من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ست وعشرين وستمائة
فيها سلّم الكامل القدس الشريف لملك الفرنج بعد أن كاتبه الأنبرور ملكهم في العام الماضي يقول: أنا عتيقك وتعلم أني أكبر مغول الفرنج، وأنت كاتبتني بالمجيء، وقد علم البابا والملوك باهتمامي، فإن رجعت خائبا انكسرت حرمتي، وهذه القدس هي أصل دين النصرانية، وأنتم قد خرّبتموها، وليس لها دخل طائل، فإن رأيت أن تنعم عليّ بقبضة البلد ليرتفع رأسي بين الملوك، وأنا ألتزم بحمل دخلها لك. فلان له وسلّمه إياها في هذا العام، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. ثم أتبع فعله هذا بحصار دمشق وأذيّة الرّعية. وجرت بين عسكره وعسكر النّاصر وقعات، وقتل جماعة في غير سبيل الله، وأحرقت الخانات، ودام الحصار أشهرا، ثم وقع الصّلح في شعبان، ورضي الناصر بالكرك ونابلس فقط، ثم سلّم دمشق إلى أخيه الأشرف بعد شهر، وأعطاه الأشرف حرّان، والرّقّة، والرّها، وغير ذلك.
وفيها توفي أبو القاسم بن صصرى، مسند الشام، شمس الدّين، الحسين بن هبة الله بن محفوظ بن الحسن بن محمد التّغلبي الدّمشقي الشّافعي.
ولد سنة بضع وثلاثين، وسمع من جدّه لأبيه، وجدّه لأمه عبد الواحد ابن هلال، وأبي القاسم بن البنّ، وخلق كثير. وأجاز له علي بن الصبّاغ، وأبو عبد الله بن السلّال، وطبقتهما. ومشيخته في سبعة عشر جزءا. توفي في الثالث والعشرين من المحرّم.
وفيها أمة الله بنت أحمد بن عبد الله بن علي بن الآبنوسي. روت الكثير عن أبيها، وتفرّدت عنه، وتوفيت في المحرّم أيضا، وتلقب بشرف النساء، وكانت صالحة خيّرة.
وفيها ابن التّانرايا موفق الدّين أبو المعالي، عبد الرحمن بن علي ابن أحمد بن علي بن محمد البغدادي، الواعظ الفقيه، الحنبلي المعدّل، ثم الحاكم، أبو محمد، ويقال: أبو الفضل، ويقال: أبو المعالي. سمع من عبد الحق اليوسفي، وابن شاتيل، ونصر الله القزّاز، وابن المنّي، وابن الجوزي، وغيرهم. وتفقه على ابن المنّي، وبرع، وناظر، وقرأ الوعظ على ابن الجوزي ووعظ.
قال ابن النجار: كان حسن الأخلاق فاضلا.
[وقال المنذري: كان فقيها، فاضلا] مناظرا. وله يد في الوعظ.
وقال ابن رجب: وقد حدّث، وسمع منه غير واحد، منهم: ابن النجّار، وأجاز للمنذري، ولابن أبي الجيش. وقال عنه: كان [أصله] من
العجم، وتوفي ليلة الاثنين الخامس والعشرين من جمادى الآخرة فجأة، ودفن بمقبرة الإمام أحمد، ﵀.
وفيها بهاء الدّين أبو العبّاس أحمد بن نجم بن عبد الوهاب بن الحنبلي الدمشقي، أخو الشهاب والنّاصح، وكان أكبر الإخوة.
ولد سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وسمع من أبي الفضل بن الشّهرزوري، وحدّث عن الحيص بيص الشّاعر، وأجاز للمنذري، وتوفي في حادي عشري ذي القعدة بدمشق، ودفن بالجبل.
وفيها الحاجب عليّ [بن] حسام الدّين، نائب خلاط للملك الأشرف. كان شهما، مقداما، موصوفا بالشجاعة، والسياسة، والحشمة، والبرّ، والمعروف. قبض عليه الأشرف على يد مملوكه عز الدّين أيبك فلم يمهل الله أيبك، ونازله خوارزم شاه، وأخذ خلاط، وأخذ أيبك وجماعة.
وفيها أبو الحسن محمد بن محمد بن أبي حرب بن النّرسي الكاتب الشاعر. روى عن أبي محمد بن المادح، وهبة الله الشّبلي، وله ديوان شعر. توفي في جمادى الآخرة.
وفيها الملك المسعود أقسيس بن الكامل، وأقسيس بلغة اليمن موت.
كان جبّارا عنيدا. حجّ مرّة، فكان يرمى بالبندق، وكان غلمانه يدخلون الحرم، ويضربون الناس بالسيوف، ويقولون: مهلا فإن الملك نائم سكران.
ونادى مرّة في بلاد اليمن: من أراد السّفر من التجار إلى الدّيار المصرية والشامية صحبة السلطان فليتجهز، فجاء التجار من السّند والهند بأموال الدنيا والجواهر، ولما تكاملت المراكب بزبيد قال: اكتبوا لي بضائعكم لأحميها من الزكاة، فكتبوها له، فصار يكتب لكل تاجر برأس ماله إلى بعض بلاد اليمن، ويستولي على ماله، فاستغاثوا وقالوا: فينا من له عن أهله سنين، فلم يلتفت إليهم، فقالوا: خذ مالنا وأطلقنا، فلم يلتفت إليهم أيضا، فعبّأ ثقله في خمسمائة مركب ومعه ألف خادم ومائة قنطار عنبر، وعود ومسك، ومائة ألف ثوب، ومائة صندوق أموال وجواهر، وركب الطريق إلى مكة، فمرض مرضا مزمنا، فوصل إلى مكّة وقد أفلج ويبست يداه ورجلاه، ورأى في نفسه العبر، ثم مات فدفنوه في المعلّى، وضرب الهواء بعض المراكب فرجعت إلى زبيد، فأخذها أصحابها.
وفيها نجم الدّين يعقوب بن صابر المنجنيقي. كان فاضلا أديبا شاعرا. برع على أهل صناعته في علم المنجنيق.
ومن شعره:
[و] كنت سمعت أن النّجم عند استراق السّمع يقذف بالرّجوم
فلمّا أن علوت وصرت نجمارجمت بكلّ شيطان رجيم
وله:
كلفت بعلم المنجنيق ورميهلهدم الصّياصي وافتتاح المرابط
وعدت إلى نظم القريض لشقوتيفلم أخل في الحالين من قصد خابط
وله في الصّوفية:
قد لبسوا الصّوف لترك الصّفامشايخ العصر لشرب العصير
وقصّروا للعشق أثوابهمشرّ طويل تحت ذيل قصير
وفيها أبو نصر المهذّب بن علي بن قنيدة الأزجي الخيّاط المقرئ. روى عن أبي الوقت وجماعة، وتوفي في شوال.
وفيها أبو الدّر ياقوت بن عبد الله الرّومي الجنس، الحموي المولد، البغدادي، الدار، الملقب شهاب الدّين. أخذ من بلاده صغيرا، وابتاعه ببغداد رجل تاجر يعرف بعسكر الحموي، وجعله في الكتّاب لينتفع به في ضبط تجايره. وكان مولاه عسكر لا يحسن الخطّ ولا يعلم [شيئا] سوى
التجارة، فشغله مولاه بالأسفار في متاجره، فكان يتردد إلى [كيش] وعمان والشام. وجرت بينه وبين مولاه نبوة أوجبت عتقه والبعد عنه، فاشتغل بالنسخ بالأجرة، وحصلت له بالمطالعة فوائد. ثم إن مولاه بعد مديدة ألوى عليه وأعطاه شيئا وسفّره إلى كيش، ولما عاد كان مولاه قد مات. فحصّل شيئا مما كان في يده وأعطاه أولاد مولاه وزوجته وأرضاهم به، وبقي بيده بقية جعلها رأس ماله. وسافر بها وجعل بعض تجارته كتبا.
وكان متعصبا على عليّ- ﵁ وكان قد اطلع على شيء من كتب الخوارج، فعلق في ذهنه منها طرف قويّ. وتوجه إلى دمشق في سنة ثلاث عشرة وستمائة، وقعد في بعض أسواقها. وناظر بعض من يتعصب لعليّ- ﵁ وجرى بينهما كلام أدّى إلى ذكر علي- ﵁ بما لا يسوغ، فثار عليه الناس ثورة كادوا يقتلونه، فسلم منهم وخرج من دمشق منهزما بعد أن بلغت القصة إلى والي البلد، فطلبه فلم يقدر عليه، ووصل إلى حلب خائفا يترقب، وخرج منها إلى الموصل، ثم انتقل إلى إربل، وسلك منها إلى خراسان، ووصل إلى خوارزم، فصادف خروج التتار، فانهزم بنفسه كبعثته يوم الحشر من رمسه. وقاسى في طريقه من الضائقة
والتعب ما يكلّ اللّسان عن شرحه. ووصل إلى الموصل وقد تقطعت به الأسباب، ثم انتقل إلى سنجار، وارتحل إلى حلب، وأقام بظاهرها في الخان إلى أن مات. وكان قد تتبع التواريخ، وصنّف كتابا سماه «إرشاد الألبّاء إلى معرفة الأدباء» يدخل في أربع مجلدات، وهو في نهاية الحسن والإمتاع.
وكتاب «معجم البلدان» و «معجم الأدباء» و «معجم الشعراء» و «المشترك وضعا المختلف صقعا» وهو من الكتب النافعة، و «المبدأ والمآل» في التاريخ، و «الدول» و «مجموع كلام أبي علي الفارسي» و «عنوان كتاب الأغاني» و «المقتضب في النسب» يذكر فيه أنساب العرب، و «أخبار المتنبي».
وكانت له همّة عالية في تحصيل المعارف.
قال ابن خلّكان: وكانت ولادته في سنة أربع وسبعين وخمسمائة ببلاد الرّوم، وتوفي يوم الأحد العشرين من رمضان في الخان بظاهر مدينة حلب، وقد كان أوقف كتبه على مسجد الزّيدي بدرب دينار ببغداد، وسلّمها إلى الشيخ عز الدّين بن الأثير صاحب «التاريخ الكبير». ولما تميّز ياقوت واشتهر سمّى نفسه يعقوب.
ولقد سمعت الناس عقيب موته يثنون عليه ويذكرون فضله وأدبه، ولم يقدّر لي الاجتماع به. انتهى ملخصا.
ومن شعره في غلام تركي رمدت عينه، فجعل عليها وقاية سوداء:
ومولّد للتّرك تحسب وجههبدرا يضيء سناه بالإشراق
أرخى على عينيه فضل وقايةليردّ فتنتها عن العشّاق
تالله لو أنّ السوابغ دونهانفذت فهل لوقاءة من واق
وفيها يوسف بن أبي بكر السّكّاكي. صاحب «المفتاح». أخذ عن شيخ الإسلام محمود بن صاعد الحارثي وعن سديد بن محمد الخيّاطي وكان حنفيا، إماما كبيرا، عالما، بارعا، متبحرا في النحو والتصريف وعلم المعاني والبيان والعروض والشعر. أخذ عنه علم الكلام مختار بن محمود الزّاهدي صاحب «القنية». قاله ابن كمال باشا في «طبقاته».
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع