من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ست وثلاثين وستمائة
فيها توفي أبو العبّاس القسطلّاني ثم المصري الفقيه المالكي، الزاهد القدوة، أحمد بن علي، تلميذ الشيخ أبي عبد الله القرشي. سمع من عبد الله ابن برّي، ودرّس بمصر وأفتى، ثم جاور بمكة مدة، وتزوج بعد موت شيخه زوجته الصّالحة الجليلة أمّ ولده قطب الدّين.
حكي أن أهل المدينة أجدبوا، فاتفق رأيهم أن يستسقوا يوما والغرباء يوما، فاستسقى أهل المدينة يومهم فلم يسقوا، ثم عمل هو طعاما للضعفاء واستسقى مع المجاورين فسقوا، وله مؤلّف جمع فيه كلام شيخه القرشي وبعض شيوخه وبعض كراماته. توفي بمكة المشرّفة في جمادى الآخرة وقبره يزار بها في الشعب الأيسر.
وفيها صاحب ماردين، أرتق بن ألبي الأرتقي التركماني تملّك ماردين بضعا وثلاثين سنة، وكان فيه عدل ودين في الجملة. قتله غلمانه بمواطأة ابن ابنه، وتملّك بعده ابنه نجم الدّين غازي.
وفيها التّاج أسعد بن المسلّم بن مكّي بن علّان القيسي الدمشقي. توفي في رجب عن ست وتسعين سنة. روى عن ابن عساكر، وأبي الفهم بن أبي العجائز، وكان من كبار العدول، وهو أسنّ من أخيه السّديد.
وفيها أبو الخير بدل بن أبي المعمّر بن إسماعيل التّبريزي، المحدّث الحافظ الثقة الرحّال.
ولد بعد الخمسين وخمسمائة، وسمع من أبي سعد بن أبي عصرون وجماعة، ورحل فأكثر عن اللبّان، والصيدلاني، وسمع بنيسابور، ومصر، والعراق، وكتب وتعب، وخرّج، وولي مشيخة دار الحديث بإربل، فلما أخذتها التتار قدم حلب وبها توفي في جمادى الأولى.
وفيها أبو الفضل جعفر بن علي بن هبة الله الهمداني الإسكندراني المالكي المقرئ الأستاذ المحدّث.
ولد سنة ست وأربعين وخمسمائة، وقرأ القراءات على عبد الرحمن بن خلف صاحب ابن الفحّام، وأكثر عن السّلفي وطائفة، وكتب الكثير، وحصّل، وتصدّر للإقراء، ثم رحل في آخر عمره، فروى الكثير بالقاهرة ودمشق، وبها توفي في صفر وقد جاوز التسعين.
وفيها ابن الصّفراوي جمال الدّين أبو القاسم عبد الرحمن بن
عبد المجيد بن إسماعيل بن عثمان بن يوسف بن حفص الإسكندراني الفقيه المالكي المقرئ.
ولد في أول سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وقرأ القراءات على ابن خلف الله، وأحمد بن جعفر الغافقيّ، واليسع [بن عيسى] بن حزم، وابن الخلوف.
وتفقه على أبي طالب صالح بن بنت معافى، وسمع الكثير من السّلفي وغيره، وانتهت إليه رئاسة الإقراء والفتوى ببلده، وطال عمره وبعد صيته.
توفي في الخامس والعشرين من ربيع الآخر.
وفيها أبو الفتوح وأبو الفرج وأبو عمر ضياء الدين عثمان بن [أبي] نصر بن منصور بن هلال البغدادي المسعودي، الفقيه الحنبلي، الواعظ المعروف بابن الوتّار.
ولد سنة خمسين وخمسمائة تقريبا. وسمع من أبي الفتح بن المنّي وغيره، وتفقه عليه، ووعظ وشهد عند قاضي القضاة عبد الرزاق ابن ابن الشيخ عبد القادر، وأفتى. وكان فاضلا، فقيها، إماما، عالما، حسن
الأخلاق. أجاز للمنذري، وابن أبي الجيش، والقاسم بن عساكر، والحجّار، وغيرهم، وتوفي في سابع عشري جمادى الأولى ببغداد وقد ناهز التسعين والمسعودي: نسبة إلى المسعودة، محلّة شرقي بغداد وفيها عسكر بن عبد الرحيم بن عسكر بن أسامة أبو عبد الرحيم العدويّ النّصيبيّ من بيت مشيخة وحديث ودين، وله أصحاب وأتباع.
رحل في الحديث، وسمع من سليمان الموصلي وطبقته، وله مجاميع حسنة.
توفي في المحرّم.
وفيها الصّاحب جمال الدّين علي بن جرير الرّقّي الوزير. وزر للأشرف، ثم للصالح إسماعيل، وتوفي في جمادى الآخرة بدمشق. قاله في «العبر».
وفيها عماد الدّين بن الشيخ- هو الصاحب الرئيس أبو الفتح- عمر ابن شيخ الشيوخ صدر الدّين محمد بن عمر الجويني ثم الدمشقي الشّافعي.
ولي تدريس الشافعي، ومشهد الحسين، ومشيخة الشيوخ بالدّيار المصرية. وقام بسلطنة الجواد، ثم دخل الدّيار المصرية، فلامه صاحبها العادل أبو بكر، فردّ، وهمّ بخلع الجواد من السلطنة، فلم يمكنه، وجهّز عليه من الإسماعيلية من قتله في جمادى الأولى وله خمس وخمسون سنة.
وفيها أبو الفضل بن السّبّاك محمد بن محمد بن الحسن البغدادي، أحد وكلاء القضاة. روى عن ابن البطّي، وأبي المعالي [ابن] اللّحاس، وتوفي في ربيع الآخر.
وفيها شرف الدّين أبو المكارم، محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي القاسم بن صدقة، قاضي القضاة، الإسكندري المصري الشافعي، المعروف بابن عين الدولة.
ولد بالإسكندرية في جمادى الآخرة، سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.
وقدم القاهرة في سنة ثلاث وسبعين، واشتغل على العراقي شارح «المهذّب» وحفظ «المهذّب» وناب في القضاء، ثم ولي قضاء القاهرة والوجه البحري سنة ثلاث عشرة وستمائة، ثم جمع له العملان سنة سبع عشرة وستمائة، ثم عزل عن قضاء مصر خاصة قبل وفاته بشهر، وكان ذكيا، كريما، متدينا، ورعا، قانعا باليسير. من بيت رئاسة تولى الإسكندرية من أعمامه وأخواله ثمانية أنفس.
قال المنذري: وكان عارفا بالأحكام، مطلعا على غوامضها، وكتب الخطّ الجيد، وله نظم ونثر. وكان يحفظ من شعر المتقدمين والمتأخرين جملة.
وقال غيره: نقل المصريون عنه كثيرا من النوادر والزوائد، كان يقولها بسكون وناموس.
ومن شعره:
وليت القضاء وليت القضاء لم يك شيئا تولّيته
فأوقعني في القضاء القضاوما كنت قدما تمنّيته
توفي في هذه السنة وجزم ابن قاضي شهبة أنه توفي في ذي القعدة سنة تسع وثلاثين.
وفيها الزّكي البرزالي أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد بن أبي يدّاس الإشبيلي. الحافظ الجوّال. محدّث الشام ومفيده. سمع بالحجاز، ومصر، والشام، والعراق، وأصبهان، وخراسان والجزيرة، فأكثر.
وجمع فأوعى، وأول طلبه سنة اثنتين وستمائة، وأقدم شيوخه عين الشمس الثقفية، ومنصور الفراوي. وأقام بمسجد فلوس بدمشق زمانا طويلا.
وتوجّه إلى حلب، فأدركه أجله بحماة في رمضان، وله ستون سنة، وهو والد الشيخ علم الدّين البرزالي.
وفيها جمال الدّين بن الحصيري، شيخ الحنفية أبو المحامد محمود بن أحمد بن عبد السيد البخاري. روى «صحيح مسلم» عن أصحاب الفراوي، ودرّس بالنّورية بدمشق خمسا وعشرين سنة. وصنّف الكتب الحسان، منها: «شرح الجامع الكبير». وكان من العلماء العاملين، كثير الصّدقة، غزير الدّمعة. انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة.
توفي في صفر بدمشق ودفن بمقابر الصّوفية.
وفيها العلّامة الحافظ يوسف بن عمر بن صقير- ويقال بالسين أيضا- الواسطي. كان من الحفّاظ الأعيان. قاله ابن ناصر الدّين.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع