من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثمان وعشرين وستمائة
لما علمت التتار بضعف جلال الدّين خوارزم شاه، بادروا إلى أذربيجان، فلم يقدم على لقائهم، فملكوا مراغة، وعاثوا، وبدّعوا [وفرّ هو إلى آمد] وتفرّق جنده، فبيّته التتار ليلة فنجا بنفسه. وطمع الأكراد والفلّاحون وكلّ أحد في جنده وتخطّفوهم. وانتقم الله منهم، وساقت التتار إلى ماردين يسبون ويقتلون، ودخلوا إلى إسعرد فقتلوا نيفا وعشرين ألفا، وأخذوا من البنات ما أرادوا، ووصلوا إلى أذربيجان ففعلوا كذلك، واستقرّ ملكهم بما وراء النهر، وبقيت مدن خراسان خرابا لا يجسر أحد يسكنها.
وفيها توفي أبو نصر بن النّرسي أحمد بن الحسين بن عبد الله بن أحمد بن هبة الله البغدادي البيّع روى عن أبي الوقت [السّجزي] وجماعة، وتوفي في رجب.
وفيها الملك الأمجد مجد الدّين أبو المظفّر بهرام شاه بن فرّوخ شاه
ابن شاهنشاه بن أيوب بن شادي، صاحب بعلبك. تملّكها بعد والده خمسين سنة، وكان جوادا كريما شاعرا محسنا، قتله مملوك له جميل بدمشق في شوال. وسببه أنه سرقت له دواة من ذهب تساوي مائتي دينار، فظهرت عند هذا المملوك، فحبسه في خزانة في داره، فلما كان ليلة الأربعاء ثامن شوال فتح الخزانة بسكين كانت معه قلع بها رزة الباب، وأخذ سيف الأمجد، وكان يلعب بالشطرنج، فضربه فحلّ كتفه، وطعنه بالسيف في خاصرته فمات، وهرب المملوك، فثارت عليه المماليك وقتلوه، ودفن الأمجد بتربة أبيه على الشرف الشمالي.
ومن شعره في مليح يقطع بانا:
من لي بأهيف قال حين عتبتهفي قطع كلّ قضيب بان رائق
تحكي شمائله الرّشاق إذا انثنىريّان بين جداول وحدائق:
سرقت غصون البان لين معاطفيفقطعتها والقطع حدّ السّارق
ورؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال:
كنت من ذنبي على وجلزال عنّي ذلك الوجل
أمنت نفسي بوائقهاعشت لمّا متّ يا رجل
وفيها جلدك التقويّ الأمير. ولي نيابة الإسكندرية، وسدّ الدّيار
المصرية، وكان أديبا شاعرا. روى عن السّلفي، ومولاه- هو صاحب حماة- تقي الدّين عمر. توفي في شعبان.
وفيها الزّين الكردي محمد بن عمر المقرئ. أخذ القراءات عن الشّاطبي، وتصدّر بجامع دمشق مع السّخاويّ.
وفيها المهذّب الدّخوار عبد الرحيم بن علي بن حامد الدّمشقي، شيخ الطّب وواقف المدرسة التي بالصّاغة العتيقة على الأطباء.
ولد سنة خمس وستين وخمسمائة، وأخذ عن الموفق بن المطران، والرّضي الرّحبي. وأخذ الأدب عن الكندي. وانتهت إليه معرفة الطب، وصنّف التصانيف فيه، وحظي عند الملوك ولما تجاوز سنّ الكهولة عرض له طرف خرس حتّى بقي لا يكاد يفهم كلامه. واجتهد في علاج نفسه فما أفاد، بل ولّد له أمراضا. وكان دخله في الشّهر مائة وخمسون دينارا، وله أقطاع تعدل ستة آلاف وخمسمائة دينار. ولما ثقل لسانه كان الجماعة يبحثون بين يديه فيكتب لهم ما أشكل عليهم في اللوح، واستعمل المعاجين الحادة فعرضت له حمّى قوية أضعفت قوته، وزادت إلى أن سالت عينه.
وفيها ناصح الدّين أبو محمد عبد الوهاب بن زاكي بن جميع الحرّاني الفقيه الحنبلي. نزيل دمشق. سمع بحرّان من عبد القادر الرّهاوي.
قال ابن حمدان: كان فاضلا في الأصلين، والخلاف، والعربية، والنثر، والنظم، وغير ذلك. رحل إلى بغداد، وقرأت عليه «الجدل الكبير» لابن المنّي، و «منتهى السول» وغير ذلك. وكان كثير المروءة والأدب، حسن الصحبة.
وذكر المنذري: أنه حدّث بشيء من شعره. قال: وجميع: بضم الجيم وفتح الميم. وتوفي خامس ذي القعدة، ودفن بسفح قاسيون.
وفيها الدّاهري أبو الفضل عبد السلام بن عبد الله بن أحمد بن بكران البغدادي الحافظ الخفّاف الخرّاز. سمع من أبي بكر الزّاغوني، ونصر العكبري، وجماعة. وكان عاميّا مستورا، كثير الرّواية. توفي في ربيع الأول.
وفيها ابن رحّال العدل نظام الدّين علي بن محمد بن يحيى المصري. سمع من السّلفي وغيره، وتوفي في شوال.
وفيها أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى الحميري الكتامي الفاسي القطّان، قاضي الجماعة. كان حافظا ثقة مأمونا، لكن نقمت عليه أغراض في قضائه. قاله ابن ناصر الدّين.
وفيها القاسم بن القاسم الواسطي، شاعر فاضل.
من نظمه:
لا ترد من خيار دهرك خيرافبعيد من السرب السّراب
منطق كالحباب يطفو على الكاس ولكن تحت الحباب الحباب
عذبت في اللقاء ألسنة القوم ولكن تحت العذاب العذاب
وله:
ديباج خدّك بالعذار مطرّزبرزت محاسنه وأنت مبرّز
وبدت على غصن الصّبا لك روضةوالغصن ينبت في الرّياض ويغرز
وجنت على وجنات خدّك حمرةخجل الشقيق بها وحار القرمز
لو كنت مدّعيا ملاحة يوسفلقضى القياس بأن حسنك معجز
أو كان عطفك مثل عطفك ليّنما كان منك تمنّع وتعزّز
وفيها ابن عصيّة أبو الرّضا محمد بن أبي الفتح المبارك بن عبد الرّحمن الكندي الحربي. روى عن أبي الوقت وغيره، وتوفي في المحرم.
وفيها ابن معطي النحوي الشيخ زين الدّين أبو الحسين يحيى بن عبد المعطي بن عبد النّور الزّواوي- نسبة إلى زواوة قبيلة كبيرة بأعمال
إفريقية- الفقيه الحنفي.
ولد سنة أربع وستين وخمسمائة، وأقرأ العربية مدّة بمصر ودمشق، وروى عن القاسم بن عساكر وغيره، وهو أجلّ تلامذة الجزوليّ، وانفرد بعلم العربية، وصنّف «الألفية» المشهورة وغيرها، ومات في ذي القعدة بمصر وقبره قريب من تربة الإمام الشّافعي.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع