من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة
فيها كما قال ابن الأثير نزل ألف وسبعمائة من الإسماعيلية على روق كبير التركمان [فجازوه]، فأسرع عسكر التركمان فأحاطوا بهم ووضعوا فيهم السيف، فلم ينج منهم إلّا تسعة أنفس، فلله الحمد.
وفيها توفي مسند الدّنيا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى السّجزي ثم الهروي الماليني الصوفي الزاهد. سمع «الصحيح» و «مسندي » الدّارمي وعبد بن حميد، من جمال الإسلام الداودي في سنة خمس وستين وأربعمائة، وسمع من أبي عاصم الفضيل، ومحمد بن أبي مسعود، وطائفة، وصحب شيخ الإسلام الأنصاري وخدمه، وعمّر إلى هذا الوقت، وقدم بغداد فازدحم الخلق عليه، وكان خيّرا متواضعا متودّدا، حسن السمت،
متين الديانة، محبا للرواية. توفي سادس ذي القعدة ببغداد وله خمس وتسعون سنة. قاله في «العبر».
وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام»: حمله أبوه من هراة إلى بوشنج، فسمع «صحيح البخاري» وغيره من جمال الإسلام الداودي. عزم على الحجّ وهيأ ما يحتاج إليه فأصبح ميتا، وكان آخر كلمة قالها: يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي من الْمُكْرَمِينَ - [يس] ودفن بالشونيزية وعمّر حتّى ألحق الأصاغر بالأكابر. انتهى.
وفيها أبو الفتح سالم بن عبد الله بن عبد الملك الشيباني الفقيه الحنبلي الزاهد. صحب أبا بكر الدّينوري، وسمع من الشريف أبي العزّ بن المختار، وأبي الغنائم النّرسي، وغيرهما.
قال ابن شافع: كان فقيها زاهدا مخمولا ذكره عند أبناء الدّنيا رفيعا عند الله وصالحي عباده. توفي ليلة الأربعاء سابع شعبان، ودفن بباب حرب.
وفيها الإمام العلّامة عبد الله بن يحيى الصّعبي عن ثمان وسبعين، أو إحدى وثمانين سنة. وكان مدرّس سهفنة وقد تفقّه عليه خلق باليمن، وكان صاحب «البيان» يحبه ويقول له: شيخ الشيوخ، وحضر جنازته يوم مات.
روي أن أناسا وقعوا عليه في طريق فضربوه بالسيوف فلم تقطع سيوفهم، فسئل عن ذلك فقال: كنت أقرأ سورة يس.
قال ابن سمرة: والمشهور أنه كان يقرأ قوله تعالى:
وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف،] وَحِفْظاً من كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ [الصّافّات،] وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إلى آخر السورة، وتسمى آيات الحفظ، وسببه أنه وجدها معلقة في عنق شاة والذئاب تلاعبها لا تضرها.
صنّف الصّعبيّ كتاب «التعريف» في الفقه و «احتراز المذهب» وكان يقوم بكفايته وما يحتاج إليه رجل من مشايخ بني يحيى من يافع.
قال اليافعي- رحمه الله تعالى-: [أهل] يافع يقولون: أهل يحيى وأهل عيسى وأهل موسى، ثلاثة بطون لهم عز وشرف، فأهل موسى أخوالي، وفيهم الكرم والمشيخة، وأهل يحيى أخوال بني عمي، وفيهم العزّ والنجدة، ولا تزال الحرب بينهم وبين أعدائهم. وفيهم الفقيه الولي أبو بكر البحيري الذي كان السلطان المؤيد في طوعه، واستدرك الفقيه حسين على اليافعي وغلّطه في ثنائه عليه، ونسبه- أي البحيري- إلى الزندقة لكونه من أتباع ابن عربي، والله أعلم بحاله. قاله ابن الأهدل.
وفيها كوتاه الحافظ أبو مسعود عبد الجليل بن محمد بن عبد الواحد الأصبهاني. توفي في شعبان عن سبع وسبعين سنة، وحدّث عن رزق الله التميمي، وأبي بكر بن ماجة الأبهري، وخلق.
قال أبو موسى المديني: أوحد وقته في علمه وطريقته وتواضعه، حدثنا لفظا وحفظا على منبر وعظه.
وقال غيره: كان جيّد المعرفة، حسن الحفظ، ذا عفّة وقناعة وإكرام للغرباء.
وقال ابن ناصر الدّين: كان إماما حافظا من أولاد المحدّثين، كان ابن عساكر يفخّم أمره [ويصفه بالحفظ والإتقان] وأثنى عليه ابن السمعاني وغيره [من الأعيان]. انتهى.
وفيها علي بن عساكر بن سرور المقدسي ثم الدمشقي الخشّاب.
صحب الفقيه نصر المقدسي [مدّة] وسمع منه سنة سبعين وأربعمائة، ثم سمع بدمشق من أبي عبد الله بن أبي الحديد. توفي في سنّ أبي الوقت، صحيح الذهن والجسم، وتوفي في شوال.
وفيها العلّامة أبو حفص الصفّار عمر بن أحمد بن منصور النيسابوري. روى عن أبي بكر بن خلف، وأبي المظفّر موسى بن عمران وطائفة، ولقبه عصام الدّين. كان من كبار الشافعية يذكر مع محمد بن يحيى ويزيد عليه بالأصول.
قال ابن السمعاني، إمام بارع مبرّز جامع لأنواع من العلوم الشرعية، سديد السيرة، مكثرا، مات يوم عيد الأضحى.
وفيها الفقيه الإمام الورع الزاهد عمر بن إسماعيل بن يوسف اليمني. أخذ عن الإمام زيد بن الحسن الفايشي «المهذب» وأصول الفقه، وصحب يحيى بن أبي الخير صاحب «البيان» في الطلب. قاله ابن الأهدل.
وفيها نصر بن منصور الحرّاني، عرف بابن العطار. كان تاجرا
كبيرا كثير المال، قارئا للقرآن، يكسو العراة، ويفك الأسرى، ويسمع الحديث، ويزور الصالحين.
قال العكبري: رأيت النّبيّ، ﷺ، فقلت: امسح بيدك على عيني فإنها تؤلمني، فقال: «امض إلى أبي نصر بن العطّار يمسح على عينك» فقلت في نفسي: أدع رسول الله ﷺ وأروح إلى رجل من أبناء الدّنيا! وعاودته القول، وقلت: يا رسول الله، امسح على عيني، فقال: أما سمعت الحديث «إن الصّدقة لتقع في يد الله قبل أن تقع في يد السّائل» «وهذا نصر قد صافحت يده يد الحقّ- ﷾ امض إليه» فانتبهت ومضيت إليه، فلما رآني قام حافيا وقال: ما الذي رأيته في المنام، ومسح على عيني وقرأ المعوذات، فذهب الألم. قال: وذهبت إحدى عيني نصر. قال: فخرجت يوما إلى جامع السلطان لأصلي الجمعة، فجلست على جانب دجلة لأتوضأ، وإذا بفقير عليه أطمار رثة، فتقدمت إليه وقلت له: امسح على عيني، فمسح عليها فعادت صحيحة، فدفعت إليه منديلا فيه دنانير، فقال: ما لي به حاجة، إن كان معك رغيف خبز، فقمت واشتريت له خبزا، ورجعت فلم أره، فكان نصر بعد ذلك لا يمشي إلّا وفي كمه الخبز إلى أن مات.
وفيها يحيى بن سلامة الحصكفي الخطيب صاحب ديوان الشعر
والخطب، الفقيه الشافعي معين الدّين، المعروف بالخطيب.
قال ابن خلّكان: والحصكفي بكسر الحاء المهملة نسبة إلى حصن كيفا، قلعة حصينة.
[ولد] بطنزة- بطاء مهملة مفتوحة ونون ساكنة وزاي معجمة- وهي بلدة صغيرة بديار بكر فوق الجزيرة. انتهى.
نشأ معين الدّين هذا بحصن كيفا، وقدم بغداد فقرأ الفقه حتّى أجاد فيه، وقرأ الأدب على الخطيب أبي زكريا التبريزي شارح «المقامات» ثم رجع إلى بلاده واستوطن ميّافارقين، وتولى بها الخطابة، وانتصب للإفتاء والاشتغال، وانتفع عليه الناس.
قال العماد في «الخريدة»: كان علّامة الزمان في علمه، ومعريّ العصر في نثره ونظمه، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. قاله الإسنوي.
وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام»: له الترصيع البديع، والتجنيس النفيس، والتطبيق والتحقيق، واللفظ الجزل الرقيق، والمعنى السهل العميق، والتقسيم المستقيم، والفضل السائر المقيم، فمن قوله في مليح في خصره زنار:
قد شدّ بالميم الألفمن جسمه ميم ألف
فقلت إذ مرّ بنابخوط بان منعطف
بالله يا زنّارهرفقا به لا ينقصف
وكان الحصكفي يتشيع، وله الخطب المليحة والرسائل المنتقاة.
انتهى.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع