تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة إحدى وثلاثين وستمائة

فيها تسلطن بدر الدّين لؤلؤ بالموصل، وانقرض البيت الأتابكي.

وفيها تكامل بناء المستنصريّة ببغداد، وهي على المذاهب الأربعة، على يد أستاذ الدّار ابن العلقمي الذي وزر، ولا نظير لها في الدّنيا فيما أعلم. قاله الذهبي.

وفيها توفي صلاح الدّين أحمد بن عبد السّيد بن شعبان الإربلي.

كان حاجبا لمظفّر الدّين صاحب إربل، فتغيّر عليه واعتقله، فلما خرج، خرج إلى الشام ودخل مصر، فعظمت منزلته عند الكامل، ثم تغيّر عليه واعتقله، وكان ذا فضيلة تامّة ونظم حسن، فعمل دو بيت وأملاه لبعض القيان فغنت به، فقال: هذا لمن؟ فقيل للصلاح الإربلي، فأطلقه وعادت منزلته أحسن ما كانت، والدّوبيت:

ما أمر تجنّيك على الصبّ خفيأفنيت زماني بالأسى والأسف
للشاعر الصلاح الإربلي، اقرأ القصيدة
ما ذاك بقدر ذنبي ولقدبالغت فما قصدك إلّا تلفي

وكان الكامل قد تغيّر على بعض إخوته وهو الفائز إبراهيم، فأصلح قضيته الصلاح، وكتب إلى الكامل:

وشرط صاحب مصر أن يكون كماقد كان يوسف في الحسنى لإخوته
للشاعر الصلاح الإربلي، اقرأ القصيدة
أسوا فقابلهم بالعفو وافتقروافبرّهم وتولّاهم برحمته

وله:

وإذا رأيت بنيك فاعلم أنّهمقطعوا إليك مسافة الآجال
وصل البنون إلى محلّ أبيهموتجهّز الآباء للتّرحال
للشاعر الصلاح الإربلي، اقرأ القصيدة

وفيها أبو محمد إسماعيل بن علي بن إسماعيل البغدادي الجوهري عن ثمانين سنة. روى عن هبة الله الدقّاق، وابن البطّي، وطائفة. وتفرّد بأشياء، وكان صالحا ثقة، توفي في ذي القعدة. قاله في «العبر».

وفيها ابن الزّبيدي سراج الدّين أبو عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى بن مسلم بن موسى بن عمران الرّبعي الزّبيدي الأصل البغدادي البابصري الحنبلي. مدرس مدرسة عون الدّين بن هبيرة.

ولد سنة ست وأربعين وخمسمائة، وروى عن أبي الوقت [السّجزي]، وأبي زرعة [المقدسي]، وأبي زيد الحموي، وغيرهم. وقرأ القرآن بالرّوايات. وتفقه في المذهب وأفتى، وكانت له معرفة حسنة بالأدب، وصنّف تصانيف، منها كتاب «البلغة» في الفقه. وله منظومات في اللغة، والقراءات،

وكان فقيها، فاضلا، ديّنا، خيّرا، حسن الأخلاق، متواضعا. وحدّث ببغداد، ودمشق، وحلب، وغيرها من البلاد. وسمع منه أمم، وروى عنه خلق كثير من الحفّاظ وغيرهم، منهم الدّبيثي، والضياء. وآخر من حدّث عنه أبو العبّاس الحجّار الصّالحي. سمع منه «صحيح البخاري» وغيره، وتوفي ثالث عشري صفر ببغداد.

وفيها العلبي زكريا بن علي بن حسّان بن علي أبو يحيى البغدادي الصّوفي. روى عن أبي الوقت [السّجزي] وغيره، وكان عامّيّا. مات في ربيع الأول.

وفيها السّيف الآمدي أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد الحنبلي ثم الشافعي المتكلم العلّامة، صاحب التصانيف العقلية.

ولد بعد الخمسين بآمد، وقرأ القراءات والفقه، ودرس على ابن المنّي، وسمع من ابن شاتيل، ثم تفقه للشافعي على ابن فضلان، وبرع في الخلاف، وحفظ طريقة أسعد الميهني، وقيل: إنه حفظ «الوسيط» للغزالي، وتفنن في علم النظر، والكلام، والحكمة، وكان [ذكيا] من أذكياء العالم.

أقرأ بمصر مدة، فنسبوه إلى دين الأوائل، وكتبوا محضرا بإباحة دمه، فلما رأى بعضهم ذلك الإفراط وقد حمل المحضر إليه ليكتب كما كتبوا، كتب:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيهوالقوم أعداء له وخصوم
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه»

قال ابن خلّكان: وضعوا خطوطهم بما يستباح به الدّم، فخرج مستخفيا إلى الشام، فنزل حماة مدة، وصنّف في الأصلين، والحكمة، والمنطق، والخلاف، وكلّ ذلك مفيد، ثم قدم دمشق في سنة اثنتين وثمانين فأقام بها مدة، ثم ولاه الملك المعظّم بن العادل تدريس العزيزية، فلما ولي أخوه الأشرف موسى عزل عنها ونادى في المدارس: من ذكر غير التفسير، والحديث، والفقه، أو تعرّض لكلام الفلاسفة، نفيته. فأقام السيف الآمدي خافيا في بيته إلى أن توفي في صفر، ودفن بتربته بقاسيون.

ويحكى عن ابن عبد السلام أنه قال: ما تعلّمنا قواعد البحث إلّا منه، وأنه قال: ما سمعت أحدا يلقي الدّرس أحسن منه، كأنه يخطب، وأنه قال:

لو ورد على الإسلام متزندق يشكك ما تعيّن لمناظرته غيره [لاجتماع آلات ذلك فيه].

وقال سبط ابن الجوزي: لم يكن في زمانه من يجاريه في الأصلين، وعلم الكلام. ومن تصانيفه المشهورة «الإحكام في أصول الأحكام» مجلدين، و «ابكار الأفكار» في أصول الدّين، في خمس مجلدات، واختصره في مجلد.

قال الذهبي: وله نحو من عشرين تصنيفا.

وقال السّبكي: وتصانيفه كلّها حسنة منقّحة.

وفيها القرطبيّ أبو عبد الله محمد بن عمر المقرئ المالكي، الرجل الصالح. حجّ. وسمع من عبد المنعم بن الفراوي وطائفة. وقرأ

القراءات على أبي القاسم الشّاطبي، وكان إماما، زاهدا، متقنا، بارعا في عدة علوم، كالفقه، والقراءات، والعربية، طويل الباع في التفسير. توفي بالمدينة المنورة في صفر. قاله في «العبر».

وفيها طغريل شهاب الدّين، الخادم أتابك صاحب حلب، الملك العزيز، ومدبّر دولته. كان صالحا، خيّرا، متعبّدا، كثير المعروف، ذا رأي، وعقل، وسياسة، وعدل.

وفيها الشيخ عبد الله بن يونس الأرمني الزّاهد القدوة، صاحب الزّواية بجبل قاسيون. كان صالحا، متواضعا، مطّرحا للتكلف، يمشي وحده، ويشتري الحاجة. وله أحوال، ومجاهدات، وقدم في الفقر. سافر [إلى] الأقطار، ولقي الأبدال والأبرار. كان في بدايته لا يأوي إلّا [إلى البراري] القفار. قرأ القرآن، وتفقه لأبي حنيفة، وحفظ «القدوري» وصحب رجلا من الأولياء، فدلّه على الطريق.

بعث إليه الأمجد صاحب بعلبك أربعين دينارا يقضي بها دينه وهو بالقدس، فأخذها الرّسول. ثم إن الأمجد زاره وقال له: بعثت إليك أربعين

دينارا، فقال الشيخ: وصلت، وشكره، فجاء الرسول يستغفر، فقال: قد قلت له: إنها وصلت.

وحكى عن نفسه غير أنه لم يصرح. قال: كان فقيرا يدور في جبل لبنان، فوقع عليه حراميّة الفرنج، فعذّبوه وربطوه، وبات في أشدّ ما يكون.

فلما أصبحوا ناموا، وإذا حراميّة المسلمين يطلبون حراميّة الفرنج، فأيقظهم وقال: اقعدوا جاءتكم حراميّة المسلمين. فدخلوا مغارة ودخل معهم، ولم يرهم حراميّة المسلمين، فلما بعدوا قال الفرنج له: هلّا دللت علينا وتخلّصت؟ فقال لهم: إني صحبتكم وأكلت خبزكم. وفي طريقنا أن الصحبة عزيزة، فما رأيت خلاص نفسي بهلاككم. فشكروه على ذلك، وسألوه أن يقبل منهم شيئا من الدّنيا، فأبى فأطلقوه.

وفيها أبو نصر عبد الرحيم بن محمد بن الحسن بن عساكر. روى عن عمّيه الصّائن، والحافظ، وطائفة. وكان قليل الفضيلة. توفي في شعبان قاله في «العبر».

وفيها أبو رشيد الغزال محمد بن أبي بكر محمد بن عبد الله الأصبهاني المحدّث التّاجر. سمع من خليل الرّارانيّ وطبقته. وكان عالما، ثقة. توفي ببخارى في شوال.

وفيها محيي الدّين بن فضلان، قاضي القضاة، أبو عبد الله محمد ابن يحيى بن علي بن الفضل البغدادي الشافعي، مدرس المستنصريّة.

تفقه على والده العلّامة أبي القاسم، وبرع في المذهب، والأصول، والخلاف، والنظر. وولي القضاء في آخر أيام الناصر، فلما استخلف الظاهر عزله بعد شهرين من خلافته.

قال ابن شهبة في «طبقاته»: رحل إلى خراسان، وناظر علماءها، وولي تدريس النّظاميّة ببغداد، ثم ولي قضاء القضاة، ثم عزل. ودرّس بالمستنصريّة عند كمال عمارتها في رجب، سنة إحدى وثلاثين، وهو أوّل من درّس بها. وتوفي بعد أشهر في شوال- أي عن بضع وستين سنة- وكان موصوفا بحسن المناظرة، سمحا، جوادا، نبيلا، لا يكاد يدّخر شيئا.

وفيها المسلّم بن أحمد بن علي أبو الغنائم المازنيّ النّصيبي ثم الدمشقي. روى عن عبد الرحمن بن أبي الحسن الدّاراني، والحافظ أبي القاسم بن عساكر، وأخيه الصائن. ودخل في المكس مدّة، ثم تركه. وروى الكثير. توفي في ربيع الأول، وآخر من روى عنه فاطمة بنت سليمان. قاله في «العبر».

وفيها الأمير ركن الدّين منكورس، مملوك فلك الدّين أخي العادل.

كان ديّنا، صالحا، عفيفا، ملازما لجامع بني أميّة، وله بقاسيون مدرسة وتربة أوقف عليها شيئا كثيرا، وداخل دمشق مدرسة كبيرة للشافعية، وقرية جرود وقف عليهما. توفي بجرود، وحمل فدفن في تربته بقاسيون.

وفيها أبو الفتوح الأغماتي ثم الإسكندراني ناصر بن عبد العزيز بن ناصر. روى عن السّلفي، وتوفي في ذي القعدة.

وفيها الرّضيّ الرّخيّ- بتشديد الخاء المعجمة نسبة إلى الرّخ ناحية بنيسابور - أبو الحجّاج يوسف بن حيدرة، شيخ الطب بالشام، وأحد من انتهت إليه معرفة الفنّ. قدم دمشق مع أبيه حيدرة الكحّال في سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ولازم الاشتغال على المهذّب ابن النقّاش فنوّه باسمه، ونبّه على [محلّ] علمه، وصار من أطباء صلاح الدّين، وامتدت أيّامه، وصارت أطباء البلد تلامذته، حتّى إنّ من جملة أصحابه المهذّب الدّخوار، وعاش سبعا وتسعين سنة، ممتعا بالسمع والبصر. توفي يوم عاشوراء. قاله في «العبر».

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.