تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة سبع وعشرين وستمائة

فيها خاف أهل الشّام وغيرها من الخوارزمية، وعرفوا أنهم إن ملكوا عملوا بهم كل نحس، فاصطلح الأشرف وصاحب الرّوم علاء الدّين واتفقوا على حرب جلال الدّين، وساروا فالتقوه في رمضان فكسروه واستباحوا عسكره، ولله الحمد. وهرب جلال الدّين بأسوإ حال، ووصل إلى خلاط في سبعة أنفس، وقد تمزق جيشه وقتلت أبطاله، فأخذ حريمه وما خفّ حمله وهرب إلى أذربيجان، ثم أرسل إلى الملك الأشرف في الصّلح وذلّ وأمنت خلاط، وشرعوا في إصلاحها.

قال الموفق عبد اللطيف: هزم الله الخوارزميّة بأيسر مؤونة بأمر ما كان في الحساب، فسبحان من هدم ذاك الجبل الرّاسي في لمحة ناظر.

وفيها توفي أبو العبّاس أحمد بن فهد بن الحسين بن فهد العلثي الفقيه الحنبلي. سمع من أبي شاكر السقلاطوني، وشهدة، وغيرهما. وتفقه على ابن المنّي. وكان حسن الكلام في مسائل الخلاف، وفيه صلاح وديانة.

وكان زيّه زي العوام في ملبسه، وحدّث وسمع منه جماعة، وتوفي ليلة الثلاثاء ثاني عشر شعبان.

وفيها زين الأمناء أبو البركات الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي الشافعي. روى عن أبي العشائر محمد بن خليل [القيسيّ]، وعبد الرحمن الدّاراني، والفلكي، وطائفة. وكان صالحا خيّرا، من سروات الناس. حسن السمت. تفقه على جمال الأئمة علي بن الماسح، وولي نظر الخزانة والأوقاف، ثم تزهّد. عاش ثلاثا وثمانين سنة، وتوفي في صفر.

وفيها أبو الذّخر خلف بن محمد بن خلف الكنّري البغدادي الحنبلي.

ولد بكنّر من قرى بغداد سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وحفظ بها القرآن، وتفقه في المذهب. ثم سافر إلى الموصل واستوطنها، وسمع بها من الخطيب أبي الفضل الطّوسي، ويحيى الثقفي، وغيرهما. وحدّث، وأقرأ القرآن، وكتب عنه الناس. وكان متدينا، صالحا، حسن الطريقة. توفي في المحرّم بالموصل.

وفيها راجح بن إسماعيل الحلّي، الأديب شرف الدّين. صدر نبيل، مدح الملوك بمصر والشام والجزيرة، وسار شعره. توفي في شعبان.

وفيها أبو الخير موفق الدّين سلامة بن صدقة بن سلامة بن الصّولي الحرّاني، الفقيه الحنبلي الفرضي. سمع ببغداد من أبي السعادات القزّاز وغيره، وتفقه بها.

قال ابن حمدان: كان من أهل الفتوى، مشهورا بعلم الفرائض، والحساب، والجبر، والمقابلة. سمعت عليه كثيرا من «الطبقات» لابن سعد، وقرأت عليه ما صنّفه في الحساب والجبر والمقابلة، وأجوبته في الفتوى غالبا: نعم أولا.

وقال ابن رجب: قال المنذري: لنا منه إجازة.

وقال: الصّولي: بفتح الصاد المهملة، الإسكاف، هكذا تقوله أهل بلده.

ورأيت على مقدمة من تصنيفه في الفرائض، ابن الصولية، ولم تضبط الصاد بشيء. توفي في المحرّم بحرّان.

وفيها أبو بكر عبد الله بن معالي بن أحمد بن الرّيّاني، المقرئ الفقيه الحنبلي. تفقه على أبي الفتح بن المنّي وغيره، وسمع منه ومن شهدة وغيرهما. وحدّث.

قال ابن نقطة: سمعت منه أحاديث، وهو شيخ حسن.

وقال ابن النجار: كان صالحا، حسن الطريقة. وشهد عند القضاة وحدّث باليسير، وتوفي يوم الجمعة خامس جمادى الأولى، ودفن بمقبرة الإمام أحمد.

وهو منسوب إلى الرّيّان، بفتح الراء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف، وبعد الألف نون، محلّة بشرقي بغداد.

وفيها سليمان بن أحمد بن أبي عطّاف المقدسي الحنبلي، نزيل حرّان. تفقه بها، وحدّث عن أبي الفتح بن أبي الوفاء الفقيه، وتوفي بها في ثاني عشر جمادى الأولى.

وفيها أبو محمد عبد السلام بن عبد الرحمن ابن الشيخ العارف معدن الحكم والمعارف أبي الحكم بن برجان اللّخمي المغربي ثم الإشبيلي، حامل لواء اللغة بالأندلس. أخذ عن أبي إسحاق بن ملكون.

وتوفي في جمادى الأولى. قاله ابن الأهدل.

وفيها أبو محمد عبد الرحمن بن عتيق بن عبد العزيز بن صيلا الحربيّ المؤدّب.

روى عن أبي الوقت [السّجزي] وغيره، وتوفي في ربيع الأول.

وفيها عبد السلام بن عبد الرحمن بن الأمين علي بن علي بن سكينة علاء الدّين الصّوفي البغدادي.

سمع أبا الوقت، ومحمد بن أحمد البرمكي، وجماعة كثيرة. وتوفي في صفر.

وفيها أبو يحيى زكريا بن يحيى القطفتيّ - بضمتين وسكون الفاء وفوقية مثناة، نسبة إلى قطفتا محلّة ببغداد -.

ولد سنة أربع أو خمس وأربعين وخمسمائة، وتفقه في مذهب أحمد، وسمع من يحيى بن موهوب، وحدّث. وتوفي في جمادى الأولى ببغداد، ودفن بمقبرة معروف. قاله المنذري في «وفياته».

وفيها أبو الفتوح عبد الرحمن بن عربد الدّنيسري محتسب دنيسر، بلدة قرب ماردين، كان فصيحا شاعرا، فيه فضيلة تامة، حبسه صاحب ماردين، فمات في السجن.

ومن شعره:

تزايد في هوى أملي جنونيوأورث مهجتي سقما شجوني
وصرت أغار من نظر البراياعليه ومن خيالات الظّنون
ويعذب لي عذابي في هواهوهذا نصّ معتقدي وديني
فقل لللّائمين عليه جهلادعوني لا تلوموني دعوني

وله:

لا والذي بيديه البرء والسّقمما لي سوى وجنتيه في الهوى قسم
أحوى حوى السّحر في أجفانه وعلىخدّيه من مهجات المدنفين دم
مزنّر الخصر وا شوقي إلى خصرفي فيه يقصر عنه البارد الشّبم
كالماء جسما ولكن قلبه حجرفما سباني إلّا وهو لي صنم

وفيها الصدر فخر الدّين أبو بكر محمد بن عبد الوهاب الأنصاري الدمشقي المعدّل. من بيت أمانة وصيانة ودين. كان أجمل أهل بيته وأحسنهم خلقا.

ولد سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وسمع من السّلفي، وابن عساكر.

وكان رئيسا سريّا، صاحب أخبار وتواريخ، ماجنا، خليعا، من غير ذكر فاحشة، وكان متولعا بستّ الشام، يتولى أمر ديوانها، وفوضت إليه أوقافها، وترك الولايات في آخر عمره. وكان له تجّار يسافرون في تجارته، وله نظم، وعنده كتب كثيرة. توفي بدمشق، ودفن بالباب الصغير.

وفيها فخر الدّين بن شافع، محمد بن أحمد بن صالح بن شافع بن صالح بن حاتم الجيلي ثم البغدادي المعدّل الحنبلي، أبو المعالي.

ولد ببغداد ليلة الجمعة سادس عشري جمادى الآخرة، سنة أربع وستين وخمسمائة. وتوفي والده وله سنة وشهور، فتولاه خاله أبو بكر بن مشق، وأسمعه الكثير من خلق، منهم: السّقلاطوني، وابن الرّحلة، وشهدة.

وقرأ القرآن بالرّوايات، وتفقه في المذهب.

قال ابن النجار: كان طيّب النغمة في قراءة القرآن والحديث، ويفيد الناس إلى آخر عمره. وكان متدينا، صالحا، حسن الطريقة، جميل السيرة، وقورا، صدوقا، أمينا. كتبت عنه ونعم الرجل.

وقال ابن نقطة: ثقة [مأمون] مكثر، حسن السمت.

وقال ابن السّاعي: ثقة، صالح، جميل الطريقة، من بيت العدالة والرواية.

وقال ابن النجار: توفي يوم الأحد رابع رجب، ودفن عند آبائه بدكة الإمام أحمد.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.