تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة تسع وثلاثين وستمائة

فيها توفي الشّمس بن الخبّاز النّحوي أبو عبد الله أحمد بن الحسين ابن أحمد بن معالي الإربلّي ثم الموصلي الضرير، صاحب التصانيف الأدبية.

توفي في رجب بالموصل وله خمسون سنة. قاله في «العبر».

وفيها المارستاني أبو العبّاس أحمد بن يعقوب بن عبد الله البغدادي الصّوفي، قيّم جامع المنصور. روى عن أبي المعالي بن اللّحّاس وحفدة العطّاري، وجماعة، وتوفي في ذي الحجّة.

وفيها أبو العبّاس أحمد بن محفوظ بن مهنّا بن شكر بن الصّافيوني الرّصافي البغدادي الحنبلي، الفقيه المحدّث. سمع الكثير، وعني

بالسماع، وكتب الطباق بخطّه، وهو حسن، وتفقّه على القاضي أبي صالح نصر بن عبد الرزّاق، وكان خيّرا، صالحا، متعبّدا. توفي يوم الأحد تاسع عشر صفر، ودفن بمقبرة معروف الكرخي.

وفيها تقي الدّين إسحاق بن طرخان بن ماضي، الفقيه الشافعي الشاغوري، آخر من حدّث، عن حمزة بن كروّس. توفي في رمضان بالشاغور.

وفيها النّفيس بن قادوس القاضي أبو الكرم أسعد بن عبد الغني العدوي المصري، آخر من روى عن الشريف أبي الفتوح الخطيب، وأبي العبّاس بن الحطيئة. توفي في ذي الحجّة وله ست وتسعون سنة.

وفيها أبو الطاهر إسماعيل بن ظفر بن أحمد بن إبراهيم بن مفرج بن منصور بن ثعلب بن عيينة بن ثابت بن بكّار بن عبد الله بن شرف ابن مالك بن المنذر بن النّعمان بن المنذر المنذري النابلسي، الدمشقي المولد، المحدّث الحنبلي.

ولد سنة أربع وسبعين وخمسمائة بدمشق، وارتحل في طلب الحديث إلى الأمصار، فسمع بمكّة من ابن الحصري، وبمصر من البوصيري، والأرتاحي، والحافظ عبد الغني وجماعة، وببغداد من المبارك بن كليب، وابن الجوزي، وغيرهما. وبأصبهان من أبي المكارم اللّبّان وغيره، وبخراسان من عبد المنعم الفراوي، والمؤيد الطّوسي، وجماعة. وبنيسابور من أبي سعد الصفّار وغيره، وبحرّان من الحافظ عبد القادر الرهّاوي، وانقطع إليه مدة.

وكتب الكثير بخطه، وحدّث بالكثير.

قال المنذري: سمعت منه بحرّان ودمشق، وكتب عنه ابن النجار ببغداد، وقال: كان شيخا صالحا.

وقال عمر بن الحاجب: كان عبدا صالحا، صاحب كرامات، ذا مروءة، مع فقر مدقع، صحيح الأصول. روى عنه الحافظ الضياء، والمنذري، والبرزالي، والقاضي سليمان بن حمزة. وتوفي في رابع شوال بسفح قاسيون ودفن به.

وفيها الإسعردي أبو الرّبيع سليمان بن إبراهيم بن هبة الله بن رحمة الحنبلي المحدث، خطيب بيت لهيا.

ولد بإسعرد سنة سبع وستين وخمسمائة، ورحل فسمع بدمشق من الخشوعي، وابن طبرزد، وجماعة كثيرة. وبمصر من البوصيري وغيره،

وبالإسكندرية من ابن علّاس، وانقطع إلى الحافظ عبد الغني المقدسي مدة، وتخرّج به، وسمع منه الكثير، وكتب بخطّه كثيرا. وكان كثير الإفادة، حسن السيرة. سئل عنه الحافظ الضياء فقال: خيّر ديّن ثقة. وأقام ببيت لهيا، وتولى إمامتها وخطابتها.

قال المنذري: اجتمعت به ولم يتفق لي السماع منه، وأفادنا إجازة عن جماعة من شيوخ المصريين وغيرهم، شكر الله سعيه، وجزاه خيرا.

توفي في ثاني عشري ربيع الآخر ببيت لهيا.

ورحمة اسم أم أبي جدّه وبها عرف جدّه.

وفيها أبو علي الحسن بن إبراهيم بن هبة الله بن دينار المصري الصّائغ. روى عن السّلفي، ومات في جمادى الآخرة عن تسع وثمانين سنة.

وفيها أبو المعالي عماد الدّين عبد الرحمن بن مقبل. العلّامة قاضي القضاة الواسطي الشافعي.

ولد سنة سبعين وخمسمائة، وتفقه، فدرّس وأفتى، وناب في القضاء عن أبي صالح الجيلي، ثم ولي بعده القضاء، ودرّس بالمستنصرية، ثم عزل عن الكلّ سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، فتزهّد، وتعبد، ثم ولي مشيخة رباط في سنة خمس وثلاثين، وحدّث عن ابن كليب، وتوفي في ذي القعدة.

وفيها عبد السّيّد بن أحمد الضّبّي، خطيب بعقوبا. روى عن يحيى ابن ثابت، وأحمد المرقّعاتي، وتوفي في صفر، وله تسع وسبعون سنة.

وفيها أبو محمد سيف الدّين عبد الغني بن فخر الدّين أبي عبد الله محمد بن تيميّة الحرّاني الحنبلي، خطيب حرّان وابن خطيبها الفخر.

ولد في ثاني صفر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بحرّان، وسمع بها من والده، وعبد القادر الرّهاوي وغيرهما. ورحل إلى بغداد، فسمع من ابن سكينة، وابن طبرزد، وغيرهما. وأخذ الفقه عن غلام ابن المنّي وغيره، ورجع إلى حرّان، وقام مقام أبيه بعد وفاته، فكان يخطب، ويعظ، ويدرّس، ويلقي التفسير في الجامع على الكرسي.

قال ابن حمدان: كان خطيبا، فصيحا، رئيسا، ثابتا، رزين العقل، وله تصنيف «الزوائد على تفسير الوالد» و «إهداء القرب إلى ساكني الترب».

قال: ولم أسمع منه، ولا قرأت عليه شيئا. وسمعت بقراءته على والده كثيرا.

توفي في سابع المحرّم بحرّان.

وفيها البدر علي بن عبد الصّمد بن عبد الجليل الرّازي، المؤدّب بمكتب جاروخ بدمشق. روى عن السّلفي «ثمانين» الآجري، وتوفي في ربيع الآخر.

وفيها أبو فضيل قايماز المعظّمي مجاهد الدّين والي البحيرة.

روى عن السّلفي، ومات في سلخ شوال.

وفيها شرف الدّين بن الصّفراوي قاضي قضاة مصر أبو المكارم محمد بن القاضي [الرّشيد علي بن القاضي] أبي المجد حسن الإسكندراني ثم المصري الشافعي.

ولد بالإسكندرية سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وقدم القاهرة فناب في القضاء سنة أربع وثمانين عن نصر الدّين بن درباس، ثم ناب عن غير واحد، وولي قضاء الدّيار المصرية في سنة سبع عشرة وستمائة، وتوفي في تاسع عشر ذي القعدة.

وفيها ابن نعيم القاضي أبو بكر محمد بن يحيى بن مظفّر البغدادي الشافعي، المعروف بابن الحبير.

ولد سنة تسع وخمسين، وسمع من شهدة وجماعة، وكان من أئمة الشافعية، صاحب ليل وتهجّد، وحجّ، طويل الباع في النظر والجدل، ولي تدريس النظامية مدة.

قال الإسنويّ: كان إماما، عارفا بالمذهب ودقائقه وتحقيقاته، وله اليد الطّولي في الجدل والمناظرة، ديّنا، خيّرا، كثير التّلاوة [والتّهجّد، والحجّ].

عليه وقار وسكينة، وتفقه على المجير البغدادي بعد أن كان حنبليا، وناب

في القضاء عن ابن فضلان، وحدّث، وتوفي في سابع شوال.

وفيها الكمال بن يونس، العلّامة أبو الفتح موسى بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك الموصلي الشّافعي، أحد الأعلام.

ولد سنة إحدى وخمسين بالموصل، وتفقه على والده، وببغداد على معيد النّظامية السّديد السّلماسي، وبرع عليه في الأصول والخلاف، وقرأ النحو على ابن سعدون القرطبي، والكمال الأنباري.

وأكب على الاشتغال بالعقليات، حتّى بلغ فيها الغاية، وكان يتوقّد ذكاء، ويموج بالمعارف، حتّى قيل: إنه كان يتقن أربعة عشر فنّا، واشتهر ذكره، وطار صيته وخبره، ورحلت الطلبة إليه من الأقطار، وتفرّد بإتقان علم الرّياضي، ولم يكن له في وقته نظير.

قال ابن خلّكان: كان يتهم في دينه لكون العلوم العقلية غالبة عليه، كما قال العماد المغربي فيه:

وعاطيته صهباء من فيه مزجهاكرقّة شعري أو كدين ابن يونس

وقال ابن خلّكان أيضا: ولقد رأيته بالموصل في شهر رمضان، سنة ست وعشرين وستمائة، وترددت إليه دفعات عديدة، لما كان بينه وبين الوالد- ﵀ من المؤانسة والمودّة الأكيدة، ولم يتفق لي الأخذ عنه لعدم الإقامة وسرعة الحركة إلى الشام، وكان الفقهاء يقولون: إنه يدري أربعة وعشرين علما دراية متقنة، فمن ذلك المذهب، وكان فيه أوحد أهل زمانه، وكان جماعة من الحنفية يشتغلون عليه بمذهبهم، ويحلّ لهم

مسائل «الجامع الكبير» أحسن حلّ، مع ما هي عليه من الإشكال المشهور. وكان يتقن فنّي الخلاف العراقي والبخاري، وأصول الفقه والدّين، ولما وصلت كتب فخر الدّين الرّازي إلى الموصل- وكان بها إذ ذاك جماعة من الفضلاء- لم يفهم أحد اصطلاحه فيها سواه، وكذلك «الإرشاد» للعميدي، لمّا وقف عليها [حلّها] في ليلة واحدة وأقرأها على ما قالوه.

وبالجملة فقد كان كمال الدّين كما قال الشاعر:

وكان من العلوم بحيث يقضىله في كلّ علم بالجميع

واستخرج في علم الأوقات طرقا لم يهتد إليها أحد. وكان يحفظ من التواريخ وأيام العرب ووقائعهم والأشعار والمحاضرات شيئا كثيرا. وكان أهل الذّمة يقرؤون عليه التوراة والإنجيل، ويشرح لهما هذين الكتابين شرحا يعترفون أنهم لا يجدون من يوضحهما لهم مثله.

وبالجملة فإنّ مجموع ما كان يعرف من العلوم لم يكن يسمع عن أحد ممن كان تقدمه أنه جمع مثله.

وتوفي- رحمه الله تعالى- بالموصل رابع عشر شعبان. انتهى كلام ابن خلّكان ملخصا.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.