من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة تسع وعشرين وستمائة
فيها عاثت التتار لموت جلال الدّين ووصلوا إلى شهرزور، فأنفق المستنصر بالله في العساكر، وجهزهم مع قشتمر النّاصري، فانضموا إلى صاحب إربل، فتقهقرت التتار.
وفيها توفي السّمّذي- بكسرتين وتشديد الميم نسبة إلى السّمّذ وهو الخبز الأبيض يعمل للخواص- أبو القاسم أحمد بن أحمد بن أبي غالب البغدادي الكاتب. روى «جزء» أبي الجهم عن أبي الوقت، وبعضهم سمّاه عليا. توفي في المحرّم.
وفيها الشيخ شرف الدّين إسماعيل الموصلي ابن خالة القاضي شمس الدّين بن الشيرازي. كان ينوب عن ابن الزّكي الشّافعي في القضاء، وهو على مذهب أبي حنيفة. وكان بيده تدريس مدرسة الطرخانية.
بعث إليه الملك المعظّم يقول له: أفت بإباحة الأنبذة، وما يعمل من الرّمّان وغيره، فقال الشيخ شرف الدّين: لا أفتح على أبي حنيفة هذا الباب! وأنا
على مذهب محمد ﵁ في تحريمها، وأبو حنيفة لم تتواتر الرواية عنه في إباحتها، وقد صحّ عن أبي حنيفة أنه لم يشربها قطّ، فغضب المعظّم، وأخرجه من مدرسة طرخان، وولاها لتلميذه الزّين بن العتّال، وأقام هو في بيته تتردد الناس إليه، لا يغشى أحدا من خلق الله تعالى، قانعا باليسير إلى أن مات، رحمه الله تعالى.
وفيها أبو علي الحسين بن المبارك الزّبيدي. قدم بغداد وسكنها، وكان خيّرا، عارفا بمذهب أبي حنيفة، عالي الإسناد. سمع أبا الوقت [السّجزيّ] وغيره، ومنه الأبرقوهي.
وفيها أبو الرّبيع سلمان بن نجاح القوصي [الغمري]. سكن دمشق وكان بارعا في الأدب. ومن شعره:
أراك منقبضا عنّي بلا سببوكنت بالأمس يا مولاي منبسطا
وما تعمّدت ذنبا أستحقّ بههذا الصّدود لعلّ الذّنب كان خطا
فإن يكن غلط منّي على غررقل لي لعلّي أن أستدرك الغلطا
وفيها السلطان جلال الدّين خوارزم شاه منكوبري بن خوارزم شاه علاء الدّين محمد بن خوارزم شاه علاء الدّين تكش بن خوارزم شاه أرسلان ابن خوارزم شاه أتسز بن محمد الخوارزمي. أحد من يضرب به المثل في الشجاعة والإقدام.
قال الذهبي: لا أعلم في السلاطين أكثر جولانا منه في البلدان، ما بين الهند إلى ما وراء النهر، إلى العراق، إلى فارس، إلى كرمان، إلى أذربيجان، وإرمينية، وغير ذلك. وحضر مصافا، وقاوم التتار في أول جدّهم وحدّتهم. وافتتح غير مدينة، وسفك الدماء، وظلم، وعسف، وغدر، ومع ذلك كان صحيح الإسلام. وكان ربما قرأ في المصحف ويبكي.
وآل أمره إلى أن تفرّق [عنه] جيشه وقلّوا، لأنهم لم تكن لهم إقطاع، بل أكثر عيشهم من نهب البلاد. انتهى.
وقال غيره: انهزم من التتار فرآه فلاح من قرية يقال لها: عين دارا، راكبا على سرج مرصّعا باليواقيت، وعلى لجام فرسه الجواهر، فشره الفلّاح إلى ما كان معه فأنزله فأطعمه، فلما نام ضربه بفأس فقتله وأخذ ما معه ودفنه، فبلغ ذلك شهاب الدّين غازي صاحب ميّافارقين، فأحضر الفلّاح وعاقبه، فأقر. وأحضر الفرس والسلاح، وكان جلال الدّين سدّا بين المسلمين والكفّار. فلما مات انفتح السدّ. وكان يتكلم بالتّركية والفارسية. انتهى.
وفيها أبو موسى الحافظ جمال الدّين عبد الله بن عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الحنبلي، الحافظ ابن الحافظ.
ولد في شوّال سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وسمع من عبد الرحمن
ابن الخرقي بدمشق، ومن ابن كليب ببغداد، ومن خليل الرّاراني بأصبهان.
ومن الأرتاحي بمصر. ومن منصور الفراوي بنيسابور. وكتب الكثير، وعني بهذا الشأن. وجمع وأفاد، وتفقه وتأدب وتميّز. مع الأمانة والدّيانة والتقوى.
قال الضياء: اشتغل بالفقه والحديث، وصار علما من الأعلام، حافظا متقنا ثقة.
وقال عمر بن الحاجب: لم يكن في عصره مثله في الحفظ والمعرفة والأمانة، وكان كثير الفضل، وافر العقل، متواضعا، مهيبا، وقورا، جوادا، سخيّا، له القبول التّام، مع العبادة والورع والمجاهدة.
وقال الذهبي: روى عنه الضياء، وابن أبي عمر، وابن النجار، وجماعة كثيرون. ومع هذا فقد غمزه النّاصح بن الحنبلي، وسبط ابن الجوزي بالميل إلى السلاطين.
قال ابن رجب: والعجب أن هذين الرجلين كانا من أكثر الناس ميلا إلى السلاطين والملوك، وتوصلا إليهم، وإلى برّهم بالوعظ وغيره. ولقد كان أبو موسى أتقى لله تعالى، وأورع، وأعلم منهما، وأكثر عبادة، وأنفع للناس. وبنى الملك الأشرف دار الحديث بالسفح على اسمه، وجعله شيخها. وقرّر له معلوما. فمات أبو موسى قبل كمالها.
توفي- ﵀ يوم الجمعة خامس رمضان ودفن بسفح قاسيون.
وفيها عبد الغفّار بن شجاع المحلّي الشّروطي. روى عن السّلفي وغيره، ومات في شوّال عن سبع وسبعين سنة.
وفيها عبد اللّطيف بن عبد الوهّاب بن محمد بن الطّبري. سمع من أبي محمد بن المادح، وهبة الله بن الشّبلي، وتوفي في شعبان.
وفيها الموفق أبو محمد عبد اللّطيف بن يوسف العلّامة ذو الفنون البغدادي الشافعي النّحوي اللّغوي الطّبيب الفيلسوف، صاحب التصانيف الكثيرة.
ولد سنة سبع وخمسين وخمسمائة، وسمع من جماعة كثيرين، منهم:
ابن البطّي، وأبو زرعة، وتفقه على أبي القاسم بن فضلان، وأقام بحلب، وحفظ كتبا كثيرة، ومن تصانيفه «شرح مقدمة ابن باب شاذ» في النحو، و «شرح المقامات» و «شرح بانت سعاد» و «الجامع الكبير» في المنطق والطبيعي والإلهي في عشر مجلدات، و «الرد على اليهود والنصارى» و «غريب الحديث» في ثلاث مجلدات، واختصره. و «شرح أحاديث ابن ماجة المتعلقة بالطب». وحدّث ببلدان كثيرة.
قال الذهبي: كان أحد الأذكياء البارعين في اللغة، والآداب، والطبّ، وعلم الأوائل. لكن كثرة دعاويه أزرت به.
ولقد بالغ القفطيّ في الحطّ عليه، وظلمه وبخسه حقّه.
سافر من حلب ليحجّ من العراق، فأدركه الموت ببغداد في ثاني عشر المحرم. انتهى كلام الذّهبي.
وقال الدّبيثي: غلب عليه علم الطبّ والأدب، وبرع فيهما.
ومن كلامه: من لم يحتمل ألم التّعلّم، لم يذق لذّة العلم، ومن لم يكدح لم يفلح.
وفيها الشيخ عمر بن عبد الملك الدّينوري الزاهد، نزيل قاسيون.
كان صاحب أحوال ومجاهدات وأتباع، وهو والد جمال الدّين خطيب كفر بطنا.
وفيها عمر بن كرم بن أبي الحسن أبو حفص الدّينوري ثم البغدادي الحمّامي.
ولد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وسمع من جدّه لأمه عبد الوهاب الصّابوني، ونصر العكبري، وأبي الوقت [السّجزي]. وأجاز له الكروخي، وعمر بن أحمد الصفّار الفقيه، وطائفة. انفرد عن أبي الوقت بأجزاء، وكان صالحا. توفي في رجب.
وفيها عيسى بن المحدّث عبد العزيز بن عيسى اللّخمي الشّريشي ثم الإسكندراني المقرئ.
سمع من السّلفي، وقرأ القراءات على أبي الطيّب عبد المنعم بن الخلوف، ثم ادعى أنه قرأ على ابن خلف الدّاني وغيره، فاتّهم، وصار من الضعفاء، وفجعنا بنفسه. توفي في سابع جمادى الآخرة. قاله في «العبر».
وفيها الحافظ الرحّال أبو بكر محمد بن عبد الغني بن أبي بكر بن شجاع البغدادي الحنبلي، المعروف بابن نقطة، ويلقب معين الدّين ومحب الدّين أيضا.
ولد في عاشر رجب سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وسمع ببغداد من يحيى بن بوش، وابن سكينة، وغيرهما. ورحل إلى البلدان، فسمع بواسط من أبي الفتح بن المندائي، وبإربل من عبد اللّطيف بن أبي النّجيب السّهروردي. وبأصبهان من عفيفة الفارفانية، وزاهر بن أحمد، وجماعات.
وبخراسان من منصور الفراوي، والمؤيد الطّوسي، وغيرهما. وبدمشق من أبي اليّمن الكندي، وابن الحرستاني، وداود بن ملاعب، وغيرهم. وبمصر من ابن الفخر الكاتب وغيره. وبالإسكندرية من جماعة من أصحاب السّلفي.
وبمكّة من يحيى بن ياقوت. وبحرّان من الحافظ عبد القادر [الرّهاوي].
وبحلب من الافتخار الهاشمي. وبالموصل من جماعة. وبدمنهور، ودنيسر، وبلاد أخر. وعني بهذا الشأن عناية تامّة، وبرع فيه، وكتب الكثير. وحصّل الأصول. وصنّف تصانيف مفيدة.
ذكره عمر بن الحاجب في «معجمه» فقال: شيخنا هذا أحد الحفّاظ الموجودين في هذا الزمان. طاف البلاد، وسمع الكثير، وصنّف كتبا حسنة في معرفة علوم الحديث والأنساب، وكان إماما، زاهدا، ورعا، ثقة، ثبتا، حسن القراءة، مليح الخطّ، كثير الفوائد، متحريا في الرواية، حجّة فيما يقوله ويصنّفه ويجمعه من النقل. ذا سمت ووقار وعفاف، حسن السيرة، جميل الظاهر والباطن، سخي النّفس، مع القلّة، قانعا باليسير، كثير الرغبة إلى الخيرات. سألت الحافظ الضياء عنه فقال: حافظ ديّن ثقة، صاحب مروءة، كريم النّفس، كثير الفائدة. مشهور بالثقة، حلو المنطق. وسألت البرزالي عنه فقال: ثقة ديّن مفيد. انتهى.
وقال المنذري: الحافظ أبو بكر بن نقطة، سمعت منه وسمع مني بجيزة فسطاط مصر وغيرها. وكان أحد المشهورين.
وقال ابن خلّكان: دخل خراسان وبلاد الجبل والجزيرة والشام ومصر، ولقي المشايخ وأخذ عنهم، وكتب الكثير وعلّق التعاليق النافعة، وذيّل على «الإكمال» لابن ماكولا في مجلدين. وله كتاب آخر لطيف في «الأنساب» وله كتاب «التقييد بمعرفة رواة السنن والمسانيد» وله غير ذلك.
وقال ابن رجب: روى عنه المنذري، والسيف بن المجد، وابن الأثري، وابنه اللّيث بن نقطة، وغيرهم.
وذكر ابن الأنماطي أنه سأله عن نسبته فقال: جارية ربّت جدّتي أمّ أبي اسمها نقطة عرفنا باسمها. توفي في سنّ الكهولة بكرة يوم الجمعة ثاني عشري صفر ببغداد ودفن عند قبر أبيه.
وأبوه الزاهد أبو محمد عبد الغني. كان من أكابر الزّهاد المشهورين بالصلاح والإيثار، وله أتباع ومريدون، وبنت له أمّ الخليفة النّاصر مسجدا حسنا ببغداد فانقطع فيه، وكان يقصده الناس فيتكلم عليهم، وزوّجته بجارية من خواصها وجهزتها بنحو من عشرة آلاف دينار، فما حال الحول وعندهم من ذلك شيء، بل جميع ذلك تصدق به. وكان يتصدق في [كلّ] يوم بألف دينار وأصحابه صيام، لا يدّخر لهم عشاء. وقف عليه سائل يلح في الطلب ويصف فقره وأنه منذ كذا لم يجد شيئا، فأخرج إليه الهاون، وقال: خذ هذا كل به في ثلاثين يوما ولا تشنّع على الله ﷿. وتوفي ببغداد في رابع جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ﵀.
وكان محمد بن نقطة ينشد:
لا تظهرنّ لعاذل أو عاذرحاليك في السّرّاء والضّرّاء
فلرحمة المتوجّعين مرارةفي القلب مثل شماتة الأعداء
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع