من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثلاثين وستمائة
فيها حاصر الملك الكامل آمد وأخذها من صاحبها الملك المسعود مودود، ضربها بالمجانيق، فلما رأى المسعود الغلبة، خرج وفي رقبته منديل، فرسم عليه وتسلّم منه البلد، وطلب منه تسليم القلاع، فسلّم الجميع إلّا حصن كيفا، فعذّبه بأنواع العذاب، وكان يبغضه، وكان المسعود فاسقا يأخذ الحرم غصبا، حتّى وجدوا في قصره خمسمائة حرّة من بنات النّاس.
وفيها توفي بهاء الدّين التّنوخي القاضي إبراهيم بن أبي اليسر شاكر ابن عبد الله الشّافعي الكاتب البليغ، والد تقي الدّين إسماعيل. روى بالإجازة عن شهدة، وولي قضاء المعرّة في صباه خمس سنين، فقال:
وليت الحكم خمسا هنّ خمسلعمري والصّبا في العنفوان
فلم تضع الأعادي قدر شانيولا قالوا فلان قد رشاني
توفي في المحرّم.
وفيها إدريس بن السلطان يعقوب بن يوسف أبو العلاء المأمون.
بايعوه بالأندلس، ثم جاء إلى مرّاكش وملكها وعظم شأنه وسلطانه. وكان بطلا شجاعا، ذا هيبة شديدة وسفك للدماء. قطع ذكر ابن تومرت من الخطبة، ومات غازيا، والله يسامحه.
وفيها إسماعيل بن سليمان بن أيداش أبو طاهر الحنفي ابن السّلّار. حدّث عن الصائن هبة الله [بن عساكر]، وعبد الخالق بن أسد، وتوفي في ذي القعدة.
وفيها الأوهي- بفتحتين نسبة إلى أوه قرية بين زنجان وهمذان - الزاهد أبو علي الحسن بن أحمد بن يوسف. نزيل بيت المقدس. أكثر عن السّلفي وجماعة، وكان عبدا صالحا قانتا لله، صاحب أحوال ومجاهدات، له أجزاء يحدّث منها. توفي في عاشر صفر.
وفيها الحسن بن السّيّد الأمير علي بن المرتضى أبو محمد العلوي الحسينيّ. آخر من سمع من ابن ناصر، يروي عنه كتاب «الذّرّيّة الطّاهرة»
توفي في شعبان عن ست وثمانين سنة، وسماعه في الخامسة من عمره. قاله في «العبر».
وفيها صفي الدّين أبو بكر عبد العزيز بن أحمد بن عمر بن سالم بن محمد بن باقا، العدل البغدادي الحنبلي التاجر.
ولد في رمضان سنة خمس وخمسين وخمسمائة ببغداد، وقرأ القرآن، وسمع من أبي زرعة، وابن بندار، وابن النّقور، وابن عساكر علي [البطائحي]، وخلق.
وقرأ طرفا من الفقه على ابن المنّي، واستوطن مصر إلى أن مات، وشهد بها عند القضاة. وحدّث بالكثير إلى ليلة وفاته، وكان كثير التلاوة للقرآن.
قال ابن النجار: كان شيخا جليلا، صدوقا أمينا، حسن الأخلاق، متواضعا. وسمع منه خلق كثير من الحفّاظ وغيرهم، منهم: ابن نقطة، وابن النجّار، والمنذري. وحدّث عنه خلق كثير، وتوفي سحر تاسع عشر رمضان بالقاهرة، ودفن بسفح المقطّم.
وفيها القاضي أبو المعالي أحمد بن يحيى ابن قايد الأواني، الحنبلي. ولّاه أبو صالح الجيلي قضاء دجيل، وله نظم، حدّث ببعضه. توفي بأوانا في جمادى الأولى، وكان ابن عمّ أبي عبد الله محمد بن أبي المعالي ابن قايد الأواني، وكان زاهدا قدوة، ذا كرامات، حكى عنه الشيخ شهاب الدّين السّهروردي وغيره حكايات.
قال الناصح بن الحنبلي: زرته أنا ورفيق لي، فقدّم لنا العشاء وعنده
جماعة كثيرة، ولم أر إلّا خبزا وخلّا وبقلا، فتحدث على الطعام، ثم قال:
ضاف بعيسى، ابن مريم أقوام، فقدم لهم خبزا وخلّا، وقال: لو كنت متكلّفا لأحد شيئا لتكلفت لكم. قال: فعرفت أنه قد عرف حالي.
دخل عليه رجل من الملاحدة في رباطه وهو جالس وحده فقتله فتكا، ﵁، ودفن في رباطه وقتل قاتله وأحرق.
وفيها سالم بن محمد بن سالم العامري اليمني.
قال المناوي في «طبقاته»: كان رفيع المجد، عليّ القدر، كثير التواضع، سليم الصدر. أثنى الأكابر على لطفه وفضله، وجنى المريدون ثمار الإحسان من تربيته وعطفه، وكان شريف النّفس، عالي الهمّة، صاحب كرامات. انتهى.
وفيها الملك العزيز عثمان بن العادل أبي بكر بن أيوب شقيق المعظم، وهو صاحب بانياس، وتبنين وهونين وهو الذي بنى قلعة الصّبيبة بين هؤلاء البلدان، وكان عاقلا ساكنا، اتفق موته بالنّاعمة وهو بستان له ببيت لهيا من صالحية دمشق في عشر رمضان.
وفيها العلّامة عبيد الله بن إبراهيم جمال الدّين العبادي المحبوبي البخاري، شيخ الحنفية بما وراء النهر، وأحد من انتهى إليه معرفة المذهب. أخذ عن أبي العلاء عمر بن أبي بكر بن محمد الزّرنجري، عن أبيه شمس الأئمة. وبرهان الأئمة عبد العزيز بن عمر بن مازة. وتفقه أيضا على قاضي خان فخر الدّين حسن بن منصور الأوزجندي. وتوفي ببخارى في جمادى الأولى عن أربع وثمانين سنة.
وفيها علي [بن عبد الرحمن] بن الجوزي أبو الحسن. ولد العلّامة جمال الدّين أبي الفرج عبد الرّحمن بن علي البغدادي الناسخ. نسخ الكثير بالأجرة، وكان معاشرا لعّابا. روى عن ابن البطّي، وأبي زرعة، وجماعة، وتوفي في رمضان.
وفيها ابن الأثير الإمام عز الدّين أبو الحسن علي بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري المؤرخ الشافعي، أخو مجد الدّين صاحب «النهاية».
ولد صاحب الترجمة سنة خمس وخمسين وخمسمائة، واشتغل في بلاد متعددة، وكان إماما، نسّابة، مؤرخا، أخباريّا، أديبا، نبيلا، محتشما. وصنّف التاريخ المشهور ب «الكامل» على الحوادث والسنين في عشر مجلدات، وهو
من خيار التواريخ، ابتدأ فيه من أول الزّمان إلى سنة تسع وعشرين وستمائة.
واختصر «الأنساب» لأبي سعد السمعاني، وهذّبه وأفاد فيه أشياء، وهو في مقدار نصف أصله وأقل، وصنّف كتابا حافلا في معرفة الصحابة، جمع فيه بين كتاب ابن مندة، وكتاب أبي نعيم، وكتاب ابن عبد البرّ، وكتاب أبي موسى، وزاد وأفاد، وسماه «أسد الغابة في معرفة الصحابة» وشرع في «تاريخ الموصل».
قال ابن خلّكان: كان بيته بالموصل مجمع الفضلاء. اجتمعت به بحلب فوجدته مكمّل الفضائل والتواضع وكرم الأخلاق، فترددت إليه.
وقال في «العبر»: كان صدرا، معظّما، كثير الفضائل، وبيته مجمع الفضلاء. روى عن خطيب الموصل أبي الفضل وغيره، وتوفي في
الخامس والعشرين من شعبان عن خمس وسبعين سنة.
وفيها الحافظ ابن الحاجب الرحّال عز الدّين أبو الفتح عمر بن محمد بن منصور الأميني الدّمشقي. سمع سنة ست عشرة بدمشق، ورحل إلى بغداد، فأدرك الفتح بن عبد السلام، وخرّج لنفسه معجما في بضع وستين جزءا. توفي في شعبان وقد قارب الأربعين، وكان فيه دين وخير، وله حفظ وذكاء وهمّة عالية في طلب الحديث، قلّ من أنجب مثله في زمانه.
وفيها الملك مظفّر الدّين، صاحب إربل، الملك المعظم أبو سعيد كوكبوري بن الأمير زين الدّين علي كوجك التركماني، وكوجك بالعربي اللّطيف القدر. ولي مظفّر الدّين مملكة إربل بعد موت أبيه في سنة ثلاث وستين، وله أربع عشرة سنة، فتعصّب عليه أتابكه مجاهد الدّين قيماز وكتب محضرا أنه لا يصلح للملك لصغره، وأقام أخاه يوسف، ثم سكن حرّان مدة، ثم اتصل بخدمة السلطان صلاح الدّين، وتمكّن منه، وتزوّج بأخته ربيعة واقفة مدرسة الصاحبة بشرقي الصالحية، وشهد معه عدة مواقف أبان فيها عن شجاعة وإقدام، وكان حينئذ على إمرة حرّان والرّها، فقدم أخوه يوسف منجدا لصلاح الدّين، فاتفق موته على عكّا، فأعطى السلطان صلاح الدّين لمظفّر الدّين إربل وشهرزور، وأخذ منه حرّان والرّها، ودامت
أيامه إلى هذا العام. وكان من أدين الملوك وأجودهم وأكثرهم برّا ومعروفا على صغر مملكته.
قال ابن خلّكان: وأما سيرته، فكان له في فعل الخير عجائب، ولم نسمع أن أحدا فعل في ذلك مثل ما فعله، لم يكن شيء في الدنيا أحبّ إليه من الصّدقة، وكان له في كل يوم قناطير مقنطرة من الخبز يفرّقها على المحاويج في عدة مواضع من البلد، وإذا نزل من الركوب يكون قد اجتمع جمع كثير عند الدّار فيدخلهم إليه، ويدفع لكل واحد كسوة على قدر الفصل من الصيف والشتاء وغير ذلك، ومع الكسوة شيء من الذهب، وكان قد بنى أربع خانقاهات للزّمنى والعميان، وملأها من هذين الصّنفين، وقرّرا لهم ما يحتاجون إليه كل يوم وليلة، وكان يأتيهم بنفسه كل عصرية اثنين وخميس ويدخل إلى كل واحد في بيته ويسأله عن حاله، ويتفقده بشيء من النفقة، وينتقل إلى الآخر حتّى يدور عليهم جميعهم، وهو يباسطهم ويمزح معهم ويجبر قلوبهم. وبني دارا للنساء الأرامل، ودارا للضعفاء، ودارا للأيتام، ودارا للملاقيط، ورتّب بها جماعة من المراضع، وكل مولود يلتقط يحمل إليهنّ فيرضعنه. وأجرى على أهل كل دار ما يحتاجون إليه في كل يوم، وكان يدخل إليهم في كل يوم ويتفقد أحوالهم ويعطيهم النفقات زيادة على المقرّر لهم، وكان يدخل إلى البيمارستان ويقف على مريض مريض ويسأله عن مبيته وكيفية حاله وما يشتهيه، وكان له دار مضيف يدخل إليها كل قادم على البلد من فقيه وفقير وغيرهما، وإذا عزم الإنسان على السفر أعطاه نفقة تليق بمثله، ولم تكن له لذّة بسوى السماع، فإنه كان لا يتعاطى المنكر ولا يمكّن من إدخاله البلد، وكان إذا طرب في السماع خلع شيئا من ثيابه وأعطاه
للناشد ونحوه. وكان يسيّر في كل سنة دفعتين، جماعة من أصحابه وأمنائه إلى بلاد الساحل ومعهم جملة مستكثرة من المال يفتكّ بها أسرى المسلمين من أيدي الكفّار، فإذا وصلوا إليه أعطى كلّ واحد شيئا، وإن لم يصلوا فالأمناء يعطوهم بوصية منه.
وكان يقيم في كل سنة سبيلا للحاج ويسيّر معهم جميع ما تدعو إليه حاجة المسافر في الطريق، ويسيّر أمينا معه خمسة آلاف دينار ينفقها في الحرمين على المحاويج وأرباب الرواتب، وله بمكّة- حرسها الله تعالى- آثار جميلة، وهو أول من أجرى الماء إلى جبل عرفات [ليلة الوقوف] وغرم عليه جملة كثيرة، وعمل بالجبل مصانع للماء.
وأما احتفاله بمولد النّبيّ ﷺ، فإن الوصف يقصر عن الإحاطة به. كان يعمله سنة في الثامن من شهر ربيع الأول، وسنة في الثاني عشر لأجل الاختلاف الذي فيه، فإذا كان قبل المولد بيومين أخرج من الإبل، والبقر، والغنم شيئا كثيرا، يزيد على الوصف، وزفّها بجميع ما عنده من الطّبول والمغاني والملاهي، حتى يأتي بها [إلى] الميدان، ثم يشرعون في نحرها، وينصبون القدور ويطبخون الألوان المختلفة، فإذا كان ليلة المولد عمل السماعات بعد أن يصلي المغرب في القلعة، ثم ينزل وبين يديه من الشموع الموكبية التي تحمل كل واحدة على بغل، ومن ورائها رجل يسندها، وهي مربوطة على ظهر البغل، فإذا كان صبيحة يوم المولد أنزل الخلع والبقج ويخلع على كل واحد من الفقهاء، والوعاظ، والقرّاء، والشعراء، ويدفع لكل
واحد نفقة وهدية وما يوصله إلى وطنه. انتهى ما أورده ابن خلّكان مخلصا.
وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» بعد كلام طويل وثناء جميل: قال جماعة من أهل إربل: كانت نفقته على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، وعلى الأسرى مائتين ألف دينار، وعلى دار المضيف مائة ألف دينار، وعلى الخانقاه مائة ألف، وعلى الحرمين والسّبيل وعرفات ثلاثين ألف دينار، غير صدقة السّرّ.
مات في رمضان بقلعة إربل، وأوصى أن يحمل إلى مكّة فيدفن في حرم الله تعالى، وقال أستجير به فحمل في تابوت إلى الكوفة، ولم يتفق خروج الحاج في هذه السنة من التتار، فدفن عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁. انتهى.
وفيها ابن سلّام المحدّث الزّكي أبو عبد الله محمد بن الحسن بن سالم بن سلّام الدّمشقي. سمع من داود بن ملاعب، وابن البنّ وطبقتهما، وكان إماما، فاضلا، يقظا، متقنا، صالحا، ناكسا على صغره. كتب الكثير، وحفظ «علوم الحديث» للحاكم. مات في صفر عن إحدى وعشرين عاما، وفجع به أبوه.
وفيها ابن عنين الصّدر شرف الدّين أبو المحاسن محمد بن نصر الله ابن مكارم بن حسن بن عنين الأنصاري الدّمشقي الأديب. له «ديوان» مشهور وهجو مؤلم، وكان بارعا في معرفة اللغة، كثير الفضائل، يشتعل ذكاء، ولم يكن في دينه بذاك. توفي في ربيع الأول وله إحدى وثمانون سنة. اتّهم بالزّندقة. قاله في «العبر».
وقال ابن خلّكان: الكوفي الأصل الدّمشقي المولد، الشاعر المشهور، خاتمة الشعراء، لم يأت بعده مثله، ولا كان في أواخر عصره من يقاس به، ولم يكن شعره مع جودته مقصورا على أسلوب واحد، بل تفنن فيه، وكان غزير المادة من الأدب، مطلعا على معظم أشعار العرب، ويكفي أنه كان يستحضر كتاب «الجمهرة» لابن دريد في اللغة. وكان مولعا بالهجاء وثلب أعراض الناس، وله قصيدة طويلة جمع فيها خلقا من رؤساء دمشق، سمّاها «مقراض الأعراض».
أقول منها:
سلطاننا أعرج وكاتبهذو عمش والوزير منحدب
وصاحب الأمر خلقه شرسوناظر الجيش داؤه عجب
والدّولعيّ الخطيب منعكفوهو على قشر بيضة ثلب
ولابن باقا وعظ يغرّ به الناس وعبد اللطيف محتسب
وحاكم المسلمين ليس لهفي غير غرمول جرجس أرب
عيوب قوم لو أنّها جمعتفي فلك ما سارت به الشّهب
ثم قال ابن خلّكان: وكان قد نفاه السلطان صلاح الدّين من دمشق بسبب وقوعه في الناس، فلما خرج منها عمل:
فعلا م أبعدتم أخا ثقةلم يجترم ذنبا ولا سرقا؟
أنفوا المؤذّن من بلادكمإن كان ينفى كلّ من صدقا؟
وطاف البلاد، من الشام، والعراق، والجزيرة، وأذربيجان، وخراسان، وغزنة، وخوارزم، وما وراء النهر، ثم دخل الهند واليمن- وملكها يومئذ سيف
الإسلام طغتكين بن أيوب، أخو السلطان صلاح الدّين- وأقام بها مدة ثم رجع إلى الحجاز والدّيار المصرية.
ثم قال: ولما مات السلطان صلاح الدّين وملك الملك العادل دمشق، كتب إلى الملك العادل قصيدته الرائية يستأذنه في الدخول إليها ويصف دمشق ويذكر ما قاساه في الغربة، ولقد أحسن فيها كل الإحسان، واستعطفه بها أبلغ الاستعطاف، وأولها:
ماذا على طيف الأحبّة لو سرىوعليهم لو سامحوني بالكرى
ومنها بعد وصف محاسن دمشق قوله:
فارقتها لا عن رضا وهجرتهالا عن قلى ورحلت لا متخيّرا
أسعى لرزق في البلاد مشتّتومن العجائب أن يكون مقتّرا
وأصون وجه مدائحي متقنّعاوأكفّ ذيل مطامعي متستّرا
ومنها يشكو الغربة وما قاساه:
أشكو إليك نوى تمادى عمرهاحتّى حسبت اليوم منها أشهرا
لا عيشتي تصفو ولا رسم الهوىيعفو، ولا جفني يصافحه الكرى
أضحى عن الأحوى المريع محلّئاوأبيت عن ورد النّمير منفّرا
ومن العجائب أن يقيل بظلّكمكلّ الورى ونبذت وحدي بالعرا
وهذه القصيدة من أحسن الشعر، وهي عندي خير من قصيدة ابن عمّار الأندلسي التي أولها:
أدر الزّجاجة فالنّسيم قد انبرى ...
فلما وقف عليها الملك العادل أذن له في الدخول إلى دمشق، فلما دخلها قال:
هجوت الأكابر في جلّقورعت الوضيع بسبّ الرّفيع
وأخرجت منها ولكنّنيرجعت على رغم أنف الجميع
وكان له في عمل الألغاز وحلّها اليد الطّولى، ومتى كتب إليه شيء منها حلّه في وقته، وكتب الجواب أحسن من السؤال نظما، ولم يكن له غرض في جمع شعره، فلهذا لم يدوّنه، فهو يوجد مقاطيع بأيدي الناس، وقد جمع له بعض أهل دمشق ديوانا صغيرا لا يبلغ عشر ما له من النظم، ومع هذا ففيه أشياء ليست له، وكان من أظرف الناس وأخفّهم روحا، وأحسنهم مجونا، وله بيت عجيب من جملة قصيدة يصف فيها توجهه إلى المشرق وهو:
أشقّق قلب الشّرق حتّى كأنّنيأفتّش في سودائه عن سنا الفجر
وكان وافر الحرمة عند الملوك، وتولى الوزارة بدمشق في آخر دولة الملك المعظّم، ومدة ولاية الملك النّاصر بن المعظّم، وانفصل منها لمّا ملكها الملك الأشرف، ولم يباشر بعدها خدمة، وتوفي عشية نهار الاثنين العشرين من شهر ربيع الأول، ودفن من الغد بمسجده الذي أنشأه بأرض المزّة، وقيل: بتربة باب الصغير. انتهى ملخصا.
وفيها أبو محمد المعافى بن إسماعيل بن الحسين الموصلي، ويعرف أيضا بابن الحدوس الشّافعي. كان إماما، فقيها، بارعا، جيدا، صالحا، ديّنا أديبا.
ولد بالموصل، وتفقه بها على ابن مهاجر ثم على القاضي الفخر السّهروردي، ثم على العماد بن يونس. وسمع، وحدّث، وأفتى، وصنّف، وناظر.
ومن تصانيفه كتاب «الكامل في الفقه» كتاب مطوّل، و «أنس المنقطعين» وهو مشهور، وتفسير يسمى «البيان»، وكتاب «الموجز في الذكر». وكان حسن الشكل والملبس. توفي بالموصل في شعبان أو في رمضان. قاله الإسنوي.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع