من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة أربع وخمسين وخمسمائة
فيها كما قال في «الشذور» وقع في قرى بغداد برد كان في البردة خمسة أرطال، ووزنوا واحدة فبلغت تسعة أرطال، وانفتح القورج وجاء الماء فأحاط بالسور، ثم فتح فتحة ودخل فأغرق كثير من محال من نهر معلّى، وهدم ما لا يحصى من الدّور، وغرقت مقبرة الإمام أحمد بن حنبل، وكانت آية عجيبة.
وفيها سار عبد المؤمن في مائة ألف، فنازل المهديّة برّا وبحرا فأخذها من الفرنج بالأمان، ولكن ركبوا البحر، وكان شتاء، فغرق أكثرهم.
وفيها أقبلت الرّوم في جموع عظيمة وقصدوا الشام، فالتقاهم المسلمون وانتصروا، ولله الحمد، وأسر ابن أخت ملك الرّوم.
وفيها توفي ابن قفرجل أبو القاسم أحمد بن المبارك بن عبد الباقي
البغدادي الذّهبي القطّان. روى عن عاصم بن الحسن وجماعة.
وفيها أبو جعفر العبّاسي أحمد بن محمد بن عبد العزيز المكّي، نقيب الهاشميين بمكّة. روى عن أبي علي الشافعي، وحدّث ببغداد وأصبهان، وكان صالحا متواضعا فاضلا مسندا، توفي في شعبان عن ست وثمانين سنة وثلاثة أشهر، وسماعه في الخامسة من أبي علي.
وفيها أحمد بن معالي- ويسمى عبد الله أيضا- ابن بركة الحربي الحنبلي.
تفقّه على أبي الخطّاب الكلوذاني، وبرع في النظر.
قال ابن الجوزي: كان له فهم حسن وفطنة في المناظرة. وسمعت درسه مدة، وكان قد انتقل إلى مذهب الشافعي، ثم عاد إلى مذهب أحمد ووعظ.
وقال صدقة [بن الحسين]: كان شيخا كبيرا قد نيف على الثمانين، فقيها مناظرا عارفا، له مخالطة مع الفقهاء، ومعاشرة مع الصوفية، وكان يتكلم كلاما حسنا إلّا أنه كان متلونا في المذهب.
توفي يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأولى، وصلى عليه الشيخ عبد القادر، ودفن بمقبرة باب حرب.
وكان سبب موته أنه ركب دابة فانحنى في مضيق ليدخل، فاتكأ بصدره على قربوس السّرج فأثّر فيه، وانضم إلى ذلك إسهال فضعفت القوة، وكان مرضه يومين أو ثلاثة، رحمه الله تعالى.
وله تعليقة في الفقه.
وفيها أحمد بن مهلهل بن عبيد الله بن أحمد البرداسي الحنبلي.
قال ابن النجار: هو من قرية برداس - بسكون الراء من بلد إسكاف- المقرئ الزاهد الضرير، أبو العبّاس. كان من أهل القرآن والزهد والعبادة.
روى عن أبي طالب اليوسفي وغيره، وكان أبو الحسن بن البرداسي يقول:
كان هذا الشيخ يصلي في كل يوم أربعمائة ركعة.
وتوفي يوم الخميس غرة جمادى الأولى، ودفن بباب حرب.
وقال ابن النجار: كان منقطعا في مسجده لا يخالط أحدا، مشتغلا بالله ﷿، وكان الإمام المقتفي يزوره، وكذلك وزيره ابن هبيرة. والناس كافة يتبركون به، وكان قد قرأ طرفا صالحا من الفقه على أبي الخطّاب الكلوذاني، ثم على أبي بكر الدّينوري، وسمع الحديث من أبي غالب الباقلاني وغيره، وحدّث باليسير، وروى عنه ابن شافع والباقداري. قاله ابن رجب.
وفيها أبو زيد جعفر بن زيد بن جامع الحموي الشامي مؤلّف رسالة «البرهان» التي رواها عنه ابن الزّبيدي، وكان صالحا عابدا، صاحب سنّة وحديث، روى عن ابن الطيوري، واليوسفي، وغيرهما، وتوفي في ذي الحجة، وقد شاخ.
وفيها أبو علي الحسن بن جعفر بن عبد الصمد بن المتوكل على الله العبّاسي الهاشمي المقرئ الأديب الحنبلي.
ولد في حادي عشر شوال سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وقرأ القرآن، وسمع قديما من أبي غالب البقّال الباقلاني وابن العلّاف، وغيرهما، وكان فيه لطف وظرف وأدب، ويقول الشعر الحسن، مع دين وخير، وجمع سيرة المسترشد وسيرة المقتفي، وجمع لنفسه مشيخة، وجمع كتابا سمّاه «سرعة الجواب ومداعبة الأحباب» أحسن فيه.
وقال ابن النجار: كان أديبا فاضلا صالحا متدينا صدوقا. روى عنه ابن الأخضر وغيره.
وذكره ابن السمعاني [وقال: كان صالحا، فاضلا، له معرفة بالأدب والشعر] ومن شعره ما كتبه:
أجزت للسادة الأخيار ما سألوافليرووا عنّي بلا بخس ولا كذب
مما أحبوه من شعر ومن خبرومن جميع سماعاتي من الكتب
وليحذروا السّهو والتصحيف من غلطويسلكوا سنّة الحفّاظ في الأدب
ومن شعره أيضا:
يا ذا الذي أضحى يصول ببدعةوتشيّع وتمشعر وتمعزل
لا تنكرنّ تحنبلي وتسنّنيفعليهما يوم المعاد معوّلي
إن كان ذنبي حبّ مذهب أحمدفليشهد الثقلان أني حنبلي
قاله ابن رجب.
وفيها أبو عبد الله سعيد بن الحسين بن شنيف بن محمد الدّيلمي الدّارقزي الأمين الحنبلي.
ولد سنة تسع وسبعين وأربعمائة. وسمع من أبي عبد الله الحسين بن محمد السرّاج الفقيه، والحسين بن طلحة النّعالي وابن الطيوري، وغيرهم، لا من أبي الخطّاب الكلوذاني.
وسمع الحديث من أبي غالب الباقلاني وغيره، وحدّث باليسير.
وروى عنه ابن شافع، وتفقّه في المذهب، وكان إماما بجامع دار القز، وأمينا للقاضي بمحلته [وما يليها]، وكان شيخا صالحا ثقة، وروى عنه جماعة، منهم، ابنه أبو عبد الله الحسين.
وتوفي ليلة السبت رابع عشر ذي الحجة، ودفن من الغد بمقبرة باب حرب، رحمه الله تعالى.
وفيها أبو الحسن بن أبي البركات محمد بن أحمد بن علي بن عبد الله بن الأبرادي البغدادي الفقيه الحنبلي. تفقّه على ابن عقيل، وسمع منه، ومن أبيه، وابن الفاعوس وحدّث باليسير.
وسمع من أبي الفضل بن شافع.
وتوفي يوم الجمعة خامس شعبان، وقد اشتبه على بعض الناس وفاته بوفاة أبيه.
وفيها محمد شاه بن السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه، أخو ملكشاه السلجوقي توفي بعلة السلّ، وله ثلاث وثلاثون سنة، وكان كريما عاقلا، وهو الذي حاصر بغداد من قريب، واختلف الأمراء من بعده، فطائفة لحقت بأخيه ملكشاه، وطائفة لحقت بسليمان شاه.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع