصاحب الجزء المشهور. روى عن الحسن بن عرفة، وسعدان بن نصر، وطائفة من العراقيين، والشاميين، والمصريين، وثّقه الخطيب، وتوفي في ربيع الآخر.

والسّامرّي: بفتح الميم وتشديد الراء، نسبة إلى سرّ من رأى، مدينة فوق بغداد.

وفيها أبو علي الحصائري الحسن بن حبيب الدمشقي الفقيه الشافعي. روى عن الربيع بن سليمان، وابن عبد الحكم، وحدّث بكتاب «الأم» للشافعي، ﵁.

قال الكتّاني: هو ثقة، نبيل، حافظ لمذهب الشافعي، مات في ذي القعدة.

وفيها عماد الدولة، أبو الحسن، علي بن بويه بن فناخسرو الديلمي، صاحب بلاد فارس، وهو أول من ملك من إخوته، وكان الملك معز الدولة أحمد أخوه، يتأدّب معه، ويقدّمه على نفسه، عاش بضعا وخمسين سنة، وكانت أيامه ست عشرة سنة، وملك فارس بعده ابن أخيه عضد الدولة بن ركن الدولة.

وذكر أبو محمد هارون بن العبّاس المأموني في «تاريخه» أن عماد الدولة المذكور اتفقت له أسباب عجيبة، كانت سببا لثبات ملكه، منها: أنه لما ملك شيراز في أول ملكه، اجتمع أصحابه وطالبوه بالأموال، ولم يكن معه ما يرضيهم، به وأشرف أمره على الانحلال، فاغتمّ لذلك، فبينا هو مفكر، وقد استلقى على ظهره في مجلس قد خلا فيه للتفكّر والتدبير، إذ رأى حيّة خرجت من موضع من سقف ذلك المجلس ودخلت موضعا آخر منه،

فخاف أن تسقط عليه، فدعا بالفرّاشين وأمرهم بإحضار سلّم، وأن تخرج الحيّة، فلما صعدوا وبحثوا عن الحيّة، وجدوا ذلك السقف يفضي إلى غرفة بين سقفين، فعرّفوه ذلك، فأمرهم بفتحها، ففتحت فوجد فيها عدّة صناديق من المال والمصاغات، قدر خمسمائة ألف دينار، فحمل المال إلى بين يديه وسرّ به، وأنفقه في رجاله، وثبت أمره بعد أن كان أشفى على الانخرام، ثم إنه قطع ثيابا وسأل عن خيّاط حاذق، فوصف له خياط كان لصاحب البلد قبله، فأمر بإحضاره، وكان أطروشا، فوقع له أنه قد سعي به إليه في وديعة كانت عنده لصاحبه، وأنه طالبه بهذا السبب، فلما خاطبه حلف أنه ليس عنده إلا اثنا عشر صندوقا لا يدري ما فيها، فعجب عماد الدولة من جوابه، ووجّه معه من حملها، فوجد فيها أموالا وثيابا بجملة عظيمة، فكانت هذه الأسباب من أقوى دلائل سعادته، ثم تمكنت حاله واستقرت قواعده، وكانت وفاته يوم الأحد سادس جمادى الأولى بشيراز، ودفن بدار المملكة، وأقام في الملك ستة وعشرين سنة، وقيل: إنه ملك في جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ولم يعقب، وأتاه في مرضه أخوه ركن الدولة، واتفقا على تسليم بلاد فارس إلى عضد الدولة فتسلمها.

وفيها علي بن محمد أبو الحسن الواعظ المصري، وهو بغدادي، أقام بمصر مدة. روى عن أحمد بن عبيد بن ناصح، وأبي يزيد القراطيسي، وطبقتهما، وكان صاحب حديث، له مصنفات كثيرة في الحديث والزهد، وكان مقدّم زمانه في الوعظ.

قال السيوطي في «حسن المحاضرة»: قال ابن كثير: ارتحل إلى مصر، فأقام بها حتّى عرف بالمصري. روى عنه الدارقطني، وغيره، وكان له مجلس وعظ عظيم. مات في ذي القعدة، وله سبع وثمانون سنة. انتهى ملخصا.

وفيها علي بن محمد بن سختونة بن حمشاذ، أبو الحسن، النيسابوري الحافظ العدل الثقة، أحد الأئمة. سمع الفضل بن محمد الشّعراني، وإبراهيم [بن] ديزيل، وطبقتهما، ورحل، وطوّف، وصنّف، وله مسند كبير في أربعمائة جزء، وأحكام في مائتين وستين جزءا. توفي فجأة في الحمام وله ثمانون سنة.

قال أحمد بن إسحاق الضّبعي: صحبت علي بن حمشاذ في الحضر والسفر، فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة.

وفيها محمد بن عبد الله بن دينار، أبو عبد الله، النيسابوري الفقيه، الرجل الصالح. سمع السّريّ بن خزيمة، وأقرانه.

قال الحاكم: كان يصوم النهار، ويقوم الليل، ويصبر على الفقر، ما رأيت في مشايخنا أصحاب الرأي أعبد منه.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.